الجامع العمري بقوص
أثر فاطمي ومتاهة زخرفية في قلب قنا
يقع الجامع العمري في مدينة قوص بمحافظة قنا، ويُعرف أيضًا بـ"أزهر الصعيد"، تكريمًا للجامع العمري بالفسطاط. يُؤرّخ هذا الصرح العريق إلى العصر الفاطمي، وقد مرّ بتحديثات مختلفة أذابت بعض معالمه الأصلية، لكنه ما زال ينبض بالإرث الفني والتاريخي.
تمت إعادة تصميم عقود إيوان القبلة في عام ١٢٣٣هـ (١٨١٧م) على يد محمد بك قهوجي، وأُجريت أيضًا تعديلات على المئذنة، مما غيّر ملامح واجهاته. ومن أبرز عناصره: منبر من خشب الساج الهندي المحفور عهد ٥٥٠هـ (١١٥٥م)، وهو من أقدم منابر مصر، ويزينه نقش تذكاري بالخط الكوفي.
في منتصف الإيوان قبليًا، نجد محرابًا مملوكيًا يعود للعصر الناصري، مزين بزخارف جصية نباتية وهندسية بخط الثلث، تحيط به آية الكرسي. إلى جواره، توجد مقصورة خشبية خرطية مصنوعة بحشوات سداسية وأعمال عاج وصدف، تعود أيضًا للقرن الثامن الهجري. ويقارب القبة القائمة في الركن الشمالي الشرقي طراز العمارة الأيوبية – الأثرية – والتي تنتصب فوق أضلاع مثمنة ونوافذ مرصعة بشكل نجمي.
ويعد جامع قوص الأكثر احتواءً على اللوحات التذكارية في مصر، التي تسجل كل تجديد: من عهد الصالح طلائع (٥٥٠هـ)، مرورًا بتجديدات السلطان مقلد بن علي بن نصر (٥٦٨هـ)، وحتى الأمير محمد كاشف عام ١٢٣٣هـ، وجميعها مثبّتة فوق الأبواب والجدران والقاع، تخليدًا للتاريخ المعماري.
في جامع قوص العمري، تلتقي أصالة الفاطمي والمملوكي والأيوبي تحت سقف واحد، لتروي لك حكايا الخشب والحجر والضوء. تعال وشاهد التاريخ وهو يتلو آياته على جدران هذا الصرح العتيق... ستجد نفسك داخل لوحة تشع بالكلمة والهندسة.