الأطراف المباشرون:
أ. السيدة عائشة: كانت مثالا للطُّهْر والعفة والنقاء
في عدم حديثها مع صفوان واستعانتها بالله عز وجل، ثم براءتها التامة، حيث ظلت شهرًا
كاملًا لا تدري ما يقوله الناس عنها، فهي من المحصنات الغافلات المؤمنات اللائي
أشار إليهن القرآن بقوله: {إِنَّ
ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي
ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النور: ٢٣]. فعائشة لم تَهُمَّ بما اتُّهمت به قط،
ولا خطر على قلبها، فهي في غفلة تامة عنه. [السُّهَيْلي: الروض الأُنُف في تفسير السيرة النبوية لابن هشام،
تقديم وتعليق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الفكر، بيروت، ۱۹۸۹م، جـ٤/ ص۲۳]. أصيبت عائشة بصدمة مروعة لما بلغها
كلام أهل الإفك عليها، واستأذنت وذهبت لأبويها لتعرف حقيقة ما يُثار حولها، وزادها
ألمًا انتشار هذا الأمر بين الناس، ومعرفة الجميع به إلا هي، وظلت تبكي بكاء شديدًا
وعاتبت أمها عتابًا مُرًّا أنها لم تدافع عنها، وزادها فجيعةً أن الرسول جاءها
واعظًا لا مُبرّئًا.[ الطبري: تاريخ الرسل
والملوك، تحقيق: محمد أبي الفضل إبراهيم طه، دار المعارف بالقاهرة، ۱۹۸۷م، جـ۲/ ص٦١٥،
٦١٦]،
فتماسكت وقالت مقالة يعقوب عليه السلام: {فَصَبۡرٞ
جَمِيلٞۖ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ} [يوسف: ١٨]. ثم نزل الوحي ببراءتها، فلم تزدد إلا
ثقة بربها، ثم بنفسها، وكانت لحظة نزول الوحي بهذا الشأن على رسول الله - رابطة
الجأش مطمئنة الفؤاد، وبلغت قمة الإيجابية الإيمانية لما شكرت الله وحده على نعمة
البراءة، وردّت على أمها لما أمرتها أن تقوم لتشكر رسول الله قائلة:" لا
والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا الله عز وجل". [البخاري: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث الإفك جـ٥/ص٢٥٦، (رقم
١٧١)].
ب. صفوان بن المعطَّل: صحابي جليل شهد المغازي مع رسول الله،
جعله الرسول على مؤخرة الجيش يلتقط ما يسقط من متاع المسلمين؛ حتى يأتيهم به [السهيلي: الروض الأُنُف، جـ٤/ص٢٠] وهو الذي جعله يلتقي بعائشة.
لقد نفى
صفوان التهمة عن نفسه في قوله:" سبحان الله! فوالذي نفسي بيده ما كشفتُ من
كنف أنثى قط"؛ لقد شهد له الرسول بالخلق [البخاري: صحيح البخاري، كتاب المغازي، حديث الإفك جـ٥/ص۱۷۱، (رقم ۱۷۱)،
والمعنى: ما اقترفتُ الحرام مع امرأة قط] الرفيع، فقال: «وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا
عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، وَمَا يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلَّا مَعِي» [البخاري: المصدر السابق، ٥/٢٥٤، رقم ١٧١]. كان
صفوان مثالًا للشهامة والمروءة والعفاف عندما قابل السيدة عائشة وصحبها إلى
المدينة دون أن يصدر منه ما يخدش الحياء، أو يناقض المروءة والإيمان.
ج - أم رومان (والدة السيدة عائشة)، وأبو بكر (والدها): احتملت الأم آلامها بداخلها، ولم تبلغ
عائشة شيئًا، حتى علمت عائشة بما يقال عنها، وحاولت التخفيف عن ابنتها بأن الأمر
مجرد حسد بعض ضرائرها لها [البخاري: السابق، كتاب
التفسير، باب (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة)، جـ٦/ص١٩٦، رقم ۲۷۸، وابن كثير:
تفسير القرآن العظيم، جـ۳/ ص۲۷۱]. ولم تستطع أن تجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال بعد أن
ألقى موعظته على عائشة [البخاري:
صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث الإفك جـ٥/ص٢٥٥، رقم١٧١]. وظلت إلى جوار ابنتها حتى ظهرت براءتها
[البخاري: المصدر السابق، كتاب
التفسير باب إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة، جـ٦/ص١٩٦، رقم ٢٧٨]، ومن فرط شخصيتها الطيبة المهذبة طلبت
إلى ابنتها شكر الرسول بعد نزول براءتها من السماء إلا أن عائشة لم تحمد إلا الله
(عز وجل) [ابن كثير: تفسير القرآن
العظيم، جـ۳/ص۲۷۱].
لا يكاد يختلف موقف أبي بكر عن زوجته،
فهو يعاني الحزن العميق، ويحاول التخفيف عن ابنته مع التسليم الكامل لقضاء الله،
وانتظار فرجه. هذا وقد تحول أبو بكر عن طبيعته اللينة إلى غضبة عمرية فائرة ضد مسْطح
بن أُثاثة قريبه، الذي خاض في عِرْض ابنته رغم إحسان أبي بكر إليه من قبل، لكن آية
واحدة أنزلت رَدّتْه إلى صوابه، فقابل الإساءة بالإحسان، قال تعالى: {وَلَا
يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي
ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ
وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ
وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} [النور: ٢٢].
د -زوج السيدة عائشة (الرسول صلى الله عليه وسلم): تصرف الرسول صلى الله عليه وسلم كبشر
عادي طوال فترة انقطاع الوحي فتوقف في أمر زوجته وسكت، ولم يحكم في الأمر حتى جاءه
الوحي بالخبر اليقين، وكان لا يحدثها بالقليل ولا بالكثير من الكلام، مع كونه
يوقرها ويعرف مكانتها، وكان لا يزيد عند سؤاله عنها على: كيف تيكم، حتى برأها الله
من فوق سبع سماوات. [سيرة ابن هشام تحقيق
السقا (٢/ ٢٩٩)].
هـ -عبد الله بن أبي بن سلول: وهو رأس النفاق، وأساس ترويج الإفك
وإشاعته بين الناس، والمعنىُّ بقوله تعالى: {وَٱلَّذِي
تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِيمٞ} [النور: ١١]. لم يُقَمْ حد القذف عليه لأسباب منها:
إثارته الشائعات حول عائشة بين أصحابه
المنافقين، فلم يشهدوا عليه، كما أن إقامة الحد عليه في الدنيا تخفيف عنه وكفارة،
وقد توعده الله بالعذاب الأخروي العظيم، وكذلك لم يُحَدَّ لمصلحة عليا، تتعلق بعدم إثارة الفتنة
بين قومه لو أقام عليه الحد، خاصة أن الأوس والخزرج لم يتخلصا تمامًا من رواسب
الجاهلية. [وهذا هو منهج رسول الله
في التعامل معه، حيث رفض قتله في مواقف سابقة؛ كي لا يقال: إن محمدًا يقتل أصحابه،
ويرى الترفق به ما بقي مسلما. (ابن هشام السيرة النبوية القسم الثاني، ص۲۹۳)].
٢-مؤمنون مندفعون: وهم صحابة زلَّتْ ألسنتهم، وجرفهم تيار
الخوض في عِرض عائشة، وحُدُّوا، وتابوا:
أ-مسطح بن أثاثة: وهو ابن بنت خالة أبي بكر الصديق [ابن حجر: الإصابة في تمييز الصحابة، تحقيق: علي محمد
البجاوي، دار الجيل، بيروت، ۱۹۹۲م، جـ٦/ص۹۳، رقم ٧٩٤١]، وكان فقيرًا يُحسن إليه أبو بكر، فلما
خاض في عِرض ابنته أقسم ألا يساعده، فلما نزل القرآن بالنهي عن ذلك، كفَّر أبو بكر
عن يمينه، وعاد إلى الإحسان إليه كما بيّنا من قبل. أما مسطح فجلد حد القذف [ابن عبد البر: الاستيعاب في
معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد البجاوي، نهضة مصر بالفجالة، د.ت، جـ٤/ص١٤٧٢، رقم٢٥٥٠)]، وتاب الله عليه.
ب - حَمْنة بنت جحش وحسان بن ثابت: أما حمنة فقد دفعها للخوض تحيزها
لأختها زينب ضَرَّة السيدة عائشة [ابن
الأثير: أسد الغابة في معرفة الصحابة، تحقيق وتعليق: محمد إبراهيم البنا وغيره،
دار الشعب بالقاهرة،۱۹۷۰م، جـ٧/ص٦٩، رقم ٦٨٥٠] فلما أشاعت من ذلك ما أشاعت شقيت
بذلك. [سيرة ابن هشام تحقيق
السقا (٢/ ٣٠٠)].
وأقيم حد الجلد على شاعر الرسول حسان
بن ثابت الذي استرضى السيدة عائشة بعد ذلك، وكانت عاتبة عليه، ثم سامحته، ولم تقبل
أن يسيء إليه أحد؛ فقد كان يدافع بشعره عن رسول الله [الواقدي: المغازي، جـ۲/ص٤٣٨]
٣-شهود
متطوعون: وهم الذين لم يسألهم النبي عن عائشة، لكنهم نفوا
أن ترمى بما رميت به، ومن هؤلاء:
أ. أبو أيوب
الأنصاري وزوجته: حيث سأل أبو أيوب زوجته: أكانت تفعل ذلك؟ فقالت: لا، فقال:
إذًا عائشة لا يمكن أن تفعله من باب أولى[ابن هشام السيرة النبوية، جـ۲/ص٢٠٢].
ب. أم مسطح برَّأت عائشة، وكانت من أشد الناس على
ابنها مسطح المتورط في قذف عائشة [ابن
حجر: الإصابة، جـ۸/ص٣٠٢، رقم ١٢٢٤٩] وكانت تدعو عليه وترفض كلامه، وترددت أكثر من
مرة في مفاتحة عائشة في أمر الإفك [البخاري:
صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة، جـ٦/ ص١٩٥، ١٩٦،
رقم ٢٧٨]؛
رعاية لمشاعرها.
٤-شهود مستشارون: وهؤلاء سألهم الرسول عن رأيهم في
عائشة، فأدوا الشهادة على وجهها، ومنهم زينب بنت جحش التي برغم منافستها عائشة في
حسن المنزلة عند رسول الله كانت تقية ورعة، لم تشهد إلا بالحق والصدق [البخاري: المصدر السابق، كتاب المغازي، حديث الإفك جـ٥/ص٢٥٦،
رقم١٧١]،
وقالت: والله ما عملت إلا خيرًا [المصدر نفسه.].
وكذلك شهدت أم أيمن حاضنة رسول الله
لصالح السيدة عائشة، وقالت: ما علمت أو ظننتُ بها - قط إلا خيرًا [الواقدي: المغازي، جـ۲/ص٤٣٠، ٤٣١].
أما أسامة بن زيد، فقال: يا رسول الله،
هم أهلُّك، ولا نعلم إلا خيرًا [البخاري: صحيح البخاري،
كتاب المغازي، باب حديث الإفك، جـ٥/ص٢٥٣، رقم١٧١].
وبخصوص عليّ بن أبي طالب، فقال: لم يضيّق
الله عليك، والنساء سواها كثير[المصدر نفسه] وواضح أن عليًّا نظر إلى ما فيه مصلحة النبي،
وأراد إراحته من القلق والتوتر [النووي:
صحيح مسلم بشرح النووي، الدار الثقافية العربية، بيروت، ۱۹۳۰م، جـ۱۷/ ص۱۰۸]، ولا يعني ذلك تشكيكه في براءة السيدة
عائشة رضي الله عنها، إلا أنه أشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم بما يطيب خاطره،
فقال له: يا رسول الله إن النساء لكثير، وإنك لقادر على أن تستخلف. فأشار عليه
بتطليقها، ثم يردها ثانية عندما يتبين براءتها، وإلا فعليه تحرى الأمر وسؤال جارية
عائشة، وقد سألها الرسول بالفعل، فأظهرت براءة عائشة التامة. [ابن حجر: فتح الباري، جـ ۸/ص ٣٢٤].