Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

٦ أغسطس١٩٤٥م أسلحة الدمار الشامل ...تجريمها دينيًّا وإنسانيًّا

الكاتب

هيئة التحرير

٦ أغسطس١٩٤٥م أسلحة الدمار الشامل ...تجريمها دينيًّا وإنسانيًّا

أسلحة الدمار الشامل، التي تشمل الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية، تمثّل تهديدًا وجوديًا للبشرية، وتثير تساؤلات عميقة، حيث إن الاستخدام المدمر لهذه الأسلحة، كما حدث في هيروشيما وناجازاكي، تسبب في خسائر فادحة للبشر والبيئة.

تمهيد

ما حدث في مثل هذا الشهر ٦ أغسطس١٩٤٥ من انفجار قنبلة ذرية وزنها ١٣ كيلو طنًا فوق هيروشيما باليابان، وأعقب هذا في يوم ٩ آب / أغسطس انفجار قنبلة وزنها ٢١ كيلو طنًا فوق ناغازاكي، وحتى الآن كانت هاتان الحادثتان المرتين الوحيدتين اللتين استخدمت فيهما قنبلة نووية في نزاع مسلح، وتبين الأرقام حجم الخسائر والأضرار التي نجمت عن الانفجارين؛ تقتضي وقوف العالم وقفة جَدِّية لمثل هذه الأسلحة لما تُحدثه من عواقب شديدة الضرر.

أسلحة الدمار الشامل لم يكن الإنسان يحلم يومًا بها، ولا كان في وسعه تصورها، وإنما عرفها في القرن الأخير، بعد أن بلغ من التطور المادي والتكنولوجي مبلغاً عظيما، حير الألباب والعقول، وتنوعت مجالاته وتعددت، وكان من ثمراته تصنيع أسلحة وصفت بقدرتها الهائلة على التدمير، والقتل والتخريب، إنه السلاح النووي، والكيميائي، والبيولوجي، ولقد اصطلح على تسمية هذا الثالوث المدمر بأسلحة الدمار الشامل.

ومن الأمور التي ظهرت جليّة على ساحة الواقع، أسلحة الدمار الشامل، تلك الأسلحة التي تدمر الأخضر واليابس، ولا تفرق بين كائن حي أو جماد، وبظهور هذه الأسلحة واستخدامها، وإدراك ما تحدثه من آثار مدمرة وعواقب وخيمة يجتاح تأثيرها العالم بأسره، وقد هرعت الدول في محاولة لإيجاد الحلول لهذا الأمر ، فعقدت الاتفاقيات والمعاهدات التي تحظر امتلاك هذه الأسلحة واستخدامها، بل أوجبت على الدول التي تمتلكها التخلص منها.[ استخدام أسلحة الدمار الشامل في الفقه الإسلامي ص ٣، دكتور: أحمد محمد لطفى أحمد أستاذ الفقه المقارن المساعد بكلية الشريعة والقانون بالدقهلية].

الآثار البيئية والإنسانية والأخلاقية التي تخلفها أسلحة الدمار الشامل

الإشعاعات النووية لها تأثيرات في غاية الخطورة على البيئة يمتد أثره لأزمنة طويلة؛ لذلك تُعدّ معاهدة حظر الانتشار النووي لعام ١٩٧٠ آليةً مهمةً لوقف إنتاج الأسلحة النووية وآثارها البيئية، ويمكن لمعاهدة حظر الانتشار النووي، من خلال تقييد التطوير المستمر للأسلحة النووية، أن تُشكّل وسيلةً لمنع المزيد من التلوث الإشعاعي للبيئة.

لم يُخلِّف إنتاج الأسلحة النووية خطر الدمار النووي الفوري فحسب؛ بل طال أمده أيضًا من خلال إنتاج النفايات النووية، ويُعتبر تنظيف مجمع الأسلحة النووية التابع لوزارة الطاقة الأمريكية (وغيره من المنشآت النووية حول العالم) وإعادة تأهيله بيئيًا من أكثر المشاريع تكلفةً وصعوبةً على الإطلاق.

وسيتطلب الأمر تطوير تقنيات جديدة لاستعادة المواد المشعة التي تسربت إلى البيئة، سواءً عن طريق الصدفة أو عن عمد. ويُعدّ إلقاء النفايات النووية في المسطحات المائية، بالإضافة إلى دفن المواد المشعة، أمرًا مثيرًا للقلق بشكل خاص.

وما قنبلة هيروشيما ١٩٤٥م وما خلفته من آثار ببعيد عن الأذهان؛ حيث تسببت في تدمير واسع النطاق وتلوث إشعاعي طويل الأمد. تسببت الحرارة الشديدة والانفجار في تدمير معظم المدينة وتشريد سكانها؛ كما أدى الإشعاع المتساقط إلى تلوث المنطقة المحيطة لفترة طويلة، مما تسبب في أمراض خطيرة وموت العديد من الأشخاص.

ونتج عن هذا خسائر جمة بسبب القوة الحرارية التي تسخن الأرض الواقعة تحت بؤرة الانفجار لتبلغ درجة الحرارة حوالي ٧٠٠٠ درجة مئوية، وهو ما يجعل جميع الكائنات الحية في تلك المنطقة تتحول إلى بخار وعشرات الآلاف من أولئك الأشخاص الذين لم يتبخروا سوف يحترقون وسوف يصاب معظم الأشخاص بحروق جلدية سميكة ومروعة الامل ويمكن أن تحدث حروق شديدة في منطقة تمتد إلى مسافة ٣ كيلومترات من موقع الانفجار. إضافة إلى ذلك سوف يصاب كثير من الأشخاص الذين ينظرون ناحية الانفجار بفقدان مؤقت في البصر لفترة تصل إلى ٤٠ دقيقة أو حتى بحدوث تلف دائم في العين بما في ذلك حروق وندوب في شبكية العين تؤثر على المجال البصري، بسبب النظر إلى الكرة النارية بالعين المجردة. [بيان اللجنة الدولية للصليب الأحمر المذكرة الإعلامية رقم ١حول تقدير الخسائر والدمار بسبب إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناغازاكي في عام ١٩٤٥م].

كما تثير أسلحة الدمار الشامل، بتأثيراتها المدمرة واللامتناهية، قضايا أخلاقية وقيمية عميقة، حيث تمثل هذه الأسلحة، سواء كانت نووية أو كيميائية أو بيولوجية، تهديدًا وجوديًا للحياة البشرية والبيئة، وتتعارض مع المبادئ الأخلاقية الأساسية مثل احترام الحياة والحفاظ عليها. فاستخدام مثل هذه الأسلحة يتعارض مع مبدأ الحياة المكفولة لبني الإنسان على حد سواء، فهي تتسبب في تدمير شامل عشوائي يتعارض مع مبدأ العدالة، والمسؤولية، والحياة الآمنة على الأرض.

لذلك يجب على المجتمع الدولي العمل على نزع هذه الأسلحة ومنع انتشارها، والسعي لتحقيق عالم يسوده السلام والعدل والاستقرار.

حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل

 من المقرر شرعًا والمتفق عليه أن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ النفس والسلامة العامة للنفوس البشرية.

فلقد دعا الإسلام إلى المحافظة على النفس الإنسانية؛ فجعل حفظ النفس من مقاصده الكلية التي جاءت الشرائع لتحقيقها، وارتقى بهذه المقاصد من مرتبة الحقوق إلى مقام الواجبات، فلم تكتف الشريعة الغراء بتقرير حق الإنسان في الحياة وسلامة نفسه، بل أوجبت عليه اتخاذ الوسائل التي تحافظ على حياته وصحة بدنه وتمنع عنه الأذى والضرر.

ومظاهر دعوة الإسلام للمحافظة على النفس الإنسانية لا تحصى؛ منها: تحريم قتل النفس الإنسانية بغير حق وإنزال أشد العقوبة بمرتكب ذلك؛ قال تعالى{وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الأنعام: ١٥١].

أما بخصوص أسلحة الدمار الشامل فإن كلمة الفقهاء تكاد تجمع على أن استخدام أسلحة الدمار الشامل من الأفراد أو الدول جريمة في حق الإنسانية؛ لأمور:

  • لما في ذلك من خرق للاتفاقات والمواثيق والعهود الدولية التي رضيتها الدول الإسلامية وانضمت إليها وأقرتها بمحض إرادتها وباختيارها.٢. لما في ذلك من خرق للاتفاقات والمواثيق والعهود الدولية التي رضيتها الدول الإسلامية وانضمت إليها وأقرتها بمحض إرادتها وباختيارها.
  • ما يتضمنه هذا الفعل من مباغتة وقتل للغافلين، وقد روى أبو داود والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يفتِك المؤمن، الإيمان قيد الفَتك» [المستدرك على الصحيحين للحاكم (٤/ ٣٩٢)].
  • ما يتضمنه هذا الفعل من قتل وأذية للنساء والصبيان.
  • ما يستلزمه هذا الفعل من قتل وأذية للمسلمين الموجودين في هذه البلاد من ساكنيها الأصليين أو ممن وردوا إليها.
  • ما سيجره هذا الفعل الأخرق من ويلات ومصائب على المسلمين جميعًا بل والدنيا ككل.

أما القول بامتلاكه بالنسبة للدول وليس للأفراد والجماعات منهم قال بالجواز بل ومنهم من قال بالوجوب لعموم الدلالة في قول الله تبارك وتعالى{وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [الأنفال:٦٠].

وجه الدلالة: مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ أي من كل ما يتقوى به في الحرب كائنا ما كان [تفسير الألوسي = روح المعاني (٥/ ٢٢٠)].

وذلك بضوابط دولية وليست متروكة للأفراد، بل محرمة ومجرمة على الأفراد، كما جاء في فتوى دار الإفتاء المصرية "وشددت دار الإفتاء على تحريم حيازة واستعمال أسلحة الدمار الشامل للجماعات والأفراد، وذلك استنادًا إلى أن استخدام هذه الجماعات للأسلحة يترتب عليه ويلات ومصائب على المسلمين جميعًا بل والدنيا ككل، بالإضافة إلى أن ذلك يعتبر خرقًا للمواثيق والمعاهدات الدولية التي ارتضتها الدول الإسلامية وانضمت إليها وأقرَّتها بمحض إرادتها وباختيارها؛ توافقًا مع المجتمع الدولي؛ لتحقيق الأمن والسلم الدوليين...... وخلصت الدار في فتواها إلى أن دعوى جواز استخدام الأفراد والجماعات لأسلحة الدمار الشامل، والقول بها والترويج لها من عظيم الإرجاف والإجرام والإفساد في الأرض الذي نهى الله تعالى عنه، وتوعد فاعله بأشد العقاب، قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ * أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: ٢٢، ٢٣].

ومن الأدلة على عدم جواز استخدام مثل هذه الأسلحة:

- عموم قول الله عز وجل: {وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة: ١٩٥].

- وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ» [صحيح مسلم (٣/ ١٥٤٨)].

فاستخدام هذه الأسلحة ليس من الإحسان في القتلة، وفيه مُثلة لمن يقتل بها، وفيه قتل للنساء والصبيان.

- نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن القتل بالنار: «إنِّي أمَرْتُكُمْ أنْ تُحْرِقُوا فُلانًا وفُلانًا، وإنَّ النّارَ لا يُعَذِّبُ بها إلّا اللَّهُ، فإنْ وجَدْتُمُوهُما فاقْتُلُوهُما» [صحيح البخاري (٤/ ٦١)].

- وأن درء المفاسد أولى من جلب المصالح، وجه ذلك أن تصنيع مثل هذه الأسلحة فيه مفاسد ظاهرة على البيئة والإنسان، كما أن تخزينها ليس بالأمر الهين، فإن تسرب بعض هذه المواد يسبب حوادث خطيرة، وانتشاراً لأمراض مستعصية.

خلاصة الحكم: أن استخدام مثل هذه الأسلحة ليس بالأمر الجائز على عمومه؛ بل منضبط بضوابط صارمة تحد من أضراره، وأن يكون هذا من حيث تحصيل هذه الأسلحة واتخاذها على سبيل التخويف وردع المعتدين، وفرق بين الاتخاذ المقصود به الردع، وبين المبادأة بالاستخدام.

ثمرات منع استخدام أسلحة الدمار الشامل

بذلك يظهر احترام الإسلام حياة البشر عمومًا، وتطبيق مبدأ السلام العام، واحترام القوانين والعهود والمواثيق الدولية، والحفاظ على السلامة البيئية؛ فعلى الدول الإسلامية الموقعة على معاهدات حظر الأسلحة النووية مطالبة الدول التي تمتلك تلك الأسلحة التخلي عنها، وقطع الطريق أمام الجماعات المتطرفة التي تنادي باستخدام أسلحة الدمار الشامل مستدلين بأدلة في غير موضعها، وبفهم سقيم لنصوص الدين، وعدم تكرار مثل هذه الجرائم التي حدثت في اليابان وخلفت ما خلفته من آثار امتد مداها وضررها إلى الآن.

الخلاصة

تُعدّ أسلحة الدمار الشامل خطرًا جسيمًا يهدد الإنسانية والبيئة، ويتنافى استخدامها مع المبادئ الدينية والأخلاقية، كما أن الإسلام يؤكد على حفظ النفس وحرمة الإفساد في الأرض، ويحرّم امتلاك هذه الأسلحة واستخدامها من قبل الأفراد والجماعات، وعلى الدول التعاون لنزع هذه الأسلحة، ومنع انتشارها، تحقيقًا للسلام العالمي وصونًا للكرامة الإنسانية.