مسجد الناصر محمد بن قلاوون
يقع مسجد الناصر محمد بن قلاوون في قلب قلعة صلاح الدين بالقاهرة، إلى يسار الداخل من الباب الرئيسي للقلعة، ويُعد من أبرز معالم العمارة الإسلامية في العصر المملوكي، وواحدًا من أقدم الجوامع داخل القلعة.
شُيّد المسجد عام ٧١٨ هـ / ١٣١٨ م على يد السلطان الناصر محمد بن قلاوون بعد أن هدم جامعًا أقدم بناه الملك الكامل محمد، ووسع مساحته بضم مبانٍ خدمية مجاورة، وقد اكتمل بناؤه خلال أربعة أشهر وخمسة وعشرين يومًا، وسُمي حينها بالجامع الناصري، كما عُرف بـ"جامع الخطبة" لكونه المسجد الرسمي لصلاة الجمعة في القلعة.
أجرى السلطان توسعة للمسجد في عام ٧٣٥ هـ / ١٣٣٥ م، لتوفير توازن بصري مع الإيوان الناصري المجاور، فصار يسع نحو خمسة آلاف مصلٍ. وظل المسجد يخدم سكان القلعة حتى أنشأ محمد علي باشا جامعه المقابل، فانتقلت إليه الوظيفة الدينية الرسمية.
ويتميز المسجد بتصميمه الكبير، إذ تبلغ أبعاده ٦٣×٥٧ مترًا، ويضم صحنًا مكشوفًا تتوسطه أربعة أروقة، أكبرها رواق القبلة. يضم الرواق أربعة صفوف من البوائك، كل بائكة منها تحتوي على عشرة أعمدة من الجرانيت الأحمر، تعلوها عقود حدوة الفرس. ويُزين واجهة المحراب قبة شاهقة تُعد من روائع القباب المملوكية، تقوم على رقبة مزودة بـ١٢ نافذة بزخارف جصية مفرغة.
كما يحتوي جدار القبلة على ثلاثة محاريب مكسوة بالرخام الملون والمطعّم بالصدف، أكبرها المحراب الرئيسي. أما المنبر، فهو من الخشب المطعّم بالعاج والصدف، صُنع عام ١٩٤٩م على طراز مملوكي فاخر.
ويضم المسجد ٧٢ عمودًا بأشكال وتيجان متنوعة من البيزنطي والقبطي. وتعلو الأعمدة فتحات تهوية وإضاءة مقوسة، وتُغطى الأروقة بأسقف خشبية مطلية ومزخرفة بزخارف مثمنة مستوحاة من عمارة قبة الإمام الشافعي، وللمسجد مئذنتان: الأولى تقع أعلى المدخل الغربي، وهي مئذنة ضخمة مكونة من دورات أسطوانية مزيّنة بمقرنصات وقيشاني أزرق وأخضر يحمل آيات قرآنية. الثانية في الزاوية الشمالية الشرقية، بتكوين ثلاثي الطوابق يعلوها جوسق وخوذة مزخرفة.
ويقع المدخل الرئيسي بالواجهة الغربية، ويتميز بعقد مدبب ولوحة تأسيسية تشير إلى بناء المسجد بأمر من السلطان الناصر. ويوجد في الرواق الغربي مزولة شمسية من عمل أحمد بن بكتمر الساقي، استُخدمت لتحديد أوقات الصلاة.

روح المكان وبركته
ومن بين من أضفوا على هذا المسجد روحًا خاصة، الشيخ سعيد رفاعي، المؤذن المعروف، ابن قرية صراوة بمحافظة المنوفية، والذي عُرف بصوته الشجي وابتهالاته المؤثرة داخل المسجد. يقول الشيخ سعيد: "في هذا المكان التقيت بكبار العلماء، أمثال الدكتور علي جمعة، والدكتور أسامة الأزهري، وغيرهم من الرموز الدينية، وكان الأذان والمدائح النبوية هنا يجمع بين جمال الصوت وقدسية المقام".
ويحكي الشيخ سعيد عن موقف مؤثر مع وفد أمريكي زار المسجد منذ عدة سنوات، حيث طلب أفراد الوفد سماع آيات من القرآن الكريم، ورغم عدم فهمهم للعربية، تأثروا بشدة وانهمرت دموعهم تأثرًا بجلال الصوت وروحانية الآيات. إحدى السيدات من الوفد لم تتمالك نفسها، وأعلنت أنها لا ترغب في مغادرة مصر قبل أن تحصل على نسخة من القرآن، لتبدأ رحلتها نحو الإسلام من بوابة مسجد الناصر محمد، وتُشهر إسلامها لاحقًا في مشيخة الأزهر، بعد أن أسرها سحر التلاوة وطمأنينة المكان.
ويظل مسجد الناصر محمد بن قلاوون أحد أبهى شواهد العمارة الإسلامية وروحانية العبادة في قلب القاهرة التاريخية، جامعًا بين جلال التاريخ وجمال الفن، ومجسدًا لثراء الحضارة الإسلامية عبر القرون.
ففي وسط أحضان القلعة، يقف جامع الناصر محمد بن قلاوون شامخًا بروحه المملوكية، حارسًا لذاكرة السلاطين. تتمايل أقواسه وزخارفه كأنها تتلو تراتيل المجد، وتحفظ في صمتها أسرار من مضوا. فمن أراد أن يستمع لصوت العصور من خلف جدران شامخة، فليزر هذا المسجد، ففيه من المهابة ما يأسر القلب.