Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

فن الاستيعاب في ضوء نظريات علم النفس

فن الاستيعاب في ضوء نظريات علم النفس

يشكل كل من الخلاف والاختلاف الحياة البشرية، والتفاعل الاجتماعي، وفي الوقت ذاته لا يمثلان دائمًا نهاية للتواصل والتكامل والتعايش، ولكن المؤكد أنهما بداية للإثراء العميق للحوارت، والأفكار.

الإثراء العميق للحوارت والأفكار

يشكل كل من الخلاف والاختلاف الحياة البشرية، والتفاعل الاجتماعي، وفي الوقت ذاته لا يمثلان دائمًا نهاية للتواصل والتكامل والتعايش، ولكن المؤكد أنهما بداية للإثراء العميق للحوارت، والأفكار، فمن خاض التجربة يعلم جيدًا أن فن إدارة الخلاف، والقدرة على استيعاب الآخر هما مؤشران حقيقيان على النضج النفسي والاجتماعي؛ لذلك كان هذا السلوك محط نظر علماء النفس، وحاولت النظريات النفسية تحليل سلوك "الاستيعاب" خاصة عند الخلاف، فمن منظور نظرية التحليل النفسي لـ "سيغموند فرويد"، يمكن فهم الصراع على أنه نتاج تصادم بين مكونات الجهاز النفسي حيث تعمل الدوافع البدائية للشخصية الإنسانية على تأجيج الصراع؛ للوصول للذة الانتصار للرأي، وتحقيقيه، وفي ذات الوقت تسعى المعايير الاجتماعية والأخلاقية والتربوية لكف جماح الدوافع البدائية؛ لتصل إلى صورة مثالية وليست واقعية، وللوصول إلى الصورة الواقعية  يضطلع الجزء المرن والعبقري من الشخصية إلى التوسط بين الدوافع البدائية، والمعايير الأخلاقية والتربوية؛ للعمل على "مبدأ الواقع" عن طريق القيام بدور الوسيط الناضج الذي يمتلك القدرة على استخدام آليات دفاع بنَّاءة أثناء إدارة الخلاف مثل: الإعلاء والتبرير، بدلاً من اللجوء إلى الإنكار أو الإسقاط، مما يمكنها من تحويل طاقة الصراع إلى مساحة للحوار، وتقبل وجهات النظر المتعددة.

نظرية التنافر المعرفي

وهناك البعد الآخر، وهو البعد المعرفي من خلال نظرية "التنافر المعرفي" لـ "ليون فستنجر" الذي يكشف لنا الإطار المعرفي السبب وراء صعوبة تقبل الرأي الآخر، فعندما يواجه الفرد رأيًا يخالف معتقده، ينشأ لديه إحساس مزعج بالتنافر، ويكون الرد التلقائي هو رفض المعلومة أو تجاهل مصدرها؛ لتقليل هذا التوتر.

تتطلب الإدارة الناجحة للخلاف تجاوز هذا الرد الأولي، وتطوير مرونة معرفية تسمح بتعديل المكونات المعرفية إلى ما يعرف ب "الحقيقة النسبية"، فالاستيعاب هنا هو عملية إدراك أن "رأي الآخر" يمثل حقيقة موضوعية بالنسبة له، مما يحرر الجميع من وَهْم امتلاك الحقيقة المطلقة، ويفتح الباب للتفاهم بدلاً من المواجهة.

نظرية التعلم الاجتماعي

إضافة إلى ذلك، تقدم نظرية "التعلم الاجتماعي" لـ "ألبرت باندورا" رؤية مهمة حيث ترى هذه النظرية أن سلوكياتنا، وطرق تعاملنا مع الخلاف هي في جزء كبير منها سلوكيات متعلمة مكتسبة عبر التقليد الأعمى، والنمذجة، فالشخص الذي نشأ في بيئة تتعامل مع الخلاف بالصراخ أو الرفض التام، يميل إلى تكرار هذا النموذج، في المقابل فإن القدرة على استيعاب الآخر هي مهارة يمكن اكتسابها، وتطويرها من خلال مشاهدة نماذج إيجابية تدير الخلاف باحترام وفعالية، وتمارس  التعزيز الذاتي عند استخدام استراتيجيات تواصل بنَّاءة، ففي إطار تلك النظرية يمكن أن نقول إن الاستيعاب ليس صفة فطرية، بل كفاءة اجتماعية نفسية قابلة للتعلم.

البعد الوجودي، والأخلاقي للاستيعاب

ومن منظور علم النفس الإنساني، يكتسب الاستيعاب بعدًا وجوديًا، وأخلاقيًا، يرتبط بتقدير الذات والآخر حيث يؤكد "كارل روجرز" على أهمية تقديم التعاطف غير المشروط للآخر، أي: تقبله واحترامه كإنسانٍ بغض النظر عن رأيه، كما أن الشخص الذي يمتلك تقديرًا عاليًا للذات لا يرى في اختلاف الآخر تهديدًا لكيانه أو قيمته، مما يجعله أكثر انفصالًا عن رأيه، وأكثر استعدادًا لمناقشة الأفكار بدلاً من الدفاع عن الهوية، هذا التقبل العميق يعكس الوصول إلى مستويات متقدمة في هرم "ماسلو" للحاجات حيث يسود الانتماء، والاحترام المتبادل، ف "الاستيعاب" إذن هو جسر نبنيه بالمرونة، والتعاطف، نعبر به من ضيق الرأي الفردي إلى رحابة التجربة الإنسانية المشتركة، وهو الهدف الأسمى لإدارة الخلاف والاختلاف في الإسلام.

الخلاصة

يتضح مما سبق أن فن الاستيعاب في ضوء نظريات علم النفس يمثل ركيزة أساسية في تطوير مهارات الفهم والتعلم، إذ يجمع بين الإدراك المعرفي والمرونة الذهنية في معالجة المعلومات، مما يسهم في بناء شخصية متوازنة وقادرة على التكيف والإبداع.

موضوعات مختارة