Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الوطن: سكينة الروح ومرتكز الإيمان في وجه التطرف

الوطن:  سكينة الروح ومرتكز الإيمان في وجه التطرف

الوطن هو سكينة للروح وركيزة من ركائز الإيمان، خاصة في مواجهة الفكر المتطرف الذي يشوه مفاهيم الانتماء، وحب الوطن فطرة إنسانية عززها الإسلام، وأن حماية الوطن والدفاع عنه من صميم الشريعة، بل ويعد من أعظم القربات إلى الله عز وجل، كما يدحض الفكر المتشدد الذي يرى في الوطن قيدًا، مؤكدًا أن الإسلام يدعو إلى الإعمار لا الهدم، والتنمية لا التخريب. وأن الأفراد لهم مسؤولية وخصوصًا الشباب في حفظ أمن الوطن والمساهمة في بنائه، لتظل الأوطان منارات إيمان وأمان في وجه كل فكر منحرف.

الوطن أكثر من أرض

إن قضية الوطن ليست مجرد قطعة أرض نولد عليها ونعيش فيها، بل هي حقيقة عميقة تتغلغل في وجدان الإنسان، وتشكل جزءًا أصيلًا من هويته وكرامته ، وفي خضم تيارات الفكر المتطرف التي تسعى لتشويه هذه الحقيقة وتفريغها من قيمها السامية، يصبح لزامًا علينا أن نعلي صوت الحق، وأن نبين موقف الإسلام الصريح من الوطن، مؤصلين ذلك من كتاب الله وسنة رسوله الكريم ، إن التطرف الذي ينظر للوطن على أنه مجرد عوائق تقف في سبيل مشروع وهمي، أو يرميه بالجاهلية والشرك، هو فكر شاذ لا يستند إلى دليل، بل هو نتاج ضيق الأفق وسوء الفهم لمقاصد الشريعة السمحة.

الوطن حماية وسكينة

إن حب الوطن ليس خيارًا ثانويًا أو شعارًا أجوف، بل هو جزء لا يتجزأ من الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها ، إن التشبث بالأرض التي نشأ عليها الإنسان، وتعلقه بترابها وسمائها، هو أمر طبيعي غريزي لا ينكره عاقل ، وقد جاء الإسلام ليؤكد هذه الفطرة ويصقلها، ويرفعها إلى مصاف القيم الإيمانية. إن الوطن هو السكن والملجأ، وهو الأرض التي يمارس فيها المسلم شعائر دينه بحرية وأمان، وينعم فيها بالاستقرار والسكينة ، يقول الله تعالى: {وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ} [البقرة: ١٢٥]، وتشير هذه الآية إلى أهمية المكان الذي تتجلى فيه العبادة، وإلى الأمن الذي يوفره الله لبيوته وللأماكن التي يعبد فيها ، والوطن هو البيت الكبير الذي يتيح للمسلم أن يقيم دينه بحرية ، ولما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة المكرمة، قال مخاطبًا إياها وهو على مشارف الخروج: " مَا أَطْيَبَكِ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ» [المعجم الكبير للطبراني (١٠/  ٢٧١، رقم  ١٠٦٢٤) من حديث ابن عباس ] فذا يبين مدى حب النبي صلى الله عليه وسلم لوطنه، مكة المكرمة، رغم ما لاقاه فيها من أذى واضطهاد، مما يؤكد أن حب الوطن أمر متأصل في نفس النبي الكريم، وهو جزء من كمال الإيمان.

الوطن أمانة ومسؤولية

إن الفكر المتطرف الذي يروج لزعزعة أمن الأوطان، أو يحرض على الخروج على ولاة الأمر، أو يسوغ الفتنة والتخريب، هو فكر مجانف للمنهج الإسلامي الصحيح. فالوطن أمانة عظيمة في أعناق أبنائه، ومسؤولية جماعية توجب حمايته والدفاع عنه، ودفع كل شر يحدق به، إن حفظ أمن الوطن واستقراره هو من مقاصد الشريعة الغراء، إذ به يصان الدم والعرض والمال، وتحفظ العقائد، وتقام الشعائر، حيث يحذر الله تعالى فى قوله {وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفٗا وَطَمَعًاۚ إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ } [الأعراف: ٥٦] من الإفساد في الأرض بأي شكل من الأشكال، وهذا يشمل الإفساد في الأوطان بالفتن والقلاقل والتخريب ، فإقامة العدل والأمن في الأوطان هو من أوجه الإصلاح التي أمر بها الله تعالى ، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قتل  دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد" [مسند أحمد (٣/ ١٩٠، رقم ١٦٥٢، ط الرسالة، من حديث سعيد بن زيد ] ، فهذا الحديث يوسع مفهوم الشهادة ليشمل الدفاع عن كل ما هو عزيز على الإنسان، ومن ذلك الوطن الذي يمثل مجموع هذه الأمور، إن الدفاع عن الوطن الذي يصان فيه الدين والأهل والمال والدم هو من أعظم القربات إلى الله تعالى.

الوطن مساحة للبناء والتنمية

إن النظرة السطحية للتطرف تصور الوطن على أنه سجن يقيد حرية الفرد، أوأرض غير صالحة لتطبيق أحكام الله، مما يدفع البعض إلى هدم منجزات الأوطان وتدمير بنيتها التحتية، ظنًا منهم أن هذا يمهد الطريق لمجتمع مثالي، وهذا التصور خاطئ تمامًا، فالإسلام دين يعنى بالعمران والبناء، ويدعو إلى التنمية والازدهار في جميع جوانب الحياة، فالوطن هو البيئة التي يمارس فيها المسلم دوره الإيجابي في المجتمع، ويسهم في رقيه وتقدمه.

يقول الله تعالى: {وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ} [هود: ٦١]، وهذه الآية الكريمة توضح أن الله تعالى قد استعمرنا في الأرض، أي جعلنا عمارًا لها، وهذا يقتضي منا البناء والتنمية والإصلاح، لا التخريب والتدمير. فالعمران في الأرض من مقاصد الشريعة، وهو يتطلب بيئة مستقرة وآمنة، وهو ما يوفره الوطن المستقر، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنْ قَامَتْ عَلَى أَحَدِكُمُ الْقِيَامَةُ، وَفِي يَدِهِ ‌فَسِيلَةٌ، ‌فَلْيَغْرِسْهَا "» [ مسند أحمد (٢٠/ ٢٥١ ط الرسالة) ] ، فهذا الحديث العظيم يعلمنا قيمة البناء والعمل الصالح حتى في أشد الظروف وأقسى اللحظات، ويؤكد على أهمية الإسهام في خير الأرض وعمرانها، مهما كانت الظروف، فكيف بمن يحاول هدم ما بني في وطنه، أو يسوغ الفوضى والتخريب؟

الخلاصة

الوطن سكينة للروح وركيزة من ركائز الإيمان، وحبه فطرة إنسانية أكدها الإسلام، حيث جعل الدفاع عنه وحمايته من أعظم القربات، وهو حصن ضد الفكر المتطرف الذي يشوه معنى الانتماء ويرى في الوطن قيدًا، بينما يقرر الإسلام أن الوطن مجال للإعمار والتنمية. لذلك تقع مسؤولية كبرى على الأفراد، وخصوصًا الشباب، لحماية أمن الأوطان وبنائها لتظل منارات إيمان وأمان.

موضوعات مختارة