مسجد سيدنا الإمام الشافعي بالقاهرة
يقع مسجد الإمام الشافعي في حي يحمل اسمه، شرق محافظة القاهرة، جنوب قلعة صلاح الدين الأيوبي، ويُعد واحدًا من أبرز المساجد التاريخية في مصر، لا لما يتمتع به من طراز معماري فريد فحسب، بل لاحتوائه على ضريح الإمام الشافعي، أحد أعلام الإسلام، وصاحب المذهب الفقهي الثالث بين المذاهب الأربعة المعتمدة لدى أهل السنة والجماعة.
في عام ٥٧٢ هـ / ١١٧٦م، أمر السلطان صلاح الدين الأيوبي ببناء تابوت خشبي فاخر على قبر الإمام الشافعي، واعتُبر أول مبنى يُقام على ضريح في مصر. وقد نُقشت عليه آيات قرآنية وسيرة الإمام، واسم صانعه "عبيد النجار"، باستخدام الخطين الكوفي والنسخي الأيوبي. بلغت مساحة الضريح نحو ١٥ مترًا مربعًا، ودُعّم بجدران سميكة لتحمل قبة شامخة.
أما المسجد فقد بناه السلطان الكامل محمد الأيوبي عام ٦٠٨ هـ / ١٢١١م، بعد دفن والدته بجوار ضريح الشافعي، فاحتوى المكان على ثلاثة توابيت أخرى إلى جانب تابوت الإمام، وهي: ضريح والدة السلطان الكامل، وأحد أفراد أسرة عبد الحكم، ويُرجَّح أن الثالث للسلطان الكامل نفسه.
الترميم والتجديد عبر العصور
شهد المسجد والضريح عدة مراحل ترميم وتطوير:
- السلطان قايتباي (٨٥٥هـ / ١٤٨٠م) أمر بترميمه.
- السلطان قنصوه الغوري جدده قبل دخول العثمانيين مصر.
- علي بك الكبير أجرى أعمال إصلاح إضافية.
- في القرن الثامن عشر، بنى الأمير عبد الرحمن كتخدا مسجدًا بجوار الضريح، جُدِّد لاحقًا في عهد الخديوي توفيق، ثم أُكمل في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني.
ويتميّز المسجد اليوم بواجهاته الحجرية المزخرفة، ومئذنته التي تشبه المآذن المملوكية، ومنبره الخشبي المطعّم بالعاج والأبنوس.
أعمال الترميم الحديثة (٢٠١٦م - ٢٠٢١م)
شهد المسجد بين عامي ٢٠١٦م و٢٠٢١م مشروعًا شاملًا لترميم عناصره الأثرية، شمل:
- ترميم الجص والزخارف.
- صيانة الأخشاب الملونة والتكسيات الرخامية.
- إصلاحات إنشائية للقباب والمقصورات.
- ترميم التوابيت الخشبية والتكسيات الرصاصية.
- توثيق القبة من الداخل والخارج توثيقًا دقيقًا.
من هو الإمام الشافعي؟
هو أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي القرشي، وُلد سنة ١٥٠هـ (٧٦٧م)، وقيل في غزة أو اليمن، ونُقل إلى مكة المكرمة صغيرًا، ثم جاب الحجاز، والعراق، ومصر، التي استقر بها حتى وفاته، ويحظى مقام الإمام الشافعي بمكانة روحية في وجدان المصريين.
ويُعد الإمام الشافعي:
- ثالث الأئمة الأربعة.
- أول من دون علم أصول الفقه.
- عالمًا في الحديث والتفسير.
- فقيهًا، قاضيًا، لغويًا، وأديبًا.
- كان شاعرًا بليغًا، وراميًا ماهرًا، وعرف بحدة الذكاء والعدالة في القضاء.
شيوخه: تتلمذ على يد أعلام عصره، منهم:
- الإمام مالك بن أنس.
- سفيان بن عيينة.
- إبراهيم بن سعد.
- فضيل بن عياض، وغيرهم.
أبرز تلامذته: منهم:
- الإمام أحمد بن حنبل.
- الحميدي.
- المزني.
- الربيع بن سليمان.
- أبو ثور، وغيرهم.
مؤلفاته: من أشهر كتبه:
- الرسالة (في أصول الفقه).
- الأم (في الفقه الشافعي).
وفاته: توفي الإمام الشافعي في عام ٢٠٤هـ / ٨١٩م، ودُفن في القرافة الصغرى بالقاهرة، وظل قبره مزارًا للعلماء والعامة، شاهِدًا على علمه وفضله ومكانته.
هنا في مسجد سيدنا الإمام الشافعي يرقد الإمام الذي أعطى للفقه روحًا، وللأدب جمالاً، وللأمة ميراثًا لا يفنى. ففي مسجد الإمام الشافعي، تشعر أن الحكمة تسكن الجدران، وأن كل ركن يردد صدى علمه وتقواه. فمن أراد أن يزور رجلًا أحيا العقول والقلوب معًا، فليأتِ إلى هذا المسجد، ففيه ترتاح الأرواح كما يستكين التائه إذا بلغ المأمن.