العلامة الشيخ:
الحسيني مصطفى داود الريس الحنفي الأزهري، ولد يوم ١٢ نوفمبر سنة ١٩٢٥م، ونشأ في بيت علم وفضل وكرم، لأن سبعة عشر عالمـًا من أسرة الريس حصلوا على العالمية وإجازة التدريس بالأزهر، وكان يوجد معمر في العائلة جاوز المئة والعشرين سنة من العمر.
ومن طرائف جده الحاج داود الريس أنه كان تاجرًا كبيرًا، وقبل أن يتوفى كانت عنده خزينة ممتلئة بالكمبيالات وإيصالات أمانة على الصيادين، فحرقها ورفض أن يورث هذه الديون لأولاده، وكان يقول (أخاف الله أن أظلم صيَّادًا واحدًا ويكون خصمي يوم القيامة)، وقد أوقف الجد المذكور عشرة فدادين لمن يتعلم في الأزهر من أبناء العائلة.
وقد ولد الحسيني بالمطرية في الدقهلية، وكان يتنقل ما بين بورسعيد والمطرية، وحفظ القرآن على يد رجل لم ينسه طوال حياته وهو الشيخ عبد السلام الحريري من المطرية، وختم القرآن في الرابعة عشرة من عمره، وكانت مكافأته عندما ختم القرآن هو إلقاء خطبة الجمعة في مسجد الريس بالمطرية.
وتربى على يد خاله الشيخ عبد السلام الريس، وكان من جيل الشيخ الشعراوي، وسافر معه إلى السعودية، وتأثر الشيخ الحسيني بالشيخ عبد السلام وولعه باللغة العربية، حتى احترفها.
وأسهم في بناء شخصية الشيخ الحسيني أن والده الشيخ مصطفى كان محاميًا شرعيًّا ومأذونًا ببورسعيد، وخطيبًا بالمطرية، واستكمل دراسته والتحق بالمعهد الأزهري بدمياط للمرحلة الابتدائية، بناءً على رغبة والدته في التعلم بالأزهر.
وأثناء دراسته ظهرت عنده موهبة الشعر، وذلك عندما رفض مدرس اللغة العربية شرح الدرس، فأخذ يداعب المعلم بالشعر حتى ضحك المعلم وشرح الدرس.
ثم انتقل إلى المعهد الأزهري بالزقازيق للمرحلة الثانوية، وكان يدرس له الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله، ثم انتقل في الصف الثالث إلى المنصورة، وكتب قصيدة شعر استقبل بها شيخ الأزهر في قدومه، وذلك سنة ١٩٤٨م، ثم انتقل إلى جامعة الأزهر سنة ١٩٥٠م إلى ١٩٥٤م، ودرس علم الشريعة والفقه، وخاصة الفقه الحنفي، وكان يأمل آنذاك أن يكون قاضيًا شرعيًّا، إلا أن القضاء الشرعي قد ألغي.
ثم عمل مدرسًا من سنة ١٩٥٥م في مدارس العصفوري، وفي عام ١٩٥٩م انتقل إلى المطرية إمامًا وخطيبًا في منطقة الغسنة، وكانت والدته قد توفيت والدته سنة ١٩٥٧م، وبعد خمسة وأربعين يوما توفي والده، وتقدم في وزارة الأوقاف للعمل بها وتم اختباره وكان في لجنة الامتحان الشيخ محمد الغزالي، وقبلته اللجنة، وتعين في الأوقاف، وعين في مسجد التوفيقي ببورسعيد.
وفي عام ١٩٦٧م كان يطالب الشيوخ بتعلم ضرب النار للدفاع عن بورسعيد من الاحتلال، وكان يخطب في المسجد للحث على المقاومة الشعبية، وكان يذهب لتعلم إطلاق النار مع القسيس بطرس الجبلاوي، وكان الجيش يدربهم على ذلك، وكان الأول في الاختبارات، ثم انتقل إلى مسجد لطفى شبارة، وكانت الهجرة سنة ١٩٦٩م، وقام بتهجير أهله الا أنه ظل للنضال في بورسعيد.
ثم عين مفتشًا للمساجد في بورسعيد، وابتعث سنة ١٩٧٥م إلى السودان، ثم السعودية، ثم البحرين، ثم عاد إلى بورسعيد سنة ٢٠٠٠م، واستمر في مجال الدعوة، فكان يلقي دروسًا في العباسية والمطرية، وله دواوين وقصائد نشرت في مجلة الهداية البحرانية، وكان له كرسي في الحرم يلقي فيه الدروس أيام الحج، وكان صديقًا للإمام الأكبر الشيخ جاد الحق، وكان يرسل للأزهر فتاوى وبحوثًا.
وله مؤلفات عدة منها: (أطوار الفقة الإسلامي)، و(الطلاق بين التقيد والإطلاق)، و(الحج الميسر للمذاهب الإسلامية)، و(فى ظل الله)، و(التعدد بين القبول والرفض)، و(الإسراء وبيت المقدس)، و(الشباب المسلم ودوره المعاصر)، و(عناية الإسلام بالفرد المسلم)، و(الكتاب والسنة وآثارهما في رقي الأمة)، و(رياض القرآن) تفسير للجزء الأول من القرآن الكريم، وديوان (إسلاميات وخواطر ومشاة المساجد) مكون من ٨ أجزاء، و(من توجيهات الإسلام: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، و(خطورة الفتيا وإنكار السنة).
وقد توفي يوم ١٣ المحرم، سنة ١٤٣٥هـ، الموافق ١٧ نوفمبر سنة ٢٠١٣م عن عمر يناهز الثمانية والثمانين عامًا، وفي ليلة وفاته الساعة الثالثة والنصف صباحًا قال لأبنائه وزوجته: (سأخطب لكم الخطبة الأخيرة: أعلن أنني سامحت من ظلمني، وأطلب إن كنت ضايقت أحدًا فليسامحني)، ولفظ أنفاسه الأخيرة، رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.
ينظر جمهرة أعلام الأزهر الشريف تأليف الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري ( ٩/٩٤).