من المقرر شرعًا والمتفق عليه أن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ النفس والسلامة العامة للنفوس البشرية.
فلقد دعا الإسلام إلى المحافظة على النفس الإنسانية؛ فجعل حفظ النفس من مقاصده الكلية التي جاءت الشرائع لتحقيقها، وارتقى بهذه المقاصد من مرتبة الحقوق إلى مقام الواجبات، فلم تكتف الشريعة الغراء بتقرير حق الإنسان في الحياة وسلامة نفسه، بل أوجبت عليه اتخاذ الوسائل التي تحافظ على حياته وصحة بدنه وتمنع عنه الأذى والضرر.
ومظاهر دعوة الإسلام للمحافظة على النفس الإنسانية لا تحصى؛ منها: تحريم قتل النفس الإنسانية بغير حق وإنزال أشد العقوبة بمرتكب ذلك؛ قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: ١٥١].
أما بخصوص أسلحة الدمار الشامل فإن كلمة الفقهاء تكاد تجمع على أن استخدام أسلحة الدمار الشامل من الأفراد أو الدول جريمة في حق الإنسانية؛ لأمور:
- لما في ذلك من خرق للاتفاقات والمواثيق والعهود الدولية التي رضيتها الدول الإسلامية وانضمت إليها وأقرتها بمحض إرادتها وباختيارها.٢. لما في ذلك من خرق للاتفاقات والمواثيق والعهود الدولية التي رضيتها الدول الإسلامية وانضمت إليها وأقرتها بمحض إرادتها وباختيارها.
- ما يتضمنه هذا الفعل من مباغتة وقتل للغافلين، وقد روى أبو داود والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفتِك المؤمن، الإيمان قيد الفَتك» [المستدرك على الصحيحين للحاكم (٤/ ٣٩٢)].
- ما يتضمنه هذا الفعل من قتل وأذية للنساء والصبيان.
- ما يستلزمه هذا الفعل من قتل وأذية للمسلمين الموجودين في هذه البلاد من ساكنيها الأصليين أو ممن وردوا إليها.
- ما سيجره هذا الفعل الأخرق من ويلات ومصائب على المسلمين جميعًا بل والدنيا ككل.
أما القول بامتلاكه بالنسبة للدول وليس للأفراد والجماعات منهم قال بالجواز بل ومنهم من قال بالوجوب لعموم الدلالة في قول الله تبارك وتعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال:٦٠].
وجه الدلالة: مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أي من كل ما يتقوى به في الحرب كائنا ما كان [تفسير الألوسي = روح المعاني (٥/ ٢٢٠)].
وذلك بضوابط دولية وليست متروكة للأفراد، بل محرمة ومجرمة على الأفراد، كما جاء في فتوى دار الإفتاء المصرية "وشددت دار الإفتاء على تحريم حيازة واستعمال أسلحة الدمار الشامل للجماعات والأفراد، وذلك استنادًا إلى أن استخدام هذه الجماعات للأسلحة يترتب عليه ويلات ومصائب على المسلمين جميعًا بل والدنيا ككل، بالإضافة إلى أن ذلك يعتبر خرقًا للمواثيق والمعاهدات الدولية التي ارتضتها الدول الإسلامية وانضمت إليها وأقرَّتها بمحض إرادتها وباختيارها؛ توافقًا مع المجتمع الدولي؛ لتحقيق الأمن والسلم الدوليين...... وخلصت الدار في فتواها إلى أن دعوى جواز استخدام الأفراد والجماعات لأسلحة الدمار الشامل، والقول بها والترويج لها من عظيم الإرجاف والإجرام والإفساد في الأرض الذي نهى الله تعالى عنه، وتوعد فاعله بأشد العقاب، قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: ٢٢، ٢٣].
ومن الأدلة على عدم جواز استخدام مثل هذه الأسلحة:
- عموم قول الله عز وجل: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: ١٩٥].
- وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [صحيح مسلم (٣/ ١٥٤٨)].
فاستخدام هذه الأسلحة ليس من الإحسان في القتلة، وفيه مُثلة لمن يقتل بها، وفيه قتل للنساء والصبيان.
- نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن القتل بالنار: «إنِّي أمَرْتُكُمْ أنْ تُحْرِقُوا فُلانًا وفُلانًا، وإنَّ النّارَ لا يُعَذِّبُ بها إلّا اللَّهُ، فإنْ وجَدْتُمُوهُما فاقْتُلُوهُما» [صحيح البخاري (٤/ ٦١)].
- وأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وجه ذلك أن تصنيع مثل هذه الأسلحة فيه مفاسد ظاهرة على البيئة والإنسان، كما أن تخزينها ليس بالأمر الهين، فإن تسرب بعض هذه المواد يسبب حوادث خطيرة، وانتشاراً لأمراض مستعصية.
خلاصة الحكم: أن استخدام مثل هذه الأسلحة ليس بالأمر الجائز على عمومه؛ بل منضبط بضوابط صارمة تحد من أضراره، وأن يكون هذا من حيث تحصيل هذه الأسلحة واتخاذها على سبيل التخويف وردع المعتدين، وفرق بين الاتخاذ المقصود به الردع، وبين المبادأة بالاستخدام.