العلامة الولي الصالح الرباني:
الشيخ محمد الشهير بــ(عبد الوهاب) بن عبد السلام بن قاسم بن صالح الرضواني المالكي الأزهري الشريف الحسيني.
ولد يوم ٨ مايو سنة ١٩٣٤م؛ بقرية المريس، التابعة لمركز أرمنت بمحافظة الأقصر، وكان والده رجلًا صالحًا تقيًّا شديد الملازمة للقطب الرباني العارف بالله الشيخ أحمد رضوان، شديد الحب له، حريصًا على خدمته، حتى إنه كان يسمع نداء الشيخ عليه من الساحة الرضوانية بالأقصر وهي شرق النيل، وهو في بلده المريس غرب النيل، فيأتيه، وكان يملأ جرة المياه الخاصة بالقطب الرباني من ماء النيل ثم يحملها على كتفه مسافة تزيد على الثلاثة كيلو مترات حبًّا وخدمة لهذا الولي الصالح، في هذا الجو الطيب المبارك وهذه البيئة المباركة نشأ المترجم.
ثم إن مولانا الشيخ أحمد رضوان أشار على والده بإلحاقه بالأزهر الشريف، فالتحق بمعهد بلصفورة الأزهري بسوهاج، ولما أتم المرحلة الابتدائية (الإعدادية حاليا)، انتقل إلى معهد قنا الأزهري، ثم التحق بكلية أصول الدين بقسم الحديث والتفسير وتخرج فيها سنة ١٩٦٦م، وحصل على درجة التخصص (الماجيستير) في الحديث في ٩ سبتمبر سنة ١٩٦٩م.
وعين بعد تخرجه إمامًا بأوقاف قنا، ثم رقي إلى التفتيش في ٢/٣/١٩٨٩م، ثم منح الدرجة الأولى في ٤/٩/١٩٨٩م، ثم رقي إلى مفتش أول في ٢٧/١١/١٩٩٣م، ثم رقي إلى مدير عام الوعظ والإرشاد بقنا والبحر الأحمر في ٢٧/١٠/ ١٩٨٤م.
وظل في هذا المنصب حتى ١٧/٩/١٩٩٤م، ولما أحيل إلى المعاش جاء قرار من رئيس مجلس الوزراء بالتعيين مدير عام شئون المناطق بالوعظ.
وأعير إلى أندونيسيا ضمن بعثة الأزهر من ١/١/١٩٧٧م، إلى ١٩/٢/١٩٨٢م، مدرسًا بكلية الآداب -سنن كليجاكا- بجزيرة جوكجاكرتا، كان فيها نعم المثال للعالم الأزهري، أجله زملاؤه وطلابه هناك، وأحبوه حبًّا جمًّا، وأثر في شخصياتهم وسلوكهم وتفكيرهم.
وأشرف بها على العديد من رسائل الدكتوراه، حتى إن بعض طلبته الأندونيسيين لما وفدوا للدراسة في الأزهر الشريف بمصر، حرصوا على زيارته بالساحة الرضوانية بالأقصر وفاء لحق شيخهم عليه.
وأرسل له أحد علماء أندونيسيا رسالة يسأله فيها عن كتاب (غاية الأماني في الرد على النبهاني) لمحمود شكري الألوسي، وعما ورد فيه من إساءة للعلماء الأجلاء الكبار كالسيوطي، والهيتمي، والسبكي، وهل من رد على هذا الكتاب، ثم أتبعها سؤالًا عن إحداث تعدد الجمعة في قريته بما لم يكن معهودًا عندهم، وهل يجوز ذلك، وإن لم يجز فما واجب الشافعية - وهم أكثر الأمة الأندونيسية - تجاه هذا الأمر؟
وهكذا كان مرجعًا للفتوى في كل بلد حل فيه، واشتغل بالدعوة وتعليم الناس أمور دينهم، وكان مرجع الناس في الفتوى في الأقصر كلها، وإمامًا وخطيبًا لمسجد الساحة الرضوانية المباركة بالأقصر لمدة تزيد على الثلاثين سنة، ومتحدثًا في الاحتفالات التي تقام بها، ومعلمًا ومرشدًا لزائريها.
وكانت يعقد مجالس في القرآن، والحديث، والسيرة النبوية، والفقه المالكي بمسجدها، وكان كثير الصمت، قليل الكلام.
يقول فضيلة الشيخ فراج منصور الرزيقي الأزهري وهو زميله وصديقه: "كان الشيخ عبد الوهاب قليل الكلام إلا فيما يعنيه منذ أن كان طالبًا في معهد بلصفورة، بَشوشًا، شديد الأدب، موضع احترام أساتذته وإخوانه من الطلاب".
وكان موضع محبة وإقبال من شيخه العارف بالله الشيخ أحمد رضوان، وأذن له شيخه بالحديث والخطابة في مجلسه المهيب العظيم، وكذلك في مجالس أبنائه العارفين من بعده، وتزوج بنت شيخه: السيدة سكينة أحمد رضوان حفظها الله يوم الأربعاء ٢٦ من شهر ربيع الأول سنة ١٣٨٩هـ الموافق ١١ من يونيه ١٩٦٩م، وله منها خمسة أبناء.
وكان شديد الحب لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، كثير الرؤيا له، كثير الزيارة له، حج أكثر من مرة، واعتمر مرات كثيرة، وكان متعلقًا بالقرآن الكريم تعلقًا شديدًا، ومكث سنوات يختم القرآن كل ثلاثة أيام، وفي آخر حياته كان يختمه كل ليلة.
وأما أبرز شيوخه: فعلى رأسهم العارف بالله سيدي الشيخ أحمد رضوان، وفضيلة الشيخ محمد الحداد الجزيري الشندويلي مدرس الفقه المالكي بمعهد بلصفورة، وكان يقول عن نفسه: "لو أحرقت كتب المالكية لأمليتها من ذاكرتي"، وله شرح على متن العشماوية، وشرح على الرسالة، وفضيلة الشيخ جمال الدين أحمد علي بدر، شيخ معهد بلصفورة، وأخوه فضيلة الشيخ علي أحمد علي بدر، مدرس بمعهد بلصفورة، وأخوه فضيلة الشيخ زكي بدر، مدرس بمعهد بلصفورة، وبمعهد قنا: فضيلة الشيخ أحمد سعيد، وفضيلة الشيخ أحمد صديق متولي، وفضيلة الشيخ محمد صديق متولي، وفضيلة الشيخ مناع، وفضيلة الشيخ حسن النجار، وفضيلة الشيخ القفطاوي، وبكلية أصول الدين: فضيلة العلامة الشيخ المحدث الدكتور محمد محمد السماحي، وفضيلة العلامة الشيخ الدكتور محمد محمد أبو شهبة، ومن في طبقتهما، ومن أقرانه: فضيلة العلامة الدكتور أحمد طه ريان الأزهري، وفضيلة الشيخ فراج منصور الرزيقي الأزهري، وفضيلة الشيخ سعد عبد الله الدبابي الأزهري.
والتقى بالكثير من العلماء والأكابر الذين كانوا في مجلس الشيخ أحمد رضوان، مثل الإمام الأكبر الدكتور عبد الحليم محمود، والشيخ محمد أبو العيون، والشيخ أحمد حسن الباقوري، والشيخ إسماعيل صادق العدوي، والشيخ صالح الجعفري، وغيرهم من الأكابر والأجلاء والعلماء من مصر والأقطار العربية والإسلامية.
وبالجملة فقد كان محمديا في كل شيء، في صفاته، وأخلاقه، وسمته، وعلمه، وعمله، نموذجًا يحتذى به، وقدوة يتأسى به، حتى التحق بالرفيق الأعلى بعد اشتداد المرض عليه في أسيوط يوم الاثنين ١٨ من صفر ١٤٣٧هـ الموافق ٣٠ من نوفمبر ٢٠١٥م، وصُلي عليه بمسجد الساحة الرضوانية بالأقصر في جمع غفير، ودفن بمدافن الرضوانية، ورؤيت له الرؤى الصالحة بعد انتقاله.
ينظر جمهرة أعلام الأزهر الشريف تأليف الأستاذ الدكتور أسامة الأزهري ( ٩/١٣٥).