عبد السلام الشاذلي بك
وزير الأوقاف
تُعدُّ فترة عبد السلام الشاذلي بك القصيرة على رأس وزارة الأوقاف (١٩٣٩م-١٩٤٠م) محطةً فكريةً فريدة، تجسدت في "المنشور التاريخي" الذي أصدره، والذي يُعد وثيقةً رائدةً في تجديد الخطاب الديني وربط الدعوة الإسلامية بقضايا المجتمع .
فترة الولاية:
- من ١٠ ذو القعدة ١٣٥٨هـ - ٢١ جمادى الأولى ١٣٥٩هـ ، ٢٠ ديسمبر ۱۹۳۹م - ٢٧ يونيو ١٩٤٠م؛ حيث كان وزيرًا للشئون الاجتماعية حل محل عبد الرحمن عزام بك في الأوقاف في وزارة علي ماهر باشا الثانية.
٢٨ أغسطس سنة ١٩٣٩م - ٢٧ يونيو ١٩٤٠م.
من سيرته:
المسار الإداري:
- كان محافظًا للبحيرة عام ١٩٣١م.
- كان محافظًا للقاهرة عام ۱۹۳۸م.
٢. المسار البرلماني: كان عضوًا بمجلس النواب، وعارض فصل مكرم عبيد من المجلس إثر مناقشة ما جاء بالكتاب الأسود والتصويت على هذا في جلسة ١٣/ ٧/ ١٩٤٣م.
٣. كان في وداع البعثة التي سافرت إلى أوربا ۲۹ سبتمبر ۱۹۲۱م للحصول على الدكتوراة، ومن بينها المرحوم الأستاذ الدكتور محمد محمد البهي وزير الأوقاف فيما بعد.
إصلاحاته:
أولا: الجوانب التنظيمية:
١- أصدر قرارًا يقضي بحسن استغلال الأعيان - وتقليل النفقات - وزيادة الموارد، والتفكير في الوسائل التي تحقق هذه الغاية - وتحصيل المتأخرات - والاقتصاد في النفقات.
۲- تشكيل مكتب الاستعلامات وتحديد دوره وأهميته: ٧ / ١/ ١٩٤٠م.
ثانيا: في مجال الدعوة إلى الله:
١- إقامة كل إمام في مقر عمله ١٢/ ١/ ١٩٤٠م.
٢- إذاعة المنشور العام رقم ٣٤ في ٨ يناير ١٩٤٠م، ونصه:
حضرات مأموري فروع الوزارة
نرسل إليكم في رفاقة هذا النداء الذي رأينا توجيهه إلى حضرات الأئمة والخطباء والمدرسين والمحاضرين بمناسبة تولينا شئون وزارة الأوقاف ليسترشدوا به في أداء واجباتهم.
وقد بعثنا إليكم بهذا النداء لتتولوا تسليمهم إياه بعد توقيعهم بذلك على كشف التسليم، مع توصيتهم بالاسترشاد أيضا بالمنشور السابق صدوره من وزارة الأوقاف بهذا الصدد في ١٠ من سبتمبر سنة ١٩٣٥م.
تحريرًا: ۲۸ من ذي القعدة سنة ١٣٥٨هـ
وزير الأوقاف
٨ من يناير سنة ١٩٤٠م
* * *
أئمة المساجد وخطباؤها في ميدان الخدمة العامة....
إن وزارة الأوقاف وهي القائمة على أمر المساجد وخطبائها تعرف حضرات الخطباء بأنهم هم حملة رسالة الدين إلى المسلمين كل في دائرته، لذلك رأينا أن نهيب بحضراتهم أن يدركوا حق الإدراك مدى رسالتهم والسبيل إلى أداء هذه الرسالة أداء ينفع الناس ويرضي الله، ليس كل ما يطلب من إمام المسجد وخطيبه أن يلقي خطبة الجمعة قائمة على الأركان الخمسة: من أمر بالمعروف ونهي عن المنكر في عبارات كاد الناس يستظهرونها لفرط ما لاكتها الألسن، ثم ينبري ليؤم الناس في الصلاة، ولو كان هذا كل ما يراد من الأئمة والخطباء والمدرسين في المساجد لكان سهلاً أن يقوم به أي رجل من العابدين الصالحين وكثير ما هم.
إن الوزارة تختار أولئك الرجال من علماء الأزهر الشريف بعد امتحان تعقده لهم وتفاضل بينهم، ثم تنتقي أوسعهم علمًا، وأفصحهم لسانًا، وأقدرهم على الخطابة والتأثير، واشتراطها في الخطيب هذه الشروط معناه أنها تريد استخدام كل هذه المزايا لتوجيه الناس وإرشادهم، ومعناه أن للخطيب عملاً واسع النطاق ومهمة أبعد من الوسط التقليدي، ومن التحدث في فرائض الوضوء وأركان الصلاة ونقل ما في الكتب من تفسير لبعض الآيات والأحاديث، معناه أن الخطيب معلم ومستشار ورقيب على أحوال القوم وعاداتهم وعيوب حياتهم، وحَكَمٌ فيما ينشب بينهم من خلاف، وقدوة حسنة لهم في أمر دينهم ودنياهم، فلا فضل له إذا كانت خطبه على المنبر نماذج مطبوعة أو مروية تصلح لمخاطبة كل أنواع الناس وتصدق على كل عصر وكل جيل، بل هو مطالب في خطبه المنبرية وفي أحاديثه أن يضيف إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلمامًا بما يراه بعينه من علل منطقته والعيوب الخلقية الاجتماعية المتفشية فيها، وله من معارفه الدينية ما يؤيد به هذه الفلسفة الدنيوية ويقيم الدليل.
ففي كل منطقة فريق من الأعيان اللاهين والشبان العابثين الذين يريقون أموالهم ويخسرون أملاكهم وضياعهم في الشهوات من الخمر إلى ميسر إلى عبث بالأعراض.
وفي المناطق فقراء لا يزجرهم فقرهم عن مجاراة الموسرين في ميادين الفجور، فهم ينفقون فيها قليل أرزاقهم ويحبسونه عن زوجاتهم وأولادهم فيتركونهم عراة حفاة بائسين.
وفي المناطق رجال يكادون يحترفون الزواج والطلاق فينكبون -بين الحين والحين- أسرة بتطليق إحدى بناتها وتشريد أولادها ويؤذون أخرى بخطبة إحدى نسائها على غير كفاية للإنفاق أو على غير صلاحية للمعاشرة.
وفي القرى تنافس يقع بين أفراد الأسرة الواحدة على منصب العمدة أو الشيخ وكثيرًا ما يتفاقم حتى يلهي أصحابه عن صلة ورابطة الإخاء فتشتد البغضاء وتسيل الدماء.
وفي القرية فقراء لا يجدون الطعام إلا بشق الأنفس ولا يعصمهم من برد الشتاء كساء لدفء أو مأوى أمين وبجانبهم أغنياء قادرون على تخفيف بلواهم ولكن البخل قد أقام بينهم وبين الرحمة حجابًا كثيفًا.
وفي القرية مخرفون ومخرفات يلجؤون في تطبيب مرضاهم إلى الرقى الباطلة وأفاعيل السحرة والمشعوذين وعلى مقربة منهم مستشفيات قروية وعلاج وأدوية بغير ثمن لكن جهلهم يجعلهم عن ذلك كله في معزل ويغريهم بالاسترسال فيما هم فيه فلا تزال الأمراض تفتك بأجسامهم ويتوارثها الأبناء عن الآباء.
وفي القرية غفلة عن النظافة والنظام فكثير من الفلاحين يضجع أولاده إلى جوار بهائمه وأكثرهم لا يبالى أن يكون حافي القدمين عاري الرأس، وهو ينشئ بنيه وبناته على هذه القذارة وهذه الفوضى مع أن عبء النظافة والنظام يسير لو سمع من يلقنه أن النظافة من الإيمان، ومن يحذره عواقب الفوضى والإهمال.
وفي بعض مجالس القرية الغيبة والنميمة والدس والحض على شهادة الزور، والقرى والمناطق في حاجة ماسة للتعاون على الخير وعلى فضاء المصالح، وكم للتعاون من سحر في إنقاذ الناس وفي تعمير البيوت وفي تدعيم الحياة الاقتصادية.
وهكذا تقع العين كل يوم على أمثال هذه النقائص التي لا تكفي القوانين الوضعية في زجر الناس عنها وإرشادهم إلى طرق الخير والخلاص من شرها ومن البأساء والضراء.
فمن لهذه المهمة الجليلة إلا هذا الواعظ أو ذلك الخطيب الذي ينطق بكتاب الله وبحديث رسوله وبسنن خلفائه وأتباعه ويضرب للناس في كل هذه الشئون مختلف الأمثال.
إن سلطان القانون إنما يقع على الأجسام أما سلطان الدين ودعاته فينفذ إلى القلوب محبوباً قبل أن يكون مرهوبا، وكم من قلب طبع على الشر وتغلغل فيه شيطان الفساد حتى إذا عمد إليه المصلح بعلاج النصح والموعظة الحسنة وأرسل عليه أشعة من هدى الدين رق وخشع وانبعثت فيه الرحمة وحب الإحسان وأفاض على الإنسانية خيرا جزيلاً.
أنت أيها الخطيب الأمين على هذه الرسالات كلها فلست للوظيفة وحدها ولا للإمامة والخطابة الرسمية وحسب، ولا لوزارة الأوقاف دون سواها بل أنت لوزارة الداخلية حين تقول للمختلفين (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم)، فتنزع البغضاء من صدروهم عن الإجرام والعبث بالأمن.
وأنت لوزارة الدفاع حين تقول لمن لا يعرفون حق الوطن على بنيه (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) فتؤمن الخائف، وتدفع المتردد، وتفهم الناس لذة الجهاد وثواب الاستشهاد.
وأنت لوزارة الصحة حين تروي للناس قول الله سبحانه {إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ} [سورة البقرة: ٢٢٢]، وحين تمضي في شرح هذه النصيحة الإلهية مطبقا إياها على مختلف نواحي الحياة من مأكل وملبس وسكنى وطب وعلاج فلا يهمل الناس تنظيف أنفسهم ولا تنظيم حياتهم ولا مداواة مرضاهم.
وأنت لوزارة المعارف حين تجعل مجالسك دروساً تعلمهم فيها ما يجهلون من شئون المادة والروح، فتعوضهم عن بعض ما فاتهم لحرمانهم التعليم المدرسي المنظم، وتفتح أذهانهم للتفكير والاستيعاب، وتطلعهم على شيء مما يجري من حوادث العالم وعلاقات الأمم وما يتصل منها بمصر، فأنت في هذا جريدتهم الشفوية ومذياعهم الدائم، إذ أن أكثرهم لا يعنى بالجريدة ولا يملك المذياع وهم إذا وجدوهما فليسوا بقادرين على تفهم ما يكتب وما يذاع، إلا أن يتولى الشرح والبيان لسان رجل الدين الذي اكتسب بعمله وعلمه ثقتهم واحترامهم فهم يحبونه ويصغون إليه بآذانهم وقلوبهم ويعتقدون أن كلمته هي الحق والصدق.
وكلما كان هذا الناصح متحليًا بالاستقامة وبالتقوى متحرجا من الغيبة والنميمة لبقا في حديثه مخاطبا الناس على قدر عقولهم كانت نصيحته أقرب إلى القبول وكانت آراؤه وفتاواه في أمور الدين والدنيا سائغة في النفوس.
وأنت لوزارة العدل حين تنصب نفسك أو ينصبونك قاضيًا عرفيًّا يعرضون عليه مشكلات الأسر فتحول بوعظك ونصحك دون طلاق أو تعين على زواج، وقد يعرضون عليك بعض معاملاتهم ومدايناتهم فيغنيهم قضاؤك عن التحاكم إلى المحكمة أو عن ارتكاب تزوير يؤد، بصاحبه إلى العقاب.
وأنت لوزارة الشئون الاجتماعية تتفهم دعوتها ومشروعاتها الإصلاحية فتعمل على نشرها مستعينا بما تضمنه دينك من وصايا الإصلاح، والإسلام دين الاجتماع ودين العمران، والقرآن سبيل الهداية في الأولى والآخرة، ما فرط في شيء ولا ترك أتباعه ومدركيه في حيرة من أمرهم، فهو لم يقف عند تلقينهم العبادات بل نظم لهم المعاملات وأقام حياة الأسرة على أقوى الدعائم، ورسم لهم حتى آداب المعاشرة والمحادثة والتزاور والطعام والشراب، ولو أخذنا بتعاليم ديننا لما تأخرنا عن صف أرقى الأمم ولما احتجنا إلى تقليدها فيما اتخذت من نظم وفيما وصلت به إلى مستواها الرفيع.
أنتم إن جريتم هذا المجرى أيها الخطباء فقد أدركتم رسالتكم وكنتم (أعصاب القرى) كما سماكم شاعر مصر العظيم (شوقي) بل كنتم أنجح الدعاة لدينكم وأبر الناس لدنياكم.
وإن وزارة الأوقاف لتعلن إليكم أنها ستتبع خطواتكم وستكافئ ماديا وأدبيا من يؤدي هذه الرسالة على أكمل وجه فضلاً عما يكتب له حتما من رضاء الله ورضاء المليك والوطن.
تحريراً في :
٢٨ من ذي القعدة سنة ١٣٥٨هـ.
٨ من يناير سنة ١٩٤٠م.