أهل الصُّفَّة هم فقراء الصحابة الذين خصهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعناية خاصة، وجعل لهم ملجأ مسقوفًا ملحقًا بمسجده في المدينة؛ حيث عاشوا حياة الزهد والتقوى والتفاني في العبادة رغم فقرهم الشديد.
أهل الصُّفَّة هم فقراء الصحابة الذين خصهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعناية خاصة، وجعل لهم ملجأ مسقوفًا ملحقًا بمسجده في المدينة؛ حيث عاشوا حياة الزهد والتقوى والتفاني في العبادة رغم فقرهم الشديد.
مكان مسقوف ملحق بمسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة المنورة وكان في الجهة الشمالية منه. [انظر القاموس الإسلامي. أحمد عطية الله. مكتبة النهضة المصرية ١٣٨٣هـ - ١٩٦٣م جـ ١ ص.٢١٠]
وقد خُصِّصَ لإقامة وإعاشة فقراء الصحابة -رضي الله عنهم- الذين لا بيوت لهم ولا أسر يأْوون إليها، ولم نعثر في المصادر التاريخية على إحصاءٍ دقيقٍ لأهل الصُّفَّة يُعَيِّن أعدادهم بالضبط، لأنهم كانوا يزيدون عندما يَرِد عليهم وافد جديد، أو يَنقُصون عندما يتركهم بعضهم، لأنهم تزوجوا وأصبحت لهم بيوت وأُسَر أو لأنهم ماتوا.
ولقد وجدت أبا نعيم الأصفهاني -ت ٤٣٠هـ/ ١٠٣٨م- يترجم لأكثر من ثمانين منهم في كتابه حلية الأولياء وطبقات الأصفياء. [انظر جـ ١ص ٣٣٧ وما بعدها. طبعة دار الفكر العربي بدون تاريخ]
أما عبد الله بن عبد الملك المرجاني فقد ترجم لنحو أربعين منهم في كتابه بُهجة النفوس والأسرار في تاريخ دار هجرة المختار. [انظر جـ ١ ص ٥١١-٥١٤, تحقيق د. محمد عبد الوهاب فضل. دار الغرب الإسلامي].
ولهم ترجمات في كتب الطبقات, مثل كتاب الطبقات الكبرى لابن سعد ت ٢٣٠هـ /٨٤٤م والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني ت ٨٥٢هـ /١٤٤٨م وغيرهما، وعنهم يقول أبو نعيم الأصفهاني: ونذكر مستعينين بالله شأن أهل الصُّفَّة وأخلاقهم وأحوالهم، وتسمية من سُمّي لنا اسمه بالأسانيد المشهورة، والشواهد المذكورة، وهم قوم أخلاهم الحق من الركون إلى شيء من العروض، وعصمهم عن الافتتان بها عن الفروض، وجعلهم قدوة للمتجردين من الفقراء, لا يَأْوون إلى أهلٍ ولا مالٍ، ولا يُلهيهم عن ذكر الله تجارةٌ ولا مالٌ، لم يحزنوا على ما فاتهم من الدنيا، ولا يفرحون إلا بما أيدوا به من العقبى. [الحلية: المصدر السابق جـ١ ص ٣٣٨].
ويقول في مكان آخر: والظاهر من أحوالهم والمشهور من أخبارهم غلبة الفقر عليهم وإيثارهم القلة واختيارهم لها فلم يجتمع لهم ثوبان، ولا حضرهم من الطعام لونان. [المصدر السابق جـ١ ص ٣٤٠]
كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَخُصُّ أهل الصُّفَّة بعنايته ويتردد عليهم كثيرًا لتفقد أحوالهم والسؤال عنهم وحضور مجالسهم، فقد روى أبو نعيم الأصفهاني في الحلية أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جاء إلى أهل الصُّفَّة فقال: «كَيْفَ أَصْبَحْتُمْ؟» قالوا: "بِخَيْرٍ", فقال: «أَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِنْ يَوْمٍ يُغْدَى عَلَى أَحَدِكُمْ بِجَفْنَةٍ وَيُرَاحُ عَلَيْهِ بِأُخْرَى, وَيَغْدُو فِي حُلَّةٍ وَيَرُوحُ فِي أُخْرَى, وَتَسْتُرُونَ بُيُوتَكُمْ كَمَا تُسْتَرُ الْكَعْبَة».
يقصد بذلك أنهم صاروا أغنياء مترفين, يُزينون بيوتهم بالستائر. فقالوا: "يا رسول الله نُصيب ذلك ونحن على ديننا" فقال: «نَعَمْ» فَقَالُوا: "فَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ, نَتَصَدَّقُ وَنُعْتِقُ", فَقَالَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا؛ أَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرٌ, إِنَّكُمْ إِذَا أَحْبَبْتُمُوهَا -أَيْ الدُّنْيَا- تَحَاسَدْتُمْ وَتَقَاطَعْتُمْ وَتَبَاغَضْتُمْ». [المصدر السابق جـ١ص ٣٤٠]
وقد وردت أحاديث كثيرة بهذا المعنى، منها حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - وهو من أهل الصُّفَّة، فقد قال: "خرج إلينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الصُّفَّة, فقال: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يَغْدُوَ كُلَّ يَوْمٍ إِلَى بَطْحَاءِ مَكَّةَ وَالْعَقِيقِ فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ كُوْمَاوَيْنِ فِي غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطِيعَةِ رَحِمٍ؟" فَقُلْنَا: "كُلُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ نُحِبُّ ذَلِكَ", فَقَالَ: «أَوَ لَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَتَعَلَّمَ أَوْ يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلَاثٍ وَأَرْبَعٍ... وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الْإِبِلِ». [المصدر السابق جـ١ ص ٣٤١]
ويعلق أبو نعيم الأصفهاني على ذلك بقوله: "فحديث عقبة يصرح بأن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يردهم عند العوارض الداعية إلى تمني الدنيا والإقبال عليها إلى ما هو أَلْيَق بحالهم وأصلح لبالهم. [المصدر نفسه], وهذا فقه عظيم, فرسول الله -صلى الله عليه وسلم - يطمئنهم أن حالتهم التي هم عليها من الفقر والحاجة، والتفرغ لعبادة الله والذكر، أصلح لحالهم مما لو صاروا أغنياء، فليس كل إنسان يُصلحه الغنى، أو يَصلح له الغنى.
وكبار مفسري القرآن الكريم يرون أن قوله تعالى: {وَلَوۡ بَسَطَ ٱللَّهُ ٱلرِّزۡقَ لِعِبَادِهِۦ لَبَغَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٖ مَّا يَشَآءُۚ إِنَّهُۥ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرُۢ بَصِيرٞ} [الشورى: ٢٧] نزل في أهل الصُّفَّة, فقد رُوي عن خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قوله: - وكان منهم -: "فينا نزلت هذه الآية, نظرنا إلى أموال بني النضير وبني قريظة فتمنيناها فنزلت". [انظر الجامع لأحكام القرآن للإمام القرطبي جـ٨ ص ٤٤٨٥. طبع دار الفكر بيروت ١٤٢٠هـ.١٩٩٩م. وانظر كذلك جامع البيان للإمام الطبري نشر دار السلام بالقاهرة ١٤٢٥ هـ, ٢٠٠٥م, جـ ٩ ٧٢٤٣].
ويشرح الإمام القرطبي مفردات هذه الآية الكريمة فيقول: {وَلَوۡ بَسَطَ} [الشورى: ٢٧] معناه: وسَّع. وبسط الشيء: نشره. لبغوا في الأرض: طغوا وعصوا.
وقال ابن عباس: يقيهم طلبهم منزلة بعد منزلة، ودابة بعد دابة، ومَركبًا بعد مَركب, ومَلبَسًا بعد مَلبَس، وقيل: لو أعطاهم الكثير لطلبوا ما هو أكثر منه، لقوله -صلى الله عليه وسلم: «لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادِيَانِ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى إِلَيْهِمَا ثَالِثًا».
وقيل: لو جعلناهم في المال سواء لما انقاد بعضهم لبعض ولتعطلت الصنائع، ثم يستطرد الإمام القرطبي فيقول: قال علماؤنا "أفعال الرب سبحانه لا تخلو عن مصالح، وإن لم يجب على الله الاستصلاح فقد يعلم من حال العبد أنه لو بسط عليه قاده ذلك إلى الفساد فيزوي عنه الدنيا مصلحة له، فليس ضيق الرزق هَوَانًا ولا سعةُ الرزق فضيلة. [الجامع لأحكام القرآن - المصدر السابق جـ٨ ص ٤٤٨٥].
وصنيع أهل الصُّفَّة وحالهم كان يُعجِبُ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويجالسهم كثيرًا؛ فقد روى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه- وكان منهم- فقال: "أتى علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ونحن أناس من ضَعَفَة المسلمين، ورجل يقرأ علينا القرآن ويدعو لنا، ما أظن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرف أحدا منهم، وإن بعضهم ليتوارى من بعض من العُرِي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده فأدارها شبه الحلقة، فاستدارت له الحلقة فقال -صلى الله عليه وسلم: «بِمَا كُنْتُمْ تُرَاجِعُونَ؟» قَالُوا: "هَذَا رَجُلٌ يَقْرَأُ عَلَيْنَا الْقُرْآنَ, وَيَدْعُو لَنَا", قَالَ: «فَعُودُوا لِمَا كُنْتُمْ فِيهِ», ثُمَّ قَالَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبِرَ نَفْسِي مَعَهُمْ», يشير - صلى الله عليه وسلم - إلى قوله تعالى: {وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا} [الكهف: ٢٨]
إن حال أهل الصُّفَّة وما كانوا عليه من الفقر والفاقة تظهر لنا صورة رائعة من التكافل الاجتماعي في الإسلام، فقد كانوا موضع اهتمام ورعاية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن ينام مطمئنًا إلا بعد أن يتأكد أنهم قد تناولوا عشاءهم، فقد رُوي عن عبد الرحمن بن أبي بكر أنه قال: إن أصحاب الصفة كانوا أُناسًا فقراء، وإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ -أَي مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ- وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ وَسَادِسٍ, وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- جَاءَ إِلَى بَيْتِهِ بِثَلَاثَةٍ, وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِعَشَرَةٍ». [ انظر حلية الأولياء - مصدر سابق جـ١ ص ٣٣٨]
وروى ابن حجر في ترجمته لسعد بن عبادة -رضي الله عنه- فقال: "وروى ابن أبى الدنيا عن طريق ابن سيرين قال: كان أهل الصُّفَّة إذا أمسوا انطلق الرجل بالواحد، والرجل بالاثنين، والرجل بالجماعة، فأما سعد فكان ينطلق بثمانين". [انظر الإصابة في تمييز الصحابة جـ٤ ص ١٥٢- ١٥٣]
باستعراض أسماء أهل الصُّفَّة في المصادر التي ترجمت لهم نجد بينهم رجالًا من الأغنياء، أو على الأقل من الذين لا ينطبق عليهم وصف الفقر والفاقة، من المهاجرين، أمثال أبي عبيدة بن الجراح، وزيد بن الخطاب، وعبد الله بن عمر بن الخطاب -رضي الله عنهم- جميعًا، ومن الأنصار مثل البراء بن مالك وثابت بن الضحاك وحبيب بن زيد، وحارثة بن النعمان، وحنظلة بن أبي عامر، وأبي سعيد الخدري وغيرهم، فما الذي جعل هؤلاء الصحابة الكرام الموسرين من المهاجرين والأنصار يأوون إلى الصُّفَّة؟ الذي جعل الصحابة الموسرين يأوون إلى الصُّفَّة أنهم رأوا أهلها يَحْظَوْنَ بحب واهتمام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنه كان يكثر من زيارتهم ومجالستهم والثناء عليهم، فتأسى به هؤلاء الصحابة وأحبوا أن يُنْسَبُوا إلى أهل الصُّفَّة، بل إن آل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ورضي عنهم وأكابر أصحابه ظلوا يداومون على زيارة أهل الصُّفَّة والتَّبرك بهم حتى بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد روى صاحب الحلية أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- خطب من علي بن أبي طالب ابنته أم كلثوم، فبحث علي -رضي الله عنه- عن أهله ليستشيرهم في الأمر فعرف أنهم في الصُّفَّة مع أهلها، وهم عمه العباس بن عبد المطلب، وأخوه عقيل بن أبي طالب، والحسين بن علي -رضي الله عنهم- جميعا.
ثم يواصل صاحب الحلية كلامه عمن كانوا يخالطون أهل الصُّفَّة من أهل البيت فيذكر منهم الحسن بن علي - رضي الله عنهما - وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ويقول: "ويرون في صحبتهم إكمال الدين، وفي مجالستهم إتمام الشرف على ما كانوا يرجعون إليه من التشرف برسول الله -صلى الله عليه وسلم- والانتساب إليه. [حلية ا لأولياء - مصدر سابق جـ٢ ص ٣٤].
بعد كل ما تقدم عن أهل الصُّفَّة قد يظن البعض أنهم تبوؤا تلك المنزلة العالية التي جعلت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يجالسهم ويشاركهم أذكارهم, وكذلك الأكابر من آل بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته, قد يظن البعض أنهم لم يكن لهم عمل إلا العبادة وقراءة القرآن وذكر الله تعالى، صحيح أنهم اشتهروا بذلك، ولكن الصحيح – أيضًا - أن معظمهم كانوا من كبار المجاهدين في سبيل الله, ولهم في ميدان الغزو مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قدم ثابتة، كذلك في الفتوحات الإسلامية بعد وفاته -صلى الله عليه وسلم- ومن هؤلاء أبو عبيدة بن الجراح، والمقداد بن عمرو، وعتبة بن غزوان، وزيد بن الخطاب، والقائمة طويلة.
ليس من الممكن في هذا الحيز الضيق أن تترجم لكل أهل الصُّفَّة، ومن يريد أن يعرف المزيد عنهم فلديه كتب الطبقات والتراجم وهى مليئة بأخبارهم, ولكن لابد من كلمة عن أشهرهم وأكثرهم ملازمة للصُّفَّة وهو أبو هريرة -رضي الله عنه- الذي أصبح عميدهم أو عريفهم, فقد كان يعرف كل شيء عنهم لطول إقامته بينهم، وكان مرجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في كل أمورهم فقد كان إذا أرادهم لأمرٍ ما طلب منه أن يجمعهم له، فقد روى مجاهد عن أبي هريرة أنه قال: مَرَّ بي رَسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فقالَ: «يا أبا هِرٍّ»، فقلتُ: لَبَّيْكَ يا رَسولَ اللهِ, قالَ: «اِلْحَقْ أَهْلَ الصُّفَّةِ, فادْعُهُمْ» قال: "وأهل الصُّفَّة أضياف الإسلام، لا يلون على أهل ولا مال، إذا أتته هدية أرسل إليهم منها وأصاب منها وأشركهم فيها. [حلية ا لأولياء مصدر سابق جـ١ ص ٣٣٨]
وأبو هريرة -رضي الله عنه- عميد أهل الصُّفَّة وعريفهم هو أشهر رواة الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأكثرهم رواية، فقد روى أكثر من خمسة آلاف حديث، وهذا العدد الكبير جعل بعض الناس يستكثر هذا ويقول : كيف تَأتَّى لرجل لم يصحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا نحو ثلاث سنوات أن يروي كل هذه الأحاديث ويحفظها عن ظهر قلب، وهذا لم يتأت لأحد سواه ممن طالت صحبتهم لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولكن هؤلاء لو رجعوا إلى المصادر الموثوق بها لزال عجبهم، لأن أبا هريرة -رضي الله عنه- فرَّغ نفسه من كل مشاغل الدنيا، وكرَّس حياته مدة صحبته لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- لسماع ورواية الحديث، ولعله سمع تساؤل الناس عن كثرة روايته للحديث الشريف وهو حيّ فكان يقول: إن المهاجرين شغلهم الصفق بالأسواق- يعني بعض التجارة لكسب عيشهم - والأنصار شغلتهم مزارعهم وحقولهم وأنا شغلتهم بجمع أحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد روى ابن سعد بسند جيد عن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص قال: قالت عائشة -رضي الله عنها- لأبي هريرة لتحدث بشيء ما سمعته أي من رسول الله -صلي الله عليه وسلم- فقال : "يا أمه طلبتها وشغلتك المكحلة والمرآة". [انظر الإصابة لابن حجر مصدر سابق جـ١٢ ص ٧٥] لهذا يقول الحافظ ابن حجر: "قد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثًا".
وذكر أبو محمد بن حزم أن مسند بقي بن مخلد احتوى من حديث أبي هريرة على خمسة آلاف وثلاث مائة حديث. [المصدر السابق جـ٢ ص ٦٨]
وكما روى أبو هريرة -رضي الله عنه- الحديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقد روى أيضًا عن عدد من الصحابة، منهم أبو بكر وعمر بن الخطاب، وعائشة -رضي الله عنهم– جميعًا؛ وقال البخاري -رحمه الله تعالى: "رَوى عنه -أي عن أبي هريرة- نحو الثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من رَوى الحديث في عصره. [المصدر السابق جـ٢ ص ٦٩]
أهل الصُّفَّة يمثلون نموذجًا فريدًا للتكافل الاجتماعي في الإسلام، جمعوا بين الفقر والزهد والعبادة والتقرب إلى الله مع مشاركة كبار الصحابة وأهل البيت في مجالستهم، وكانوا مصدر إلهام للنبي -صلى الله عليه وسلم- الذي يحرص على زيارتهم وتفقدهم، مؤكدًا أن الفقر في سبيل الله أسمى مرتبة من السعي وراء الدنيا؛ كما كانوا مجاهدين وأكابر في الخروج للجهاد، وكان أبو هريرة أشهرهم وأكثرهم رواية للحديث.