مسجد سيدي عبد الوهاب الشعراني
عبق التصوف في قلب القاهرة
في قلب ميدان باب الشعرية العريق، وعلى امتداد شارع بورسعيد (الخليج المصري سابقًا)، تتلألأ قبة مسجد سيدي عبد الوهاب الشعراني، مطلّةً على شارع الشعراني البراني، شاهدةً على تاريخ طويل من الزهد والعلم والتصوف، منذ أن كان هذا الموقع مدخلًا لبوابة "باب القنطرة" من سور القاهرة في العصر الفاطمي.
شُيّد المسجد تكريمًا للعالم الرباني والإمام الصوفي عبد الوهاب الشعراني، الذي عاش في القرن العاشر الهجري (الخامس عشر الميلادي)، ودفن فيه، فغدا المكان مزارًا يتردد عليه طلاب العلم وروّاد الطريق الصوفي. وقد تغيّر اسم الميدان المحيط به إلى "باب الشعرية" تخليدًا لاسمه.
يتكوّن المسجد من ثلاثة أروقة تفصلها أعمدة رشيقة، تعلوها عقود مدببة تحمل سقفًا خشبيًا مزخرفًا برسوم زيتية. وتزدان واجهاته الثلاث بتفاصيل معمارية تقليدية، أما قبّته فهي من أجمل ما تبقى من المبنى القديم، وتعلو ضريح الإمام الشعراني، محاطة بزجاج معشّق ونقوش زيتية رائعة، وتضم مقصورة خشبية مطعّمة بالعاج والصدف تعود إلى عام ١٧٤٨م. كما توجد قبور بعض تلامذته، منهم الشيخ نور الدين الشوني وابنه عبد الرحمن.
أما الإمام عبد الوهاب الشعراني، فقد وُلد في "قلقشندة" بمحافظة القليوبية عام ١٤٩٣م، ونشأ في "ساقية أبي شعرة" فنُسب إليها. قدم إلى القاهرة شابًا نهِمًا في طلب العلم، فتتلمذ على كبار علماء الأزهر، وتفرّغ لدراسة الحديث والفقه والتصوف، حتى صار من أعلام زمانه. ترك ما يقرب من سبعين مؤلفًا، التي لا تزال مرجعًا للصوفية والفقهاء والباحثين حتى اليوم.
وإن كانت روحك تهفو إلى نفحات العلم الرباني، وعبق التصوف النقي، فاجعل وجهتك إلى مسجد سيدي عبد الوهاب الشعراني في باب الشعرية. هناك، بين أروقة الذكر، وسكينة الضريح، تجد ما يروي القلب، ويضيء العقل، ويقربك خطوة من عوالم السكينة والطمأنينة.
مسجد سيدي عبد الوهاب الشعراني
يقع هذا المسجد في شارع الخليج المصري (بور سعيد حاليًا)، كما تطل واجهته الشرقية التي توجد بها القبة على شارع الشعراني البراني، والمسجد كله يشرف على ميدان باب الشعرية ، والواقع أن هذا الميدان كان يوجد منذ العصر الفاطمي أمام أحد أبواب سور القاهرة الغربي المحاذي لخليج أمير المؤمنين، كما كان يسمى بذلك الاسم في ذلك الوقت (نسبة الى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب) ، وكان اسم الباب الذي يفتح في السور الغربي بالقرب من نهايته الشمالية، يعرف باسم (باب القنطرة) وذلك لوجود قنطرة على خليج أمير المؤمنين في تلك المنطقة توصل بين ضفتي الخليج ، وظل اسم باب القنطرة وميدان باب القنطرة متداولين في خطط القاهرة حتى بنى مسجد الشعراني ، ودفن فيه العالم الزاهد الشيخ الشعراني ترك الجمهور اسم باب القنطرة وميدان القنطرة وتسامعوا باسم ميدان باب الشعرية وشارع الشعراني فعرفا به وذلك منذ القرن العاشر للهجرة السادس عشر للميلاد.
وصف المسجد:
يتكون المسجد من مستطيل يقسمه صفان من الأعمدة الى ثلاثة أروقة ، ويتكون كل صف من بائكة تحتوي على أربعة أعمدة يعلوها عقود مدببة ممتدة وتحمل عقود البوائك سقف المسجد الخشبي المزخرف برسوم زيتية متعددة الألوان،ويوجد بالرواق الأوسط (منور) لإضاءة المسجد وتهويته ، ويتصدر جدار القبلة المحراب وهو بسيط وخال من الزخرف اللهم إلا بعض نقوش زيتية تشبه تجزيعات الرخام. وبجواره محراب من الخشب مزخرف بأنواع من (الزرنشان) ورسوم تقليد للتطعيم بالعاج ، وللمسجد ثلاث واجهات، الرئيسية منها في الضلع الغربي وتطل على شارع الخليج) بورسعيد حاليًا) والواجهة الجنوبية حيث توجد قبة الدفن وتطل على شارع الشعراني البراني ، وبجوار المسجد توجد القبة وهي الجزء الوحيد الباقي من المبنى القديم. وتتكون من مربع مبنى من الحجر، تعلوها منطقة الانتقال التي يشغلها عدة صفوف من الدلايات ويقوم فوقها رقبة مرتفعة فتحت فيها ست عشرة نافذة معقودة. وتعلو الرقبة قبة مبنية من الطوب يعلوها هلال نحاسي ، ويحتوي مربع القبة على صفين من النوافذ السفلى منهما يحتوي على نافذتين مستطيلتين يعلوهما عتب مكون من صفحات معشقه من الحجر الأبلق يعلوه عقد عاتق من الحجر الابلق كذلك ، ويحتوي الصف العلوي على نافذتين قنديليتين تتوسطهما فتحة مستديرة، وفي منطقة انتقال القبة توجد نافذة قنديلية ، وقد ملئت جميع النوافذ القنديلية بالزجاج المعشق المتعدد الألوان ، وقد حليت جميع جدران القبة من الداخل بنقوش زيتية. ويتوسط القبة مقصورة خشبية مطعمة بالعاج والصدف عملت (١) (١١٦١هـ / ١٧٤٨م). كما صنع باب القبة من الخشب وزخرفت بطريقة الحشوات المجمعة وبطريقة الحفر البارز والغائر ، ويوجد بالمسجد عدت قبور منها: قبر الشيخ نور الدين الشوني شيخ سيدي عبد الوهاب الشعراني، وابنه عبد الرحمن بن عبد الوهاب الشعراني بجوار والده سيدي الشيخ عبد الوهاب رضي الله عنهم وأسكنهم فسيح جناته آمين.[١]
ترجمة سيدي عبد الوهاب الشعراني رضي الله عنه:
أما عن صاحب هذا المسجد فهو الامام العامل العابد الفقيه المحدث الصوفي عبد الوهاب بن أحمد بن على بن محمد الشعراوي. ولد الشعراوي (٥٨٩٨ / ١٤٩٣م) بناحية قلقشندة التي تقع الى الجنوب من مركز طوخ بمحافظة القليوبية وبينها وبين القاهرة ثلاثة فراسخ ، كما تقع مدينة قلقشندة غربي بلدة أجهور الكبرى على ترعه الجاموس.
أما عن شهرته بالشعرانى، فيرجع السبب في ذلك إلى أن والدته قد انتقلت به بعد ولاته بأربعين يوما إلى قرية والده المعروفة بساقية أبي شعرة فنشأ بها ونسب إليها . وبهذه المناسبة نود أن ننبه إلى أن جمهور المؤرخين يكتبون اسمه الشعراني بالنون، على الرغم من أن كتبه بخطه بالواو على بعض مؤلفاته المخطوطة من ( مختصر له لمدونة الإمام مالك بما نصه «يقول مسطرها عبد الوهاب بن أحمد الشعراوى الشافعي .. إني بلغت في الاختصار من أول المدونة إلى هنا امتثالًا لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لي بالاطلاع على أقوال الإمام رضى الله عنه بتاريخ رابع ذي الحجة الحرام ٩٥٤ هـ » ، وقد ظل في طفولته يدرس في كتاتيب ساقية أبي شعره ويحفظ القرآن حتى اذا بلغ الثالثة عشرة من عمره انتقل إلى القاهرة ٩١١هـ حيث تلقى العلم على كبار علمائها وفضلاء محدثيها، مما حبب إليه علم الحديث فعكف على دراسته وكان رحمه الله متمسكًا بأهداب السنة مغاليًا في الورع ، ثم سلك طريق التصوف وقطع علاقته بالدنيا ، فكان يطوي الأيام صائمًا ويفطر على قليل من الخبز ، وكان يؤثر ذوي الحاجة على نفسه حتى بملبسه موزعًا أوقاته بين العبادة والدرس .
مؤلفات سيدي عبد الوهاب الشعراني:
وبعد مضى تلك الفترة الطويلة في البحث والدرس، عنى بالتأليف ، فصنف عددًا كبيرًا من الكتب بلغت نحو السبعين نذكر منها على سبيل المثال، مختصر الفتوحات وسنن البيهقي الكبرى، ومختصر تذكرة القرطبي، والميزان، والبحر المورود في المواثيق والعهود، ثم كتاب كشف الغمة عن جميع الأمة، والمنهج المبين في أدلة المجتهدين والبدر المنير في غریب أحاديث البشير النذير .
ومن الكتب التي اختتم بها حياته هي: مشارق الانوار القدسية في العهود المحمدية ، والجوهر المصون في علوم الكتاب المكنون ، وطبقات ثلاث ، ولوائح الخذلان على من لم يعلم القرآن، وقد ظل شيخنا على هذا الحال من الورع والتقوى والتصوف حتى قويت روحانيته ، فكان يفتتح الذكر عقب صلاة العشاء فلا يختمه الا عند الفجر، وقد حج واعتمر مرارًا رحمه الله تعالى ورضي عنه.
