مسجد السيد البدوي بطنطا
مزار ديني وتاريخي في قلب دلتا مصر
يقع مسجد السيد البدوي في قلب مدينة طنطا بمحافظة الغربية، شمال دلتا مصر، ويُعد من أهم المعالم الإسلامية والصوفية في البلاد، حيث يجذب الزوار من مختلف أنحاء مصر والعالم الإسلامي.
لقد أُعيد بناء المسجد في القرن الرابع عشر الهجري على مساحة تبلغ فدانًا ونصف تقريبًا، شاملاً الأضرحة والملحقات. ويتكون تخطيطه من صحن مركزي تتوزع حوله الأروقة، أبرزها إيوان القبلة في الجهة الجنوبية، ويضم أربعة أروقة، فيما تحتوي الإيوانات الأخرى على رواقين.
وتعلو الصحن قبة شاهقة مثبتة على رقبة بها نوافذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي.
أما الأضرحة، فتقع في الجهة الغربية، ويتوسطها ضريح السيد البدوي، المغطى بأكبر القباب الثلاثة، والتي تقوم على مقرنصات زخرفية بديعة.
وللمسجد سبعة أبواب، أبرزها أربعة تقع في الواجهة الغربية، وقد نُقش على الباب القبلي تاريخ إعادة عمارته سنة ١٣٢٠ هـ.
جذوره التاريخية
توفي الإمام الصوفي الشهير السيد أحمد البدوي – رضي الله عنه – في الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة ٦٧٥ هـ، ودفن في دار تُعرف باسم "دار ابن شحيط". وكان تلميذه عبد العال أول من أسّس خلوة بجوار قبره، تحولت لاحقًا إلى زاوية عُرفت باسم "الأحمدية"، وظلت قائمة حتى عصر السلطان الأشرف قايتباي.
وفي عام ٩٠١ هـ، كما أشار المؤرخ ابن إياس، أمر السلطان قايتباي بتجديد مقام السيد البدوي وتوسعته، وبنى قبة شاهقة فوق الضريح، إلى جانب تطوير الزاوية وتحويلها إلى معلم معماري فريد من نوعه.
وفي القرن الثاني عشر الهجري، شهد المسجد نقلة كبيرة على يد علي بك الكبير، الذي أنشأ مسجدًا ملاصقًا للضريح. وقد شُيِّدت ثلاث قباب مهيبة:
- القبة الكبرى على ضريح السيد البدوي،
- القبة الغربية لتلميذه عبد العال،
- والقبة الشرقية للشيخ مجاهد، شيخ المسجد في حينه.
كما صُنعت مقصورة من النحاس لا تزال موجودة حتى اليوم، نُقش عليها اسم السيد البدوي ونسبه الشريف، في دلالة على التقدير والتبجيل.
ولم تتوقف العناية عند هذا الحد، فقد أنشأ علي بك أيضًا سبيلًا وكتابًا لتعليم الأيتام القراءة والكتابة، في مواجهة المسجد مباشرة.
كما أسس علي بك الكبير وقفيتين كبيرتين لدعم المسجد وخدمته، شملت عمائر، وكالات، وقياسر (أسواق)، بعائد سنوي ضخم يُقدّر بـ(٨٤٨٥٢٥) نصف فضة، أي ما يعادل (٢٦٢٦٤) جنيهًا مصريًا.
وقد خُصص ريع هذه الأوقاف لخدمة:
- السادة خلفاء الطريقة الأحمدية،
- العلماء والمجاورين،
- فقراء المسلمين،
- المساكين والأيتام،
- وأرباب الأشاير المنتسبين للطريقة.
ونصّت الوقفية على أن يكون عدد المجاورين بالمسجد ٧٠٠ شخص، مما عزّز من مكانته كمركز ديني بارز.
وفي القرن الثاني عشر الهجري تحول المسجد الأحمدي إلى معهد علمي ديني يوازي في منهجه الجامع الأزهر، ومع تطور التعليم الديني، أُنشئ في عام ١٣٣٢ هـ معهد علمي كبير تابع للمسجد، ما جعله منارة للعلم والعلماء.
السيد أحمد البدوي: من فاس إلى طنطا
ينحدر السيد أحمد البدوي من نسب شريف يصل إلى الإمام علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وُلد في مدينة فاس المغربية عام ٥٩٦ هـ لأب عربي وأم مغربية.
هاجرت أسرته إلى مكة مرورًا بمصر سنة ٦٠٣ هـ، واستقرت هناك لفترة قصيرة، قبل أن تتابع رحلتها إلى الحجاز في ظل حكم الدولة الأيوبية.
بعد وفاة والده، انعزل أحمد البدوي عن الناس وتفرغ للعبادة، حتى قدم إلى طنطا عام ٦٣٧ هـ، وسكن بدار الشيخ ركن اليدين ركين، ثم انتقل لاحقًا إلى دار ابن شحيط حيث عاش حتى وفاته، ودفن فيها.
وقد شهد القرن السابع الهجري نهضة صوفية كبرى في مصر، وكان من أعلامها:
- السيد أحمد البدوي،
- الإمام أبو الحسن الشاذلي،
- الشيخ أبو العباس المرسي،
- الشيخ إبراهيم الدسوقي،
- أبو القاسم القبارى،
- والشاطبي.
إن زيارة مسجد السيد البدوي ليست مجرد رحلة دينية، بل تجربة روحية وتاريخية تتقاطع فيها العمارة المهيبة مع عبق التصوف وروح الإيمان. لا تفوّت فرصة السير في أروقة هذا المسجد العريق، والتأمل في ضريحه الشريف... فطنطا بانتظارك، وقلوب محبي السيد تنبض بالترحاب بك.