من بين السنن
الكونية التي لا تحيد، والمفاهيم الإلهية التي تتجاوز الزمان والمكان، تبرز قاعدةٌ
ذهبية محكمة، تشع نورًا من العدل، وتنطق بحقيقةٍ راسخة (كما تدين تُدان) فهذه
العبارة ليست مجرد مثلٍ شعبي، بل هي حكمةٌ متجذرة في أعماق الدين، وميزانٌ دقيق
يزن أعمال البشر، ويرسم مسار أقدارهم في الدنيا والآخرة.
إنها فلسفةٌ عميقة تترجم مفهوم العدالة
الكونية، حيث يجد الإنسان جزاء عمله، خيرًا كان أم شرًا، عاجلاً أم آجلاً، فليست
مجرد انتقامٍ أو قصاص، بل هي حلقةٌ متصلة من الأفعال وردود الأفعال، تجعل المرء
يحصد ما زرع، ويُكافأ بما قدّم وكأن القدر مرآةٌ صافية تعكس لنا صور أفعالنا،
لنتذوق مرارة ما أسأنا، وننعم بحلاوة ما أحسنا، فقدم السلامة والنفع لغيرك يرد لك
بالمثل وزيادة.
لقد جاء القرآن الكريم ليُؤكد على هذه
الحقيقة بوضوحٍ لا لَبْسَ فيه. فالله تعالى يقول: {هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ}، [الرحمن: ٦٠]. فتلك الآية البليغة لا تترك مجالاً للشك في أن الإحسان لا يُقابَل إلا
بالإحسان، فمن زرع الخير، جنى خيرًا، ومن مدّ يد العون، وجد من يمدها إليه عند
الحاجة، إنها سنةٌ إلهيةٌ قائمة على العطاء المتبادل، حيث تُردُّ الجميل بالمثل،
وتُقابل السعادة بسعادةٍ أكبر، وهي دعوةٌ صريحة للإقدام على فعل الخير دون تردد،
لأن مردوده مضمونٌ من خالق الكون.
وعلى
النقيض، يُحذّر الله تعالى من عواقب السوء والظلم، مُشيرًا إلى أن الجزاء من جنس
العمل. يقول تعالى:
{مَن يَعۡمَلۡ سُوٓءٗا يُجۡزَ بِهِۦ} [النساء: ١٢٣]. فهذه الآية تحمل في طياتها تحذيرًا صارمًا لكل من
تُسوّل له نفسه ارتكاب الشر أو إيذاء الآخرين، فالسوء ليس له جزاءٌ إلا السوء،
والظلم لن يُفلت من العقاب، فقد لا يكون الجزاء فوريًا، ولكنه آتٍ لا محالة، وقد
يتجلى في صورةٍ مختلفة تمامًا عما ارتكبه الظالم، لكنه سيشعر بوطأته، ويذوق
مرارته، هذه الحقيقة تُشكل رادعًا أخلاقيًا قويًا، يدفع الإنسان إلى مراجعة
حساباته قبل الإقدام على أي فعلٍ يمس حقوق الآخرين.
وفي سنة النبي المصطفى - صلى الله عليه وسلم
-، تتجلى هذه القاعدة الإلهية في صورٍ عديدة، لتُؤكد على أن العدل هو أساس
التعاملات الإنسانية، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ» [متفق عليه]. وهذا الحديث يُشير إلى أن الظلم مردودٌ على صاحبه، وأن من يظلم أخاه،
سيُظلم في يومٍ من الأيام، أو في موقفٍ من المواقف. إنها دعوةٌ لترك الظلم،
والإحسان إلى الناس، لأن ذلك يعود بالنفع على الفرد نفسه.
ومن أبلغ الأحاديث التي تجسد مبدأ "كما
تدين تُدان" ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث القدسي عن رب
العزة:
«
يا عِبَادِي،
إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ على نَفْسِي، وجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا
تَظَالَمُوا» [رواه
مسلم]، فإذا كان الله قد حرّم الظلم على
نفسه، فكيف يُمكن للبشر أن يظلموا بعضهم البعض دون أن ينالوا جزاء ظلمهم؟ هذا
التحريم الإلهي للظلم يُشكل ضمانةً للعدالة، ويُؤكد أن المظلوم منصورٌ ولو بعد
حين، وأن الظالم سَيُدان لا محالة.