Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

اللحظة الفارقة

الكاتب

وزارة الأوقاف المصرية

اللحظة الفارقة

في زمنٍ طغى فيه الجهل، وتمزّق الناس بالعصبيات، وسادت الرذائل وانطفأ نور الرحمة بين الناس، فضلّت البشرية طريقها بين عبادة الأوثان وتقديس الأحجار، فكانوا في أمسّ الحاجة إلى من يبعث النور في ظلماتهم، ويوحّد صفّهم، ويطهّر نفوسهم ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة... فكان ميلاد الحبيب المصطفى ﷺ فجرًا لإنقاذ بني الإنسان وإخراجهم من الظلمات إلى النور.

لحظة إشراق نور النبوة على الدنيا

إن اللحظة الفارقة في عمر البشرية وتاريخ الإنسانية هي لحظة ميلاد حضرة النبي - صلى الله عليه وآله وسلم، بل أهم يوم هو يوم بزغ فيه نور المصطفى إلى الدنيا؛ لذلك أقسم الحق - سبحانه وتعالى - بعمر سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم - فيقول: {لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} [الحجر: ٧٢]، وما العمر إلا زمن يبدأ بخروجه للدنيا، وعلى لحظة خروجه للدنيا تترتب كل الأحداث العظيمة.

والله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم لا يقسم إلا بعظيم، كـ (الله، والقرآن، والسماء، والأرض، والشمس، والقمر)، ومنها أن جاء القسم بـ "عمر" النبي - صلى الله عليه وسلم - وبشكل فريد ومطلق، مما يدل على أن حياته كلها، والتي بدأت بتلك اللحظة ـ لحظة الميلاد ـ هي أمر عظيم جليل يستحق القسم به.

يقول العلامة الطاهر بن عاشور في تفسيره: "وذلك أبلغ في تعظيم المُقْسَمِ به، لأن عمره - صلى الله عليه وآله وسلم - كان أجَلَّ الأعمار نفعًا للخلق".

ميلادٌ سَعِدَت به البشرية

بعثة سيدنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم، رحمةٌ للعالمين: يقول الله تعالى: {وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧]   

وبداية هذه الرحمة العالمية كانت بولادته - صلى الله عليه وآله وسلم، فذلك اليوم هو بداية انطلاق النور والهداية للبشرية جمعاء، فأخرجهم الله به من ظلمات الجهل والضلال إلى رحاب الرحمة والهداية.

بل وما سَعِدَ أحد ممن عَادَاه كسَعْدِ أعدائِه - صلى الله عليه وسلم - بمولده وحياته بينهم، فقال – تعالى - {وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ} [الأنفال: ٣٣]

وما كانت دعوة سيدنا إبراهيم -عليه السلام، {رَبَّنَا وَٱبۡعَثۡ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَيُزَكِّيهِمۡۖ} [البقرة: ١٢٩] وبشارة سيدنا عيسى - عليه السلام بولادة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - {وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ} [الصف: ٦] إلا فرحة وسعادة، فذلك اليوم شهد تحقق هذه الدعوات والبشارات التي انتظرتها البشرية قرونًا.

وارتباط القَسَم بحال المشركين {لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} [الحجر: ٧٢] يشير إلى أن وجوده - صلى الله عليه وسلم - هو السبب في إنقاذهم من هذا الحال من الضلال والعَمَه، فلو لم يُولد، لاستمر عَمَهُهُم وضلالهم، فكان ميلاده هو بداية النجاة للبشرية.

لحظة مولده لحظة مقدرة في عمر الكون

فتلك اللحظة هي لحظة فارقة في تاريخ الكون، وفي تاريخ الأمة، وفي ترتيب أحداثها المهمة، فما يُتْمُه -صلى الله عليه وسلم - ولا زواجُه، ولا بعثُته، ولا الوحيُ ونزولُ القرآن عليه، ولا إيمانُ أصحابه به وتضحياتُهم معه، ولا معراجُه، ولا فرضُ الصلاة عليه، ولا فرضُ الصيام، ولا الزكاة، ولا الحج، ولا جهادُه في سبيل الله، ولا توقيتاتُ هجرته المباركة، ولا فتحُ مكة، ولا الأعيادُ، ولا انتقالُه إلى الرفيق الأعلى  إلا أوقاتٌ محسوبةٌ بدقة ومترتبةٌ على وقت ميلاده المُقَدَّرِ أزلًا بوقت محدد بمنتهى الدِّقَّةِ يَمُنُّ الله فيه على الدنيا بإشراق صورته المحمدية الكاملة، {إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡـنَٰهُ بِقَدَرٖ} [القمر: ٤٩] كي يرحم خلقَه ببركة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم ويخرجَهم من الظلمات إلى النور {وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ} [الأنبياء: ١٠٧].

شكر وحفاوة

واعلم أن أعظم زمن مَرَّ على الدنيا على الإطلاق هو وقت ولادته - صلى الله عليه وسلم - ساعته، يومه، ليلته، شهره، عامه؛ لذلك احتفى به وعظَّمَه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غاية التعظيم شكرًا لله – تعالى - على نعمة الحياة والبعثة، فأكثَرَ من صيامه وقال «ذاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ»؛ ذلك لأنه يترتب عليه كل خير، وكل كرم، وكل رحمة، وكل عطاء للبشرية في الدنيا والآخرة.

ميلاده صلى الله عليه وسلم تنبيه بالآخِرة

والملاحَظ من خلال القرآن والسنة أنه يترتب على وقت ميلاد حضرة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم توقيت القيامة فمع ثِقَل الساعة وغَيبِها إلا أنه -صلى الله عليه وآله وسلّم علامة من علاماتها بل أوضح وأجل علامات الساعة قال تعالى - {أَنتَ مِن ذِكۡرَىٰهَآ} [النازعات: ٤٣] أي من علاماتها

قال تعالى: {يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلسَّاعَةِ أَيَّانَ مُرۡسَىٰهَا * فِيمَ أَنتَ مِن ذِكۡرَىٰهَآ} [النازعات: ٤٢-٤٣].

 وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: بِإِصْبَعَيْهِ هَكَذَا، بِالوُسْطَى وَالَّتِي تَلِي الإِبْهَامَ «بُعِثْتُ وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ». [البخاري: ٤٩٣٦، ومسلم: ٢٦٥٠].
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لِي خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ: أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَحْمَدُ وَأَنَا المَاحِي الَّذِي يَمْحُو اللَّهُ بِي الكُفْرَ، وَأَنَا الحَاشِرُ الَّذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي، وَأَنَا العَاقِبُ». [البخاري: ٣٥٣٢، ومسلم: ٢٣٥٤].

هل عرفت أن لحظة ميلاده لحظة فارقة في عمر الكون كله، فقبله شيء وبعده شيء آخر؛ لذلك رتبها الله ترتيبًا دقيقًا، ووالله لو لم يترتب عليها شيء سوى ظهوره - عليه الصلاة والسلام - لكفى الدنيا عزًا وشرفًا ظهور سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - أجمل الخلق وأكملهم وأجلهم عند الله - سبحانه وتعالى.

وُلِـدَ الـهُـدى فَـالكائِناتُ ضِياءُ          وَفَـمُ الـزَمـانِ تَـبَـسُّـمٌ وَثَناءُ

الـروحُ وَالـمَـلَأُ الـمَلائِكُ حَولَهُ          لِـلـديـنِ وَالـدُنـيـا بِهِ بُشَراءُ

وَالـعَـرشُ يَزهو وَالحَظيرَةُ تَزدَهي     وَالـمُـنـتَـهى وَالسِدرَةُ العَصماءُ

وَالـوَحيُ يَقطُرُ سَلسَلاً مِن سَلسَلٍ      وَالـلَـوحُ وَالـقَـلَـمُ البَديعُ رُواءُ

اِسـمُ الـجَـلالَةِ في بَديعِ حُروفِهِ           أَلِـفٌ هُـنـالِـكَ وَاسمُ طَهَ الباءُ

يـا خَـيـرَ مَن جاءَ الوُجودَ تَحِيَّةً        مِـن مُرسَلينَ إِلى الهُدى بِكَ جاؤوا

خَـيـرُ الأُبُـوَّةِ حـازَهُـم لَكَ آدَمٌ                دونَ الأَنــامِ وَأَحــرَزَت حَـوّاءُ

هُـم أَدرَكـوا عِـزَّ النُبُوَّةِ وَاِنتَهَت            فـيـهـا إِلَـيـكَ الـعِزَّةُ القَعساءُ

بِـكَ بَـشَّـرَ الـلَهُ السَماءَ فَزُيِّنَت            وَتَـضَـوَّعَـت مِـسكاً بِكَ الغَبراءُ

وَبَـدا مُـحَـيّـاكَ الَّـذي قَسَماتُهُ               حَـقٌّ وَغُـرَّتُـهُ هُـدىً وَحَـيـاءُ

وَعَـلَـيـهِ مِـن نورِ النُبُوَّةِ رَونَقٌ             وَمِـنَ الـخَـلـيلِ وَهَديِهِ سيماءُ

يَـومٌ يَـتـيهُ عَلى الزَمانِ صَباحُهُ              وَمَـسـاؤُهُ بِـمُـحَـمَّـدٍ وَضّاءُ

الخلاصة

إن لحظة ميلاد سيدنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم- هي اللحظة الأهم في تاريخ الوجود، والتي أقسم الله بها تشريفًا لها، وارتَبطت بها أحداث الكون المصيرية، وقد عبَّر النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - عن عظمة هذه النعمة بشكر الله بصيام يوم مولده، مؤكدًا أن قدومه كان رحمة شاملة غيرَّت مصيرَ البشرية، وارتبطت بآخر أيام الدنيا، مما يجعلها أساس كل خير في الدنيا والآخرة.