مسجد العمراوي بالمنيا
تحفة مملوكية ونقطة وداع على شاطئ النيل
على ضفاف نهر النيل الخالد، حيث تنحني الجغرافيا أمام عظمة التاريخ، يقف مسجد العمراوي شامخًا في مدينة المنيا، كأقدم وأجمل المساجد الإسلامية في صعيد مصر. يُعرف شعبيًا بـ"مسجد الوداع" لأنه كان آخر محطة تمر بها الجنائز قبل عبور النيل إلى الجبانة، لكن اسمه الحقيقي يعود إلى الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه، فاتح مصر.
تشير الروايات إلى أن أصول المسجد تعود إلى القرن الأول الهجري، ويُعتقد أنه بُني ضمن مجموعة مساجد أسسها عمرو بن العاص. لكن الطراز المعماري الحالي يعكس تأثيرات فاطمية ومملوكية وعثمانية، ما يجعله مرآة نادرة لتطور العمارة الإسلامية في مصر.
يتميز المسجد بتصميم فريد يجمع بين الصحن المكشوف، والأروقة الأربعة، ورواق القبلة المهيب الذي يضم أعمدة متعددة المنشأ – منها ما تم جلبه من آثار فرعونية وقبطية، ما يضفي عليه سحرًا تاريخيًا خاصًا.
واجهة المسجد الغربية تطل على كوبري المنيا الجديد، وتُزينها زخارف "الأبلق" ذات الألوان المتناوبة، ويعلو الباب نقش يؤرخ لآخر ترميم في ١١٢٩ هـ.
ولعشاق الدقة الفلكية، توجد على الجدار الشمالي مزولة رخامية نادرة تعود لعام ١١٦٣ هـ، كانت تستخدم لحساب مواقيت الصلاة. أما المنبر الخشبي فعبارة عن تحفة فنية غاية في الإبداع، أنشأه الأمير مصطفى بن يحيى بن عديان سنة ١١٥٠ هـ.
مئذنة المسجد الشرقية مكونة من ثلاث طوابق متدرجة: قاعدة مربعة، طابق مثمن، ثم قمة كانت تحمل جوسقًا (قبة علوية)، ويعكس تصميمها الطابع العثماني الدقيق. هي بحق بوصلة روحانية تُعانق السماء.

سُجل المسجد كأثر إسلامي بقرار وزاري عام ١٩٥١م، ويقع في موقع استراتيجي على كورنيش المنيا، مقابل كوبري المدينة الجديد. ليس فقط مسجدًا، بل متحفًا مفتوحًا يروي سيرة عمارةٍ وروحٍ عاشتا لقرون.
فإن كنت مارًا بالمنيا، فاجعل من مسجد العمراوي وقفة قلبٍ لا تُنسى... فهناك، حيث صلّى الأجداد وودّعوا الأحباب، ستجد الطمأنينة تتنزل مع كل نسمة نيل، والتاريخ يهمس لك في صمت الجدران.