وتتعدد الروايات حول تحديد المناسبة التي استعمل فيها هذا اللقب، وحول أول من استعمله:
فمما يروى في ذلك أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عامل العراق أن ابعث إليَّ برجلين نبيلين أسألهما عن العراق، فوقع اختيار عامل العراق على (لبيد بن ربيعة العامري، الشاعر المشهور) و(عدى بن حاتم الطائي)، فلما قدما المدينة أناخا راحتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، فإذا هما بعمرو بن العاص، فقالا له: استأذن لنا على أمير المؤمنين يا عمرو، فقال عمرو: أنتما والله أصبتما اسمه، نحن المؤمنون، وهو أميرنا، فوثب عمرو فدخل على عمر فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ما بدالك في هذا الاسم؟ يعلم الله لتَخْرُجَنَّ مما قلت أو لأَفْعَلَّن! قال: إن لبيد بن ربيعة وعدى بن حاتم قدما فأناخا راحتيهما بفناء المسجد، ثم دخلا المسجد، وقالا لي: "استأذن لنا على أمير المؤمنين"، فهما - والله- أصابا اسمك، أنت الأمير ونحن المؤمنون. فجرى الأمر على ذلك من يومئذ". [الخزاعي التلمساني (أبو الحسن على بن محمد): كتاب تخريج الدلالات السمعية، تحقيق أحمد محمد أبو سلامة. طبعة المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، القاهرة ١٩٩٥م ص ٣٧؛ ابن الجوزي (أبو الفرج عبد الرحمن بن على): سيرة ومناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. دار الدعوة الإسلامية، القاهرة ٢٠٠١، ص ٥٧].
ويروى - أيضًا - في هذا السياق أن بَرِيدًا (أي: رسولًا) جاء بالفتح من بعض البعوث، ودخل المدينة، وهو يسأل عن عمر رضي الله عنه، ويقول: "أين أمير المؤمنين؟" وسمعها أصحابه، فاستحسنوه، وقالوا: أصبت والله اسمه! إنه والله أمير المؤمنين حقًّا، فدعوه بذلك، وذهب لقبًا له في الناس، وتوارثه الخلفاء من بعده سمة لا يشاركهم فيها أحد سواهم. [مقدمة ابن خلدون، تحقيق د. على عبد الواحد وافي، مكتبة الأسرة، القاهرة، ٢٠٠٦، ج٢، ص ٦١٣- ٦١٤].
ويقال إن أول من خاطب عمر رضي الله عنه بهذا اللقب صحابي يقال له (أبو وبرة)، ومعه (علي بن أبي طالب) رضي الله عنهما، فقد بعث خالد بن الوليد أبا وبرة إلى عمر ليسأله عن عقوبة الجلد في شرب الخمر، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يجلدان في شرب الخمر أربعين جلدة، فلما ذهب أبو وبرة إلى عمر قال له: يا أمير المؤمنين، إن خالدًا بعثني إليك. قال عمر: فيم؟ فأخبره أبو وبرة أن الناس قد انهمكوا في الخمر نتيجة استهانتهم بالعقوبة، فشاور عمر أصحابه في ذلك؛ فقال علي: نرى يا أمير المؤمنين ثمانين جلدة. فقبل ذلك عمر، فكان أبو وبرة ثم علي بن أبي طالب أول من لقبه بذلك. [القلقشندي (أبو العباس أحمد بن على): صبح الأعشى في صناعة الإنشا. طبعة دار الكتب المصرية، القاهرة، جـ٥، ص٤٧٥].
ويروى - أيضًا: أن المغيرة بن شعبة كان أول من خاطب عمر رضي الله عنهما بهذا اللقب، ويقال: إنه عبد الله بن جحش، بل إن هناك من الروايات ما يشير إلى أن عمر رضي الله عنه كان أول من سمى نفسه أمير المؤمنين. [ابن الأثير (عز الدين على بن محمد): أسد الغابة في معرفة الصحابة. دار الشعب، القاهرة، ج٤، ص١٧٠. وانظر أيضا: ابن الجوزي، مصدر سابق، ص٥٧؛ ابن خلدون، مصدر سابق، ص ٦١٣].
ومهما يكن من خلاف حول المناسبة التي استعمل فيها هذا اللقب، وأول من لقب بأمير المؤمنين، فلا خلاف حول أن الدافع إلى استعمال هذا اللقب هو تَجَنُّبْ ما يترتب على استعمال لقب (خليفة) من ثقل في حال النداء بصفة خاصة، وهذا ما يوضحه ابن خلدون بقوله: "إن عمر رضي الله عنه لما بويع، كانوا يدعونه خليفة خليفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكأنهم استثقلوا هذا اللقب بكثرته، وطول إضافته، وأنه يتزايد فيما بعد - دائمًا - إلى أن ينتهي إلى الهُجْنَة، ويذهب منه التمييز بتعدد الإضافات، وكثرتها". [مقدمة ابن خلدون، ج٢، ص ٠٦١٣ والهجنة في الكلام ما يعيبه].
إن هذا يدعونا إلى تأكيد حقيقة مهمة، وهي أن ظهور لقب أمير المؤمنين لم يقض على استعمال اللقب الأول وهو خليفة بل استعمل اللقبان بصورة تكاد تكون متساوية، وإن كان لقب أمير المؤمنين هو الذي شاع استعماله في حال - النداء كما أشرنا إلى ذلك توًا- بل قد يكون استعمال لقب خليفة في غير حال النداء أكثر يسرًا وقبولًا في بعض الأحيان، فنحن نقول مثلا: عصر الخلفاء الراشدين، ولا نقول: عصر أمراء المؤمنين الراشدين.
والأمير في اللغة: ذو الأمر، وهو فعيل بمعنى فاعل؛ فيكون أمير بمعنى آمر، سمى بذلك لامتثال قومه أمره [القلقشندي، مصدر سابق، جه، ص ٦١٣]، وهذا اللقب يشير إلى ما يتمتع به أمير المؤمنين من حق الطاعة على الرعية، ولكنها الطاعة في المعروف؛ ولهذا جاء ارتباط كلمة (الأمير) بكلمة (المؤمنين)؛ فأمير المؤمنين هو الذي يدير شئونهم في ضوء مبادئ الإيمان، وأصوله.
وتجدر الإشارة إلى أن لقب أمير المؤمنين - قبل أن يستعمل مع الخليفة الثاني - كان يستعمل أحيانًا مع قواد البعوث، فقد لُقِّبَ به عبد الله بن جحش في سريته إلى نخلة في العام الثاني للهجرة ٦٢٣م [مادة أمير المؤمنين في دائرة المعارف الإسلامية، طبعة دار الشعب بالقاهرة، جـ٤، ص٤٧٧]، كما كان الصحابة يدعون سعد بن أبي وقاص أمير المؤمنين؛ لإمارته على جيش القادسية، وهم معظم المسلمين يومئذ [مقدمة ابن خلدون، جـ٢، ص ٦١٣]، على أن بدء استعمال هذا اللقب مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان نهاية استعماله مع غير الخلفاء.
وقد استمر لقب أمير المؤمنين يطلق على صاحب الإمامة العظمى أو حاكم الأمة الإسلامية منذ ظهوره في عصر الخلفاء الراشدين، وطوال العصر الأموي في المشرق، بالإضافة إلى حقبة طويلة من العصر العباسي، فلما تمزقت وحدة الدولة الإسلامية، تعدد حاملو هذا اللقب في العالم الإسلامي، ففي سنة ٢٩٦هـ (٩٠٩م) أسس الفاطميون دولتهم في الشمال الإفريقي، ثم نقلوا مركز حكمهم إلى مصر سنة ٣٥٨هـ (٩٦٩م)، وقد أطلق الحكام الفاطميون على أنفسهم لقب الخليفة، ولقب أمير المؤمنين - أيضًا - وبعد أن نشأت الإمارة الأموية في الأندلس على يد عبد الرحمن بن معاوية بن هشام، الذي يعرف بـ عبد الرحمن الداخل، في سنة ١٣٨هـ (٧٥٥م)، تحولت إلى خلافة على يد عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، الذي يعرف بـ عبد الرحمن الثالث أو الناصر (٣٠٠-٣٥٠هـ/٩١٢-٩٦١م). وقد تسمى عبد الرحمن بأمير المؤمنين. [نفس المصدر، ص ٦١٥]، وهكذا وجد هناك ثلاثة حكام متزامنين في العالم الإسلامي يلقب كل منهم بأمير المؤمنين (أو بالخليفة): واحد في بغداد، وآخر في قرطبة بالأندلس، وثالث في القاهرة، بل إن بعض الحكام الأقل نفوذًا كانوا يطلقون على أنفسهم لقب أمير المؤمنين؛ كحكام بنى مرين في مراكش في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر الميلادي). [مادة (أمير المؤمنين) في دائرة المعارف الإسلامية، مرجع سابق، ص٤٤٨].
وعندما اتسع نفوذ الدولة العثمانية أصبح سلاطين آل عثمان يتمتعون - أيضًا - بهذا اللقب بالإضافة إلى لقب خليفة، وقد ظلوا يحملون اللقبين معًا حتى انهارت خلافتهم في سنة ١٣٤٣هـ/ ١٩٢٤م على يد مصطفى كمال أتاتورك.