Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

دور الأسرة في صناعة المؤثر .... رؤية من خلال علم الاجتماع

دور الأسرة في صناعة المؤثر .... رؤية من خلال علم الاجتماع

تُعدّ الأسرة البنية الأساسية التي ينشأ فيها الإنسان، وتتكوَّن فيها ملامح تأثيره المستقبلي، إذ إنها أول من يغرس القيم ويصوغ ملامح الشخصية المؤثرة في المجتمع.

الأسرة والتنشئة الاجتماعية البوابة إلى الفاعلية المجتمعية

تعتبر الأسرة حجر الزاوية في بناء شخصية الفرد وتوجيهه ليصبح عضوًا فاعلًا ومؤثرًا في المجتمع، ليبقى هذا الأثر حاضرا، فلا يقتصر على حياته، بل يظل ممتدا إلى ما بعد وفاته، وهذه العملية تُعرَف في علم الاجتماع باسم التنشئة الاجتماعية، وهي التي تحوّل الفرد من كائن بيولوجي إلى كائن اجتماعي يتبنى قيم ومعايير مجتمعه ويحرص عليها، وفي هذا السياق، يبرز دور علماء الاجتماع الذين أكدوا على أهمية الأسرة. 

رؤية دوركهايم ... غرس الوعي الجماعي والتماسك الاجتماعي

فمثلًا، نجد إميل دوركهايم -أحد مؤسسي علم الاجتماع في كتاب (التربية وعلم الاجتماع)- شدَّد على أن التنشئة الاجتماعية هي عملية يقوم بها المجتمع لتشكيل الأفراد وفقًا لقيمه ومعاييره، حيث يهدف النظام التربوي إلى غرس الوعي الجماعي لدى الناشئة، وجعلهم أعضاء فاعلين في نسيج المجتمع، فهذه العملية تضمن استمرارية المجتمع عن طريق نقل الثقافة والقيم من جيل إلى آخر من خلال مؤسسات مثل الأسرة والمدرسة، مما يخلق تضامنًا آليًا أو عضويًا يحافظ على التماسك الاجتماعي، ويساهم في نقل القيم من جيل لآخر، فيبقى أثر القيم والمبادئ ممتدًا عبر الزمن.

بارسونز والأسرة كضمان للاستقرار والتنشئة

كما أكد تالكوت بارسونز -أحد أبرز رواد النظرية الوظيفية في كتابه (هيكل الفعل الاجتماعي)- أن الأسرة تؤدي وظيفتين أساسيتين، الأولى هي: تنشئة الأطفال اجتماعيًا، والثانية: توفير الاستقرار العاطفي للبالغين، وهذه الأفكار تؤكد أن الأسرة ليست مجرد وحدة بيولوجية، بل هي مؤسسة اجتماعية أساسية، فالأثر الذي يتركه الفرد بعد وفاته لا يقتصر على إنجازاته الشخصية، بل يمتد ليشمل القيم والمبادئ التي غرسها في الآخرين، وهنا يتجلى دور الأسرة في إعداد شخصيات تتجاوز النجاح الفردي.

بيرغر ولوكمان ... تشكيل الواقع من خلال التنشئة الأولية

يبرز ذلك أيضًا في كتاب (البناء الاجتماعي للواقع)، حيث يوضح بيتر بيرغر وتوماس لوكمان،  كيف أن التنشئة الاجتماعية الأولية، التي تتم بشكل أساسي في الأسرة، هي التي تشكل رؤية الفرد للواقع وتوجه سلوكه المستقبلي، فالأسرة تغرس في الأبناء مبادئ أساسية مثل: الصدق والأمانة، وتشكل بُوصلتهم الأخلاقية مدى الحياة ، كما أنها تعد أول قدوة للأبناء، حيث يمثل سلوك الوالدين وتصرفاتهم تجاه الآخرين نموذجًا يحتذى به الأبناء في تفاعلاتهم المجتمعية،  بالإضافة إلى ذلك، فإن توفير بيئة آمنة وداعمة يمنح الفرد الثقة بالنفس والمرونة في مواجهة التحديات، مما يمكنه من تحقيق إنجازات مؤثرة.

الأسرة كمنبع للأثر الممتد بعد الموت

وتكمن عظمة الأثر بعد الموت في أن الشخص المؤثر لا يموت فعليًا، بل يبقى حيًا في إسهاماته، فالأسرة التي تشجع على العلم، قد تخرج عالمًا تبقى نظرياته حية لقرون، والتي تغرس حب العطاء، قد تخرج إنسانًا يؤسس منظمة خيرية تستمر في مساعدة المحتاجين بعد رحيله، وهذا الأثر لا يُقاس بالسنوات، بل بحجم التغيير الإيجابي الذي أحدثه الفرد في حياة الآخرين، وهو تغيير يواصل النمو والتوسع حتى بعد وفاته.

ميد والذات الاجتماعية ... الأسرة تصنع القيم العابرة للأجيال

ويقدم جورج هربرت ميد في نظريته عن الذات الاجتماعية مثالًا آخر، حيث يرى أن الذات تتشكل عبر التفاعلات الأسرية المبكرة التي تعلم الفرد الأدوار والقيم الاجتماعية، مما يؤدي إلى تكوين الآخر المعمم الذي يوجه سلوكه ليصبح مؤثرًا، وهكذا يبقى أثر الفرد حيًّا في الأجيال اللاحقة التي تحمل هذه القيم، مما يخلق سلسلة من التأثير الإيجابي الذي لا يموت بموت صاحبه.

الرؤية السوسيولوجية لدور الأسرة في صناعة المؤثر

إن دور الأسرة -من منظور علماء الاجتماع- جوهري في إخراج إنسان مؤثر يترك أثرًا بعد موته، لكونها الوكيل الأول والأكثر أهمية لعملية التنشئة الاجتماعية، التي تحول الفرد من كائن بيولوجي إلى اجتماعي يكتسب القيم والمعايير التي توجه سلوكه مدى الحياة، حيث يؤكد إميل دوركهايم على دورها في الحفاظ على التماسك الاجتماعي، بينما يرى تالكوت بارسونز أنها مسؤولة عن تنشئة الأطفال وتحقيق الاستقرار العاطفي، كما يوضح بيتر بيرغر وتوماس لوكمان أن التنشئة الأولية في الأسرة هي التي تشكل رؤية الفرد للواقع وهويته، بينما يرى جورج هربرت ميد أن القيم التي تغرسها الأسرة تنتقل إلى الأجيال اللاحقة، مما يضمن استمرارية الأثر الإيجابي للفرد حتى بعد وفاته، إذ يصبح هذا الأثر جزءًا من النسيج الاجتماعي الذي يواصل النمو والتأثير.

الخلاصة

يؤكد علم الاجتماع أن الأسرة هي المحضن الأول لصناعة الإنسان المؤثر، من خلال دورها في التنشئة الاجتماعية وغرس القيم، وقد بيّن كبار علماء الاجتماع كدوركهايم وبارسونز وميد كيف تخلق الأسرة واقع الفرد وتوجه سلوكه، فالأثر الحقيقي للفرد لا ينتهي بموته، بل يمتد من خلال المبادئ التي نقلها لغيره، ليصبح جزءًا من نسيج المجتمع المتجدد.

موضوعات مختارة