صالح موسى شرف
وكيل الأزهر وشيخ علماء الصعيد شيخ الشيوخ، العلامة الجليل المتكلم المعقولي المتفنن: صالح موسى حسن أحمد شرف العدوي، أطلق عليه فقيه المذاهب الأربعة، وشيخ علماءِ الصعيد، وشيخ علماءِ المالكية، وبَزّ أقرانه في علمي التوحيد والمنطق.
وُلد في قرية بني عديات الوسطانيَّة، مركز منفلوط، مديرية أسيوط، في ٣٠ ذي الحجة، سنة ١٣١١هـ، الموافق ٤ يوليو، سنة ١٨٩٤م، والتحق في السابعة من عمره بمكتب الدردير الكبير، وتعلَّم القرآن الكريم، وحفظه وفهم أحكامه وتجويده وسنُّه لا يتجاوز الثالثة عشرة، التحق بعدَها بالأزهر الشريف في محرم سنة ١٣٢٧هـ، الموافق ١٩٠٨م.
وتتلمذ على يد أفاضل العلماء؛ مثل: الشيخ عبد الحكم عطا، والشيخ حسن الحواتكي، والشيخ أحمد هيكل، والشيخ محمد ماضي الرخاوي، والشيخ محمد البراد السكندري، والشيخ عوض الله المرصفي، والشيخ محمد حسنين مخلوف وهو عمدته، وابنه الشيخ حسنين مخلوف تلقى عليه المنطق والمقولات، والشيخ محمد البرادعي، والشيخ حسن مدكور، والشيخ يوسف الدجوي، والشيخ مصطفى الطماوي، وغيرهم.
وكان إذا رجع البلد في المسامحات يلازم دروس عالم الصعيد العلامة الشيخ حسن أحمد رفاعي الهواري العدوي، والعلامة الشيخ مصطفى حسن العسيلي العدوي، اللذين كان لهما الفضل في نشر العلوم وإحيائها في بني عدي.
وقد مكث في الأزهر ثماني سنوات، ثم تقدم سنة ١٣٣٥هـ لامتحان الشهادة الأهلية، التي تؤهل حاملها لدخول القسم العالي، وكان الامتحان شفويا، وكانت لجنة مؤلفة من ثلاثة من كبار العلماء، فنجح وكان ترتيبه الأول، ونال جوائز مالية كانت تعدها مشيخة الأزهر للمتفوقين من الطلاب في علوم الفقه والأصول والتوحيد والتفسير والحديث والأخلاق والمنطق والإنشاء، بعد امتحان مسابقة تعده مشيخة الأزهر، والمتفوق يُعطى هذه المكافأة، فنالها خمس مرات، كانت مشجعة له على الجد والمثابرة.
ثم واصل التحصيل حتى تقدم لنيل شهادة العالمية سنة ١٣٤١هـ الموافق ١٩٢٤م، وجرى امتحانه أمام لجنة يرأسها الشيخ عوض الله المرصفي، وأعضاؤها أصحاب الفضيلة: الشيخ محمد سليمان السرتي، شيخ علماء الإسكندرية، والشيخ القريني، والشيخ البراد، والشيخ المرشدي، والشيخ عبد المقصود عبد الخالق، فنال الشهادة وكان ترتيبه الثالث من بين الناجحين، البالغ عددهم مائة وثلاثة وأربعين عالمـًا.
وكان تأثره الأكبر بشيوخه الثلاثة: الشيخ يوسف الدجوي، والشيخ محمد حسنين مخلوف، والشيخ عبد الحكم عطا، رحمهم الله.
وعين إماما وخطيبا ومدرسا بالأوقاف، التي عينته بإحدى قرى بني مزار بمحافظة المنيا، وكان أول عالم يصل إلى هذه القرية، ثم نقل إلى مسجد معهد أسيوط الأزهري، وكان محلا للدراسة.
ولهذا تفصيل يحسن ذكره، قال: (كنت شغوفا جدا بعد التخرج أن أكون مدرسا في الأزهر، أو في المعاهد التابعة لهم، وكانت قاعدة التوظف للعلماء تشملني، لأنها كانت تخص العشرة الأوائل فقط، فمكثت أترقب دوري، وفي أثناء ذلك قدمت طلبات للمدارس الأهلية، ومجالس المديريات والمساجد، ولكن شاء القدر أن أوظف في المساجد، فعينت إماما وخطيبا ومدرسا بمسجد "منشاة الديابة" التابعة لمركز بني مزار، بمديرية المنيا.
فسافرت إلى هذه الجهة، وأقمت هناك سنة لم أر في حياتي مثلها، فمن إكرامٍ وإجلالٍ وإقبالٍ رأيته من هذه البلاد، وكانت هذه البلدة التي عينت فيها مشهورة بكثرة حوادثها، والخصومات بين أهلها، حتى إنهم حسبوا لها في سنة من السنين جنايات أكثر من جنايات مديرية المنيا كلها، ولكن بفضل العلم ونشره بين أهلها حلَّ الوفاق، وزال ما بينهم من الشقاق، وتسابقوا إلى حضور دروسي شبانا وشيبا، وكان الرجل إذا سمع الدرس وذهب إلى أهله وبيته ذكر لهم مضمون ما سمعه.
نعم! قد أثر فيهم الإرشاد والوعظ، فتصافحوا وتزاورا -بعد أن كان الكلام حراما بينهم- وعرف الناس عنهم ذلك، وعرفت الإدارة الحاكمة انقلاب حالهم إلى أحسن، وعرف رجال القضاء ذلك أيضا؛ إذ لم تصل إليهم قضية في مدة إقامتي بينهم، فتساءلوا عن السبب فعرفوا أن الوازع الديني له تأثير شديد أكثر من الوازع الحكومي، فشكرني المأمور على ذلك المجهود الذي بذلته بينهم.
وكان يفد إلى دروسي كثير من أهل البلاد المجاورة، إما مشاة وإما ركبانا؛ من: صَنْدَفا، والبهنسا، وأبي العيدين، ومنشاة البابا، وساقولة، وغيرها، وكثيرًا ما انتدبت لإلقاء درس أو خطبة في المساجد الأخرى، وإصلاح ذات البين في جهات بعيدة.
ولا أنسى ما حييت فضل "آل عبد الرازق"، تلك العائلة العريقة في المجد والعلم، فقد حبوني بفضلهم، وغمروني بعطفهم وكرمهم، خصوصًا علي عبد الرازق بك، عمدة منشاة اليوسفي، فقد آلى ألا أفارق منزله، وأن أكون في ضيافته مدة إقامتي بمنشاة الديابة، فلقيت من إكرامه وحسن وفائه ما يعجز عن وصفه قلمي، وكان يحضر دروسي هو وأولاده وأخوه.
وفي سنة ١٣٤٥هـ، يناير سنة ١٩٢٦م نقلت إلى المسجد الأموي بأسيوط، وقد كان يوم سفري من المنشاة إلى أسيوط يوم حزن ظهر على أهالي هذه البلاد جميعا، فقد خرجوا لوداعي، ولم يكتفوا بمحطة صندفا، بل ركبوا معي القطار إلى محطة بني مزار، ولا زالت صلات المودة والتزاور بيني وبينهم قائمة نامية إلى وقتنا هذا، فجزاهم الله خيرا وبارك فيهم).
وأقول: وهذا يكشف عن نبل الطباع في قرية منشاة الديابة، وكيف أنهم ضربوا مثلًا رفيعًا وجليلًا في الاستجابة لإصلاح ذات البين، مما تكتمل به محاسنهم مع كرمهم وفضلهم.
ويكشف لنا أيضا عن حقيقة دور رجال الأزهر في بناء الإنسان، وحفظ الأوطان، وكيف أنهم ما دخلوا بلدًا إلا حل فيه الأمان واجتماع الشمل.
ولما أُدْخلت العلوم الحديثة إلى الأزهر، أُعلن عن مسابقة للعلماء في هذه العلوم، فدخلها ونجح فيها، وعين مدرسًا في معهد أسيوط، وكان من تلاميذه فيه: الشيخ محمد نايل، والشيخ محمد قناوي، والشيخ يحيى عبد العاطي.
ثم نقل إلى معهد الزقازيق الأزهري، ثم إلى معهد أسيوط مراقبًا له، ثم نقل إلى كلية أصول الدين سنة ١٩٣٨م بناء على طلب الشيخ اللبان شيخ الكلية، وعهد إليه بتدريس التوحيد والمنطق في جميع السنوات.
واختير عضوًا بهيئة كبار العلماء سنة ١٩٤٥م، لتأليفه كتابًا في التوحيد، عالج فيه أربعة عشر مبحثًا، ثار فيها الجدل بين المتكلمين، ثم عين شيخًا لمعهد أسيوط الأزهري حتى سنة ١٩٥٢م، ثم عاد إلى كلية أصول الدين مدرسًا، ثم عين سكرتيرًا عامًّا للأزهر سنة ١٩٥٤م، في عهد الإمام الأكبر المرحوم عبد الرحمن تاج، ثم انتدب وكيلًا للأزهر.
ومن مؤلفاته: (رسالة التوحيد) للسنوات الأولى والثانية والثالثة والرابعة بكلية أصول الدين، (رسالة المنطق في شرح القطب)، (رسالة المنطق في شرح الخبيصي)، (رسالتان في شرح الاقتصاد في الاعتقاد) لحجة الإسلام الغزالي، (تفسير سورة البقرة)، (التشابه بين آيات القرآن، مع بيان السر في التشابه)، (إجابات عن أسئلة نشرت في رمضان).
ومن تلامذته أيضا السادة العلماء: عوض الله حجازي رئيس جامعة الأزهر لاحقا، محمد الطيب النجار، رئيس جامعة الأزهر، الحسيني هاشم وكيل الأزهر، محمد شمس الدين إبراهيم المنطقي، موسى شاهين لاشين نائب رئيس جامعة الأزهر، محمد الغزالي السقا، محمد الصادق عرجون عميد كلية أصول الدين، والإمام الأكبر الشيخ أحمد الطيب حفظه الله، تُوفِّي في الثاني والعشرين من شهر ربيعٍ الآخر، سنة ١٤٠٥هـ، الموافق الرابع عشر من يناير، سنة ١٩٨٥م، عن عمرٍ يُناهز الثانية والتسعين تقريبًا.
ينظر: جمهرة أعلام الأزهر الشريف، تأليف الأستاذ الدكتور/ أسامة الأزهري ( ٧/ ١٣١) الطبعة الأولى عام ٢٠١٩م.