وبما أنّ ديننا الإسلامي يؤمن بأن الإنسان خليفة الله في الأرض، وأن العلم عبادة، فإنّ اليوم الدولي للطلاب يستدعي منا أن نقرأ هذه المناسبة من خلال ثلاثة محاور رئيسة: المكانة والرسالة – التحديات – الأُفُق نحو الغد.
إنّ مكانة الطالب في الإسلام عظيمة؛ لأنّ الله - سبحانه- قد فرَّق بين العالم وغير العلم لِمَا له من مكانة فقال تعالى: {قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ} [الزمر: ٩]، كما أن طلب العلم فريضةً على كل مسلمٍ؛ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَلَبُ العِلمِ فَريضةٌ على كُلِّ مُسلمٍ» [رواه ابن ماجه، رقم ٢٢٤]، ومن ثمّ، فإن الطالب ليس مجرد متلقٍ للحقائق فحسب، بل هو حاملٌ لرسالة العلم، ورسالة التغيير، وسفيرٌ للنهضة.
عند الاحتفال باليوم الدولي للطلاب، نتذكّر أن الطالب هو:
شريكٌ في بناء الأمة: فالأممُ تنهض عندما يُعطى العلمُ حقّه، ويُقدَّر دورُ الطالب في المجتمع بدلًا من أن يُعزل أو يُهمّش.
ويتضح هذا من خلال أمر رسولنا الكريم - صلى الله عليه وآله وسلم - أسامة بن زيد أن يتعلم لغة اليهود يحدثنا عن ذلك سيدنا أسامة -رضي الله عنه- فيقول: أمرَني رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ أن أتعلَّمَ لَهُ كتابِ يَهودَ قالَ: إنِّي واللَّهِ ما آمَنُ يَهودَ علَى كتابي، قالَ: فما مرَّ بي نِصفُ شَهْرٍ حتَّى تعلَّمتُهُ لَهُ، قالَ: فلمَّا تَعلَّمتُهُ كانَ إذا كتبَ إلى يَهودَ كتبتُ إليهِم، وإذا كتَبوا إليهِ قرأتُ لَهُ كتابَهُم" [رواه أبو داود برقم (٣٦٤٥)، والترمذي برقم (٢٧١٥)].
يعكس الحديث حرص الصحابي الجليل أسامة بن زيد - رضي الله عنه - على طلب العلم؛ لخدمة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم - وأمة المسلمين، فهو مثال على التفاني في التعلم، والعمل بما ينفع الأمة، ويقوي صلتها بالحق والحكمة.
مُبتكرٌ ومُجدِّدٌ: في عصر العولمة، والمعلومة الفورية، يُطلب من الطالب أن يكون جاهزًا لاستيعاب المتجدّدات، ومؤثّرًا فيها، لا أن يكون مجرد متلقٍ سلبي.
قيمة أخلاقيةٌ ومُسؤولٌ: فالعلم بلا أخلاق قد يفسد، كما أن الطالب بلا مسؤولية اجتماعية قد يبقى هامشيًا؛ لذا نؤكد أن العلم والرسالة يشترطان الأخلاق والقيم، كما ورد في الحديث الشريف: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: خَرَجَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ بَعْضِ حُجَرِهِ، فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا هُوَ بِحَلْقَتَيْنِ، إِحْدَاهُمَا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ، وَالْأُخْرَى يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلٌّ عَلَى خَيْرٍ، هَؤُلَاءِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَدْعُونَ اللَّهَ، فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُمْ، وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ يَتَعَلَّمُونَ وَيُعَلِّمُونَ، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا»، فَجَلَسَ مَعَهُمْ" [أخرجه ابن ماجه برقم (٢٢٩)].
ومن هذا المنطلق، يكتسب اليوم الدولي للطلاب بعدًا روحيًا وإنسانيًا؛ إذ أنه دعوةٌ إلى تمكين الطالب من حقّه– في التعليم، وفي التكوين، وفي المشاركة في الحياة المجتمعية– وإلى تذكيرنا بأن الطالب ليس جهة استقبالٍ فقط، بل فاعلٌ ومسؤولٌ.
لا يمكن أن نحتفل بهذه المناسبة دون أن نواجه الواقع بصراحة، فلكل عصر تحدياته، وللطلاب في عالمنا العربي والإسلامي باعٌ طويلٌ من الصعوبات التي تتطلّب منا وقفةً جدّيةً.
١. تحدي التحوّل الرقمي والمعرفي:
مع انتشار التقنيات الحديثة، والتعلّم عن بُعد، يواجه الطالب معضلات منها: الفجوة الرقمية، غياب التفاعل المباشر، وتراجع مهارات التفكير النقدي، والرسالة هنا واضحة: على الطالب أن لا يغفل عن أدوات العصر مع الحفاظ على أُسس المنهج الإسلامي والعربي في التفكير.
٢. تحدي البطالة المزمنة:
فالكثير من خريجي الجامعات يعانون من عدم تطابق ما تمّ دراسته مع متطلبات سوق العمل؛ ولذا ينبغي على الطالب تعلم المهارات التي تجعله شريكًا حقيقيًا في بناء القدرات المناسبة لسوق العمل العصري.
٣. تحدي القِيَم والانتماء:
في ظلّ العولمة، والتداخل الحضاري السريع، يواجه الطالب أزمةً في الهوية والانتماء:
كيف أكون مواطنًا، ومواطنًا عالميًا، مسلمًا، ومبدعًا؟ هذا يتطلّب برامجًا تربويةً متوازنة تُعزّز القيم، وتربط العلم بالعمل، والفكر بالقيم.
في مواجهة هذه التحديات، لا يكفي التواكل أو الانتظار؛ بل يلزم أن تتحول هذه المناسبة إلى مشروعٍ عمليٍ مستدام، بمعنى آخر، اليوم الدولي للطلاب ليس يومًا للاحتفال والتصوير فحسب، بل فرصةٌ للاشتراك في مبادراتٍ تعليمية، وتنموية، وقِيميّة.
أُفُق المستقبل – رؤيةٌ للتفعيل:
إنّ الاحتفاء باليوم الدولي للطلاب يحمل بصمة الأمل، وبذرة التغيير، فكيف نتحوّل من مناسبة إلى عملٍ ملموسٍ؟ إليك رؤيةً مكوّنة من ثلاثة مسارات:
١. مسار التمكين المعرفي والفكري:
- تعزيز قدرات الطلاب في البحث العلمي، والابتكار، وريادة الأعمال.
- دعم تكوينٍ متعدد التخصّصات، محليًا وعالميًا، مع فتح آفاق التبادل الأكاديمي الدولي.
- إدماج القيم الإسلامية والإنسانية في المناهج حتى يكون الطالب ذاكرًا لله، وواعيًا لمسؤوليته، ونافعًا لوطنه ومجتمعه؛ ففي حديثٍ رواه الإمام "مسلم" بسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ» [رواه مسلم برقم ٢٦٩٩]. فانظروا إلى قيمة العلم التي تجتمع فيها المعرفة والعمل والغاية.
٢. مسار المشاركة والمجتمع:
- توظيف طاقات الطلاب؛ لخدمة المجتمع: من خلال نوادٍ طلابية، ومشاريع تطوع، وخدمة محلية.
- إشراك الطلاب في صنع القرار الجامعي والشبابي: لأن الطالب الذي يشعر بأن صوته يُسمع يكون أكثر انخراطًا، وأكثر إبداعًا.
- إعداد خريجٍ مواطنٍ ومسؤولٍ وليس خريجًا مُحصّلًا للمعلومات فحسب.
٣. مسار الأخلاق والهوية:
- ضرورة استثمار اليوم الدولي للطلاب في برامجٍ لتعزيز الهوية الإسلامية، والانفتاح الحضاري، والابتكار البنَّاء.
- حماية الطالب من تيّارات الهُويّات المتطرفة، وإذكاء حسّ الانتماء للأمة وللإنسانية جمعاء.
- تطوير مهارات (التعلم مدى الحياة)؛ لأن الطالب اليوم ليس فقط من يدخل الجامعة، بل كلّ من يسعى للتعلّم والتجديد حتى في سنٍّ متقدمة.