محمد الببلاوي
وكيلُ دار الكتب السلطانية وخطيب المسجد الحسيني فضيلة الشيخ محمد ابن الإمام الأكبر السيد: علي الببلاوي الحسني، ولد قبل فجر ليلة الجمعة، ١٤ من شوال، سنة ١٢٧٩هـ، الموافق سنة ١٨٦٣م.
ثمّ حفظَ القرآن في مكتب الشيخ أحمد البقشيشي أحد مشاهير القراء في عصره، ثم أرسله والده إلى مدرسة العقادين، فتعلم فيها بإرشاد والده ما يلزمه في الأزهر، من فنون هذه المدرسة، كالحساب والجغرافيا ومبادئ الهندسة وشيء من النحو والصرف.
ثمّ انتظم في سلك طلبة العلم بالأزهر سنة ١٢٩٢هـ، وجد في تحصيل فنونه، وتلقى على كبار شيوخه، وكان في مدة دراسته هناك نابغة بين إخوانه، يشهد له كل من شاركه بالفطنة والذكاء.
وكان مولعًا أثناء طلبه العلم بالأزهر بجمع نفائس الكتب، مغرمًا بترتيبها، والبحث عنها في مظانها، وعين في جملة وظائف علمية شريفة، منها نقابة الأشراف بعد أبيه، ومنها تعيينه خطيبًا للمسجد الحسيني.
ومنها تعيينه سنة ١٣٠٠هـ وكيلًا للكتبخانة الخديوية؛ إذ كان قد أغرم بالكتب، فعين مُغيِّرًا في الكتبخانة سنة ١٣٠٠هـ، وقد صادف ذلك هوى في نفسه، فجد في ترتيب فنونها وتنسيق فهارسها والبحث عن تواريخ المؤلفين وسيرهم، حتى كان كثير من الأفاضل الذين يقصدون هذه الدار يعجبون من سرعة خاطره في الإجابة عما يُسأل عنه فيها، ويتحدثون بقوة ذاكرته لأسماء المؤلفين، ومواليدهم، ووفياتهم.
وكانت له اليد الطولى في تحرير الفهارس المطبوعة، وتقدم حتى صار وكيلا للدار، ولم تشغله عن متابعة الدراسة فأحرز شهادة العالمية سنة ١٣٢٢هـ، وأرسله الملك فؤاد الأول إلى الآستانة سنة ١٩٢١م فأتى بمختارات من كتبها صورت له، وعين مراقبًا لإحياء الآداب العربية في الدار.
ولما وجهت وظيفة نقابة الأشراف إلى والده السيد الببلاوي الكبير نزل لولده المترجم عن وظيفة الخطابة في المسجد الحسيني، فكانت خطبه في هذا المسجد محل إعجاب السامعين، وموضوع بحثهم في إصلاح حال الخطابة في المساجد على المنوال الذي احتذاه المترجم في خطبه.
وكان من آثار منهجه في خطبه أن سمو الخديو عباس حلمي لما عزم على الحج سنة ١٣٢٦هـ أدى صلاة الجمعة في المسجد الحسيني قبل سفره، فخطب المترجم خطبة عن الحج وقعت من نفس الخديوي أحسن موقع، وكانت موضوع حديثه بعد خروجه من المسجد، وأمر بأن يحج المترجم معه في معيته، فسافر في معيته وأدى فريضة الحج معه، وحظي بزيارة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحدث أن الخديوي كلفه فجأة بعد صلاة الجمعة في الحرم النبوي أن يخطب القوم ارتجالا، فخطب خطبة في الحض على الاتحاد والائتلاف كانت آية في بابها، دهش لحسنها كل من سمعها، وتجلت فيها بركات الجوار النبوي الشريف.
ويقول عنه يوسف إليان سركيس في (معجم المطبوعات العربية): (وقد ذكرت في مقدمة الكتاب ما له علي من الفضل في جمع هذا الكتاب).
وألف كتبا؛ منها: (التعريف، بالنبي والقرآن الشريف)، و(تاريخ الهجرة النبوية)، و(بدء الإسلام)، و(ضياء النيرين، في خطب مسجد الإمام الحسين) مما ألقاه فيه، و(بهجة الطلاب، وتحفة القراء والكتاب)، منظومة في رسم الحروف، وفهارس عدد من الكتب، وكل ذلك مطبوع، وكان رحمه الله من كبار الشعراء المجيدين، وقد منحته الحكومة المصرية مكافأة على جده بالنيشان المجيدي ثم العثماني ثم نيشان النيل من الدرجة الرابعة، وقد تُوفي سنة ١٣٧٣هـ.