مسجد العارف بالله تعالى الشيخ (أبوالخير) رضي عنه
يُعدُّ مسجد العارف بالله تعالى الشيخ(أبوالخير)- رحمه الله - ببندر إهناسيا المدينة بمحافظة بني سويف من المساجد العريقة التي ارتبطت بالذاكرة الدينية والاجتماعية للمدينة، وأسهمت عبر عقود طويلة في نشر العلم الشرعي، وترسيخ القيم الإسلامية، وبناء الإنسان قبل البنيان.
ويهدف هذا البحث إلى إلقاء الضوء على تاريخ المسجد، وتسميته، ومكانته الدينية والاجتماعية، ودوره العلمي والدعوي، وخصائصه المعمارية، مع بيان أثره في المجتمع المحلي.
أولاً: الموقع الجغرافي للمسجد:
يقع مسجد العارف بالله تعالى الشيخ(أبوالخير)- رحمه الله - في بندر إهناسيا المدينة، إحدى المدن التاريخية بمحافظة بني سويف، وهي مدينة ذات جذور حضارية قديمة تعاقبت عليها حضارات متعددة، ويحتل المسجد موقعاً مميزاً داخل الكتلة السكنية للمدينة، مما جعله قريبا من عامة الناس، وسهل الوصول إليه لأداء الصلوات وحضور الدروس والمناسبات الدينية.
ثانياً: سبب التسمية ونسبتها:
سُمي المسجد باسم العارف بالله تعالى الشيخ(أبو الخير)رحمه الله، وهو أحد الصالحين وأهل العلم والفضل، الذين عرفوا بالتقوى وحب الخير وخدمة الناس، وقد جرت عادة المسلمين في مصر على تخليد أسماء العلماء والأولياء والصالحين بإطلاق أسمائهم على المساجد اعترافا بفضلهم، وحفظاً لسيرتهم، وربطاً للأجيال اللاحقة بنماذج القدوة الصالحة .

ثالثاً: نبذة مختصرة عن الإمام العارف بالله تعالى الشيخ(أبوالخير) رحمه الله ورضي عنه:
هو العارف بالله الإمام الفاضل: محمد بن عبدالله بن عبدالواحد الشهير بأبي الخير انتساباً وتيمناً باسم جده الرابع أبي الخير.
ولد (رحمه الله) بإهناسيا المدينة بين عامي (١٨٨٥، ١٨٨٦م) في بيت علم وتقى وورع، يتناقل فيهم الإيمان الحق جيلاً بعد جيل.
وتلقى (رحمه الله) علومه الأولية في كُتاب المدينة وقت أن كان للكتاتيب كل شأن، فمنها تخرج عظماء الأمة وقادتها؛ ثم التحق (رحمه الله) بالأزهر الشرف بعد تجويده للقرآن الكريم، فنال فيه قسطاً وافراً من العلوم الدينية العميقة على يد أجلة من العلماء الفضلاء الربانيين حتى حصل على شهادة العالمية عام(١٩١٦م)، متفوقاً على أقرانه تفوقاً جعل بعض أساتذته يقولون عنه: "لو لم يكن بالصعيد غير أبي الخير لكفاه".
وعرضت عليه (رحمه الله) الوظائف الحكومية فأباها ترفعاً عن التقيد بوسط واحد، وضناً بعلمه عن الكبت في محيط ضيق، فهرع (رحمه الله) إلى إهناسيا المدينة ينشر فضله وفضائله وعلمه وحكمته ويبشر وينذر ويدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة.
وقد تتلمذ (رحمه الله) على يد الشيخ/محمد أمين الكردي(رحمه الله)- شيخ الطريقة النقشبندية – فجعل يبث تعاليمه ويشرح دروسه في كل بيت وفي كل حقل حتى اجتث معين الضلالة من الأفئدة ومحى آية الانحدار الاجتماعي من البلاد.
وظل (رحمه الله) يؤم الناس ويخطبهم طيلة سبع وعشرين عاماً دون مقابل، حتى أقنعه فضيلة الشيخ/أحمد شعيب (رحمه الله)- مفتش المساجد_ في عام (١٩٤٣م) بقبول وظيفة الإمامة بالمسجد الكبير بإهناسيا( والذي سُمِيَ بعد ذلك بمسجد الشيخ-أبوالخير-).
وقد توفي (رحمه الله) في السادس والعشرين من شهر أكتوبر عام (١٩٥١م)، وأقيم له ضريح بجوار المسجد دُفِنَ فيه.
رابعاً: تاريخ إنشاء المسجد وتطوره:
يعود تاريخ إنشاء مسجد العارف بالله تعالى الشيخ(أبوالخير)- رحمه الله - ببندر إهناسيا المدينة، محافظة بني سويف إلى عام(١٩٢١م)، وهو ما يوافق عام (١٣٣٥هـ)؛ وقد كان بناءً بسيطاً يلبي حاجة أهل الحي للصلاة؛ ثم شهد المسجد مراحل متعددة من التجديد والتوسعة عبر السنين استجابة لازدياد أعداد المصلين، وحرصاً على تحسين بنيته المعمارية.
ففي عام (١٩٥٠م) تم تجديده وتطويره على يد العارف بالله تعالى الشيخ (أبو الخير- رحمه الله) بمساعدة أهل الفضل والخير.
ثم تم ترميمه عام (٢٠٢١م) بالجهود الذاتية؛ وتم فرشه من قِبَل وزارة الأوقاف المصرية.



خامساً: الخصائص المعمارية للمسجد:
يقع المسجد على مساحة قرابة (١٠٠٠متر مربع) ويتميز بطراز معماري بسيط يعكس طبيعة المساجد في صعيد مصر، مع وجود:
- مئذنة شاهقة الارتفاع.
- صحن للصلاة يتسع لأعداد كبيرة من المصلين.
- محراب للصلاة، ومنبر لإلقاء خطبة الجمعة.
- مرافق للوضوء والخدمات الأساسية.
- مصلى للرجال ملحق بالمسجد.
- مصلى للنساء بجوار المسجد.
- ضريح للشيخ (أبوالخير- رحمه الله- ومضيفة لاستقبال المريدين.
- دار مناسبات.

سادساً: الدور الديني للمسجد:
يقوم مسجد العارف بالله تعالى الشيخ (أبوالخير)- رحمه الله - بدور محوري في الحياة الدينية للمدينة؛ ومن أبرز مظاهر هذا الدور:
- إقامة الصلوات الخمس وصلاة الجمعة.
- إلقاء الخطب والدروس الوعظية التي تعالج قضايا العقيدة والأخلاق والسلوك.
- إحياء شعائر شهر رمضان من تراويح وقيام ودروس دينية.
- خدمة كتاب الله تعالى من خلال حلقات تحفيظ القرآن الكريم، وإقامة المسابقات القرآنية.
- تعليم الناس أحكام العبادات والمعاملات.
- وقد كان المسجد ولا يزال منبراً لترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، والبعد عن الغلو والتطرف؛ انسجاماً مع رسالة الأزهر الشريف ونهج الإسلام القويم .


سابعاً: الدور الاجتماعي للمسجد
يمثل مسجد العارف بالله تعالى الشيخ(أبوالخير)- رحمه الله - ركيزةً أساسيةً في النسيج الاجتماعي لمدينة إهناسيا، حيث أسهم في:
- توثيق الروابط بين أهالي الحي.
- المشاركة في حل بعض المشكلات الاجتماعية بروح الإصلاح.
- تنظيم أنشطة خيرية في المواسم الدينية، كشهر رمضان والأعياد.
- بث قيم التعاون والتراحم والتكافل بين الناس.
ثامنًا: مكانة المسجد في وجدان أهل إهناسيا:
يحظى مسجد العارف بالله تعالى الشيخ (أبوالخير)- رحمه الله- بمكانة خاصة في قلوب أهل بندر إهناسيا، إذ يرتبط لديهم بمناسبات دينية واجتماعية عديدة؛ كصلاة الجمعة والعيدين، وصلاة الجنازة، ومقارئ القرآن الكريم، والمواعظ المؤثرة، وإطعام الطعام؛ وهو بالنسبة لكثير منهم ليس مجرد مسجد بل هو بيت إيمان وذكر.
إن مسجد العارف بالله تعالى الشيخ (أبوالخير رحمه الله) ببندر إهناسيا المدينة ليس مجرد معلم ديني، بل هو شاهد حي على تاريخ من العبادة والعلم والخير؛ فقد جمع بين الوظيفة التعبدية، والدور التعليمي، والأثر الاجتماعي، وأسهم في بناء الإنسان الإهناساسي أخلاقياً وروحياً؛ ومن ثم فإن الحفاظ على هذا المسجد وتوثيق تاريخيه، وتفعيل رسالته، يُعَدُّ واجباً دينياً وثقافياً تجاه هذا الصرح المبارك.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.