مسجد سيدي أبي العباس المرسي
قصة صوفية تلامس السماء في قلب الإسكندرية
في قلب حي الأنفوشي العريق، وعلى أطراف ميدان المساجد بمدينة الإسكندرية، ينتصب مسجد سيدي أبي العباس المرسي كأحد أعظم الرموز الروحانية والمعمارية في مصر. بُني المسجد فوق ضريح الإمام أبي العباس المرسي، أحد أشهر الأقطاب الصوفية، ليصبح مع الزمن معلمًا دينيًا وثقافيًا يجذب الزوار والمريدين من كل مكان.
يتسم المسجد بطراز معماري فريد مستلهم من الفن الأندلسي، ومئذنته الشاهقة التي يبلغ ارتفاعها ٧٥ مترًا. يتكون المسجد من ثماني أضلاع، طول كل منها ٢٢ مترًا، وتعلوه قبة رئيسية ضخمة تتوسط السقف، تحيط بها قبتان جانبيتان وأربع قباب صغيرة فوق الأضرحة. من أبرز ملامحه أيضًا ثريته البلورية العملاقة، التي تعد أكبر ثريا في مساجد مصر، بوزن ٢.٥ طن وارتفاع ٧ أمتار.
صُممت الأبواب والنوافذ من خشب الجوز والليمون، وتزين الجدران نقوش هندسية وزخارف نباتية دقيقة، أما الأعمدة الداخلية فهي من الغرانيت الإيطالي المصقول على الطراز الإسلامي، بما يعكس دقة البناء وجمال التفاصيل.
تاريخ متجدد عبر العصور
تأسس المسجد عام ٧١٦ هـ (١٣١٦ م) على يد أحد التجار المغاربة، وتم تجديده مرارًا في عصور المماليك والعثمانيين. تعرض لانهيار جزئي بسبب زلزال عام ١٩٢٩، ثم أعيد بناؤه بالكامل على يد المهندس الإيطالي ماريو روسي في عهد الملك فؤاد الأول واستمر البناء حتى عام ١٩٤٣.
شهد المسجد توسعات كبرى في عهد الملك فاروق، حيث أضيف مصلى للسيدات، كما خضع لترميم شامل عام ١٩٩٧ بتكلفة ٥ ملايين جنيه. هذه العناية المستمرة تعكس مدى ارتباط المصريين وخصوصًا السكندريين به.

لا يقتصر المسجد على مكان للعبادة فقط، بل يُعد مركزًا صوفيًا هامًا، حيث يضم ضريح الإمام أبي العباس المرسي وتلاميذه، ويُعد قبلة لمحبي الطرق الصوفية، خاصة خلال الموالد والمناسبات الدينية.
وُلد أبو العباس المرسي في مرسية بالأندلس عام ٦١٦ هـ (١٢٢٠م)، وتتلمذ على يد كبار العلماء، وصحب القطب أبا الحسن الشاذلي. عرف بورعه وزهده، وكان من أبرز العارفين بالله، ودفن بالإسكندرية عام ٦٨٦ هـ، ليبقى قبره مزارًا ومقامًا لأهل الذكر والمحبين.
ينتمي مسجد أبي العباس إلى مجمع "ميدان المساجد"، الذي يضم إلى جانبه مساجد أخرى عظيمة مثل مسجد الإمام البوصيري والإمام ياقوت العرش، مما يجعل من المكان نقطة التقاء روحانية ومعمارية نادرة.
ففي الإسكندرية… حيث يلامس البحر أطياف القداسة، ستجد مسجد أبي العباس المرسي، حيث تلتقي العمارة بالتصوف، ويغدو الصمت دعاءً في حضرة الأولياء.