أرشدتنا شريعتنا الغراء إلى جملة من الآداب التي ينبغي لنا أن نتمسك بها حيال بيئتنا وما يحيط بنا من كائنات، منها:
الحرص على عمارة الأرض للنفع العام، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِن مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ منه طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ؛ إِلَّا كانَ له به صَدَقَةٌ» [رواه البخاري].
قال الحافظ ابن حجر: "وفي الحديث فَضْل الغَرْس والزَّرْع والحضُّ على عمارة الأرض...، وأجر ذلك يستمر ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً منه، ولو مات زارعه أو غارسه، ولو انتقل ملكه إلى غيره.
قال الطيبي: "نكَّر "مسلمًا": وأوقعه في سياق النفي، وزاد من الاستغراقية، وعم الحيوان؛ ليدل على سبيل الكناية على أن أي مسلم كان حرًّا أو عبدًا، مطيعًا أو عاصيًا، يعمل أي عمل من المباح، ينتفع بما عمله أي حيوان كان، يرجع نفعه إليه ويثاب عليه". [فتح الباري شرح صحيح البخاري].
ويقول ابن بطال: "وفيه الحض على عمارة الأرض لتعيش نفسه أو من يأتي بعده ممن يؤجر فيه". [شرح صحيح البخاري]
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا، فَإِنْ لَمْ يَزْرَعْهَا، فَلْيُزْرِعْهَا أَخَاهُ» [رواه مسلم].
وعَنْ أَنَسِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» [رواه البخاري في الأدب المفرد].
يقول الإمام المناوي: "والحاصل أنه مبالغة في الحث على غرس الأشجار، وحفر الأنهار؛ لتبقى هذه الدار عامرة إلى آخر أمدها المحدود المعدود المعلوم عند خالقها، فكما غرس لك غيرك فانتفعتَ به فاغرس لمن يجيء بعدك لينتفع، وإن لم يبق من الدنيا إلا صبابة، وذلك بهذا القصد لا ينافي الزهد، والتقلل من الدنيا" [فيض القدير شرح الجامع الصغير].
فليس هناك حث على استغلال البيئة أقوى من هذا الحديث؛ فالإنسان بفطرته كالنبع الفيَّاض لا ينضب، حتى إنه ليظل يعمل حتى تلفظ الحياة آخر أنفاسها، فلو أنَّ الساعة تدق طبولها، فالعمل هنا ضربٌ من العبادة، وقيام بحقِّ الخلافة في الأرض.
الصبر على عمارتها، عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن نصب شجرةً فصبَر على حفظِها والقيامِ علَيها حتَّى تُثمرَ، كان لهُ في كلِّ شيءٍ يُصابُ من ثَمرِها صدقةٌ عندَ اللهِ عزَّ وجلَّ» [رواه البيهقي].
إحياء الأرض الموات، إعمار الأرض المهملة فيما يعرف عند الفقهاء بإحياء الموات؛ فعن جابر رضي الله عنه، قال: قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ» [رواه الترمذي وحسنه].
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ فَهُوَ أَحَقُّ»، قَالَ عُرْوَةُ: "قَضَى بِهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي خِلاَفَتِهِ" [رواه البخاري].
لكن هذ الإحياء له شروط بحيث يقع في الإطار الذي حدده الشارع الحكيم، ووفق ما تنظمه الدولة من قوانين تحمي بها ملكيتها العامة، وإلا فمخالفة القانون يعد تعديًا؛ فعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ رضي الله عنه، أَنَّ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنِ اقْتَطَعَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طَوَّقَهُ اللهُ إِيَّاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ» [رواه مسلم].