مسجد السيدة عائشة
يقع مسجد وضريح السيدة عائشة رضي الله عنها في حي الخليفة بالقاهرة، خارج ميدان القلعة، على رأس الطريق المؤدي إلى جبل المقطم، في قلب منطقة تُعد من أكثر مناطق العاصمة كثافة بالسكان، ويُعد هذا المسجد من أبرز المعالم الدينية والتاريخية في مصر، حيث يقصده الزوّار من مختلف الأنحاء للتبرك والصلاة، لما يحمله من مكانة روحية وتاريخية عميقة في الوجدان الإسلامي.
ترجمة السيدة عائشة النبوية:
السيدة عائشة هي ابنة الإمام جعفر بن محمد باقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فهي من آل البيت، جاءت إلي مصر في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور هربًا من بطشه بآل البيت، فأقامت في مصر مدة، وكثر مريدوها من أهل مصر، وكانت عائشة رضي الله عنها زوجًا لأمير المدينة أيضًا عمر بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
عمارة المسجد:
شَهِد مسجد السيدة عائشة عدة مراحل من الترميم وإعادة البناء، أبرزها ما قام به الأمير عبد الرحمن كتخدا عام ١١٧٦هـ القرن الثامن عشر، حيث أعاد تشييده على هيئة مسجد تقليدي يتألف من صحن مكشوف تحيط به الأروقة، ورغم التحولات العمرانية التي مر بها، ظل محتفظًا بجوّه الروحي وعبقه التاريخي.
وفي عام ١٩٦٩م، أُعيد بناء المسجد باستخدام أحجار مسجد أولاد عنان بعد تفكيكه، مما أضفى عليه طابعًا معماريًا تراثيًا فريدًا، ليصبح شاهدًا حيًا على تلاقح العصور والأساليب المعمارية، ورغم أنه غير مسجّل كأثر لدى وزارة الآثار، إلا أن رمزيته الدينية والتاريخية جعلت منه أحد أبرز المعالم الشعبية، حتى أن صورته زُينت بها الورقة النقدية من فئة ٢٥ قرشًا، لترسخ مكانته في وجدان الناس.
أما واجهته الشرقية، فتتوسطها بوابة رئيسية مصمّمة على الطراز الإسلامي القديم، تعلوها آية قرآنية خاشعة: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ} [آل عمران: ٨]، وفيه دلالة على روح المسجد الإيمانية وسمته الخاشع.
صحن المسجد :
يتكون صحن المسجد من مربع يتوسطه صحن، وتحيط به أربعة أروقة، وصحن المسجد له ثلاثة أبواب بابان رئيسيان، وباب يؤدي إلى المقام الشريف، كما يوجد بالمسجد اثنا عشر نافذة سفلية مطعمة بشبكة نحاسية، وخمس عشرة نافذة علوية بها أحجبة من الزجاج الملون، ويتلاحظ وجود شريطين دائرين أعلى وأسفل النوافذ السفلية بنقش إسلامي بمحيط جدران المسجد.
المحراب والمنبر:
في رواق القبلة بمسجد السيدة عائشة، يلفت الانتباه موضع المحراب في غير موضعه التقليدي؛ إذ لا يتوسط جدار القبلة كما هو معتاد، بل يقع في ركنه الجنوبي الشرقي، وهي سمة معمارية نادرة، وُجدت كذلك في بعض المشاهد السلجوقية بمدينة الموصل، مما يعكس تأثيرات فنية متعددة تعاقبت على عمارة المسجد.
وعلى يسار المحراب، ينتصب منبر خشبي فريد، مُطعَّم بحشوات خشبية، ومصمم وفق الطراز المملوكي العريق، ليجسد تداخلًا بديعًا بين البساطة والجمال، ويضيف إلى المسجد لمسة فنية ذات طابع تاريخي مميز.
ضريح ومقام السيدة عائشة:
كان ضريح السيدة عائشة في بداياته بسيطًا متواضعًا، إلى أن نال عناية خاصة في العهدين الفاطمي والأيوبي، حيث أُنشئت بجواره مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم، ما يدل على مكانته الدينية والعلمية في ذلك الوقت، وحين أحاط صلاح الدين الأيوبي القاهرة وسائر المدن المحيطة بسور شامل، فصل هذا السور بين قبة السيدة عائشة والقرافة، ثم فتح فيه بابًا باتجاه المقابر عُرف بباب عائشة، ولا يزال يُعرف اليوم باسم باب القرافة.
لاحقًا، أُلحق بالضريح مسجد كبير عُرف بمسجد السيدة عائشة، أعاد بناءه الأمير عبد الرحمن كتخدا سنة ١١٧٦هـ / ١٧٦٢م، ثم هُدم المسجد وأُعيد بناؤه سنة ١٩٧١م بالشكل الذي نراه حاليًا، وكانت مقصورة الضريح قديمًا مصنوعة من الخشب، إلى أن جُددت مقصورة ضريح السيدة زينب وصُنعت من الفضة، فتم إهداء المقصورة النحاسية القديمة إلى مقام السيدة عائشة، حيث لا تزال تزين ضريحها حتى اليوم، شاهدة على تاريخ من العناية والتقدير.

المأذنة والقبة:
المسجد به مأذنة صممت على الطراز المملوكي، وقبته المثمنة الأضلاع المرتكزة على عشرة أعمدة رخامية، وبالقبة اثنتين وسبعون نافذة صغيرة، وتتدلى من القبة ثريا نحاسية ذات طابع تراثي قديم.
دور وزارة الأوقاف في تطوير المسجد:
شهد مسجد السيدة عائشة مؤخرًا نهضة عمرانية متكاملة، بفضل جهود وزارة الأوقاف المصرية بالتعاون مع مؤسسة "مودة"، حيث تم تطويره داخليًا وخارجيًا، ورفع كفاءته بالكامل بما يتماشى مع المعايير التراثية العالمية، ليحافظ على طابعه التاريخي الفريد، ويبقى مقصدًا روحانيًا ومَعْلمًا حضاريًا يقصده الزوّار من مختلف بقاع الأرض، ضمن مشروع تطوير مساجد آل البيت بمصر، بعدما أعيد بناؤه سابقًا في عام ١٩٧١م.
وقد أشار فضيلة الأستاذ الدكتور علي جمعة – مفتي الديار المصرية الأسبق – على مكانة المسجد وصاحبته الكريمة، عبر منشور له على صفحته الرسمية، مؤكدًا أن السيدة عائشة بنت جعفر الصادق، شقيقة الإمام موسى الكاظم وإسحاق المؤتمن (زوج السيدة نفيسة)، جاءت إلى مصر بعد موقعة "فخ"، وكانت من العابدات المجاهدات، وقد أثرت عنها كرامات ومناقب كثيرة، ومشهدها المبارك في طريق الإمام الشافعي بالقاهرة يُعد من المعالم الروحية الكبرى.
ويُمثّل المسجد بضريحه الشريف مَعلمًا دينيًا وتاريخيًا بارزًا في قلب العاصمة، ومزارًا مهمًا من مزارات آل البيت رضي الله عنهم، تحظى به الدولة المصرية بعناية فائقة ضمن رؤيتها للحفاظ على تراثها الديني والروحي.
وقد أجمع المؤرخون علي قدوم السيدة عائشة إلي مصر ووفاتها بها، يقول السخاوي في (تحفة الأحباب) أن السيدة عائشة مدفونة بمصر، و أنه عاين قبرها في تربة قديمة على بابها لوح رخامي مدون عليه ”هذا قبر السيدة الشريفة عائشة من أولاد جعفر الصادق بن الإمام محمد باقر بن الإمام علي زين العابدين بن الإمام الحسين بن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه”، وقد تحقق أحمد زكي باشا من وجود جثمان السيدة عائشة بالضريح وصرح على رؤوس الأشهاد بأن المشهد القائم في جنوب القاهرة باسم السيدة عائشة النبوية هو حقيقة متشرف بضم جسمانها الطاهر، وفيه مشرق أنوارها ومهبط البركات بسببها.
وأخيرًا ما إن تطأ قدمك عتبة هذا المسجد، حتى يلامسك شعور بالأمان والسكينة، كأن روح السيدة عائشة تفيض حنانًا على زائريها.
هنا، تمتزج الطمأنينة بالعظمة، ويعانق الدعاء السماء من قلبٍ مفعمٍ باليقين، فمن أراد أن يختبر معنى البركة، ويزور قلبًا من قلوب آل البيت، فليأتِ إلى مسجد السيدة عائشة، ففيه دفءٌ لا يبهت، ونور لا يغيب.