مسجد عمرو بن العاص بدمياط
مهدٌ إسلامي شامخ على ضفاف التاريخ
في قلب مدينة دمياط، وتحديدًا بالجبانة الكبرى، يقف مسجد عمرو بن العاص كأحد أقدم وأشهر المساجد في مصر وأفريقيا، حيث تأسس عام ٢١ هـ / ٦٤٢ م عقب الفتح الإسلامي مباشرة. هذا الموقع الفريد والمبكر يجعله ليس فقط مركزًا للعبادة، بل شاهدًا حيًا على تاريخ طويل من التحولات والصراعات والتعايش.
أسسه الصحابي الجليل المقداد بن الأسود في عهد القائد عمرو بن العاص، على غرار جامع الفسطاط بالقاهرة، ليحمل بين جدرانه عبق الفتح الإسلامي. ويُعرف أيضًا باسم "مسجد الفتح"، في إشارة رمزية لبداية عصر جديد من الإشعاع الحضاري والديني في دمياط.
تعرض المسجد لتحولات مذهلة خلال الحروب الصليبية؛ فتم تحويله إلى كنيسة أكثر من مرة على يد الصليبيين، كما حُوّل إلى كاتدرائية في عهد لويس التاسع عام ١٢٤٩م. وبعد انسحابهم، عاد المسجد لاحتضان المصلين، مجددًا مكانته كمركز ديني وثقافي.
يتألق المسجد بتصميم إسلامي مبكر تتخلله أعمدة رومانية نادرة، وكتابات كوفية أثرية تزين جدرانه. تغطيه قبة مركزية تحيط بها أربعة أروقة، وتبلغ مساحته نحو ٤٦٠٠م²، ما يجعله من أكبر مساجد دمياط. وعلى الرغم من تهدّم مئذنته بفعل زلزال قديم، فإن المسجد احتفظ بجماله وهيبته عبر قرون من الزمن.
شهد المسجد العديد من التجديدات المهمة، أبرزها في العصر الفاطمي، ثم الترميم الشامل عام ٢٠٠٤، بإشراف وزارة الآثار، ليفتتح من جديد في مايو ٢٠٠٩ تزامنًا مع العيد القومي لدمياط. وتم تسجيله رسميًا كأثر إسلامي باسم "جامع أبو المعاطي".
اليوم، لا يُعد مسجد عمرو بن العاص مجرد أثر معماري، بل هو نبض حيّ للأنشطة الدينية والتعليمية في المدينة، وخاصة في شهر رمضان، حيث يتوافد عليه الآلاف لأداء الصلوات وحضور الدروس والمحاضرات الدينية.
في زاوية هادئة من دمياط، يقع مسجد عمرو بن العاص كأنما يهمس للتاريخ: "هنا بدأ النور، وهنا لا يزال... فتعالَ واقرأ الفاتحة من داخل حجارةٍ حفظت السرّ منذ ١٣ قرنًا".
الموقع علي خرائط Google