مسجد الفتح ميدان رمسيس
يقع مسجد الفتح في قلب العاصمة المصرية، وتحديدًا في ميدان رمسيس بوسط مدينة القاهرة، حيث يشكّل أحد أبرز معالمها الدينية والحضارية، ويُعد شاهدًا حيًا على تعاقب العصور، من زمن الفتح الإسلامي حتى نهضة العمارة الحديثة.
وتعود أصول هذا المسجد العظيم إلى قرية "أم دنين" التي تمركز بها الفاتحون المسلمون، وأقاموا فيها مسجدًا ليكون أول منارة دينية في تلك البقعة، ثم أُعيد بناؤه في العصر الفاطمي في عهد الحاكم بأمر الله، وأُطلق عليه آنذاك جامع المقس نسبةً إلى قلعة كانت قائمة قرب النيل تُعرف باسم "المقس"، وكانت ترتبط بعرض الأساطيل، حيث كان الخليفة يحضر هذا المشهد من منظرة قريبة من المسجد، وفي عهد الدولة الفاطمية، ازدهر المسجد وأحيط بأشجار النخيل، وخصص له الحاكم أوقافًا سخية للصيانة والفرش والبخور، مما جعله مركزًا عامرًا للعبادة والعلم والذكر.
وقد تبدّلت أسماء المسجد عبر الزمن، فبعد العصر الفاطمي، اشتهر باسم "جامع باب البحر"، ثم أصبح يُعرف بـاسم "مسجد أولاد عنان"، تخليدًا لذكراهما؛ وهما الشيخان محمد وعبد القادر بن عنان، من كبار متصوفة مصر في عهد السلطان طومان باي، وقد دُفن الشيخ محمد بالمسجد بعد أن عاش عمرًا طويلاً بلغ مئة وعشرين عامًا، فصار المسجد مقصِدًا لمحبي التصوف والروحانيات.

تعرض المسجد للهدم
ولم يسلم المسجد من أهوال التاريخ؛ ففي عام ١٧٩٨م وأثناء ثورة القاهرة الأولى ضد الحملة الفرنسية، تعرّض المسجد للهدم مع عدد من المباني المجاورة، ليُقام مكانه طابية عسكرية أُطلق عليها "كامان"، نسبةً لضابط فرنسي كبير.
لكن في مشهد من مشاهد الوفاء للتاريخ، أعادت شركة المقاولون العرب بناء المسجد من جديد، حتى افتُتح بحُلته الحديثة على يد الرئيس الراحل محمد حسني مبارك في ذكرى الإسراء والمعراج عام ١٩٩٠م، ليحمل اسمه الحالي: مسجد الفتح – أولاد عنان، تحت إشراف مؤسسة الفتح.
ويتميّز المسجد حاليًا بمساحته الواسعة، ومئذنته الشامخة التي تعانق سماء القاهرة، فضلاً عن قاعاته الرحبة التي تُستخدم للصلاة والأنشطة الدينية والاجتماعية، مما يجعله من أهم مراكز العبادة والخدمة المجتمعية بالعاصمة.
وإن كنت تمر بميدان رمسيس يوماً، فألقِ نظرة على مئذنة الفتح، وتأمل كيف تنطق بالحضارة، وتروي لك قصة مسجدٍ صمد أمام العصور، واختزل بين جدرانه ذكرى الفاتحين والصالحين الثائرين، حيث يجتمع التاريخ والروح، وحيث تجد في كل ركن دعوة للسكينة والصفاء.