Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

التشدد الديني من وجهة نظر علم النفس المعاصر

التشدد  الديني من وجهة نظر  علم النفس المعاصر

يرى علم النفس المعاصر أن الفكر الديني المتشدد هو نسق معرفي وسلوكي معقد يتجاوز مجرد الرأي، حيث تُفسره النظرية المعرفية الاجتماعية بكونه "فيروسات معرفية" تنمو في "غرف صدى" لتُنتج يقينًا زائفًا وشيطنة للآخر لتبرير العنف.

الفكر الديني المتشدد أحد أكثر الظواهر النفسية

يمثل الفكر الديني المتشدد أحد أكثر الظواهر النفسية الأكثر تعقيدًا وإيلامًا، فهذه النوعية من الفكر المنغلق  تمثل تحديًا عميقًا لدراسات علم النفس المعاصر، فلا يمكن اعتباره مجرد "رأي" مغالٍ أو "اعتقاد" راسخ، بل هو نسق معرفي وسلوكي متكامل ينحو نحو الإقصاء، والتعصب، وتحويل الاختلاف إلى صراع وجودي، وصدام مجتمعي  يعيد تشكيل عدسات البحث النفسي ذاتها.

وقد قام علماء النفس  بتسليط الضوء على هذا الفكر الظلامي،  حيث  يتشابك الفهم النفسي لسلوك الفكر المتشدد مع عدة مدارس ونظريات حديثة، تسعى للكشف عن الجذور والديناميكيات التي تقود الفرد إلى حافة  التشدد والتطرف، فترى "النظرية المعرفية الاجتماعية"،  أن المتشدد الصدامي يعيش داخل "غرف صدى معرفية"، حيث يتم تضخيم المعلومات المؤكدة  لوجهة نظره وتجاهل أو تشويه كل ما يعارضها،  فهذا يُنتج يقينًا زائفًا بالحقيقة المطلقة، وهو ما يشير إليه بعض الباحثين بـ "الفيروسات المعرفية" التي تصيب العقل، فيرى علم النفس المعرفي أنه  من خلال تفعيل عقلية إقصاء الأخر يتم تفعيل آليات الانحياز الجماعي بشكل مبالغ  لنصل إلى ما يعرف بشيطنة الآخر المخالف، وتجريده من إنسانيته (نزع الصفة البشرية)، مما يسهل تبرير العنف والسلوك الصدامي ضده، هذا الإطار يحول التنوع إلى تهديد، ويجعل صاحب هذا الفكر يصل إلى مرحلة الصدام الحتمي مع المجتمع.

نظرية "الهوية الاجتماعية"

ومن وجهة  نظرية "الهوية الاجتماعية" يقوم صاحب هذا السلوك بالبحث عن الانتماء والتفوق المجتمعي، فكثيرًا ما يُفسَّر التطرف بأنه محاولة لسد فراغ نفسي عميق أو شعور بالاغتراب، حيث يوفر الفكر المتشدد هوية قوية ومطلقة للفرد، ويمنحه شعورًا بالغاية الأسمى والمكانة العليا، لا سيما في سياقات الضعف الاجتماعي أو الاقتصادي، فالشعور بـ "التفرد" واعتناق رسالة عظيمة يمنح المتطرف شعورًا بالوجود يتجاوز واقعه المُحبط، ويرفع راية الاستعلاء عنده.

ولا يزال ما يعرف بعلم النفس الديناميكي يستكشف الدوافع الخفية، فيُنظر إلى السلوك المتشدد  الصدامي أحيانًا كآلية لإزاحة العدوان المكبوت أو الغضب الناشئ عن خيبات أمل شخصية، اجتماعية، أو سياسية، حيث يتم توجيه هذا العدوان نحو "الآخر" الذي يُنظر إليه كمصدر للمشكلة مما يسرع في داخله دوافع العنف الكامنة خاصة مع ظهور حاجة ملحة للوصول إلى إجابات نهائية وقاطعة والنفور من الغموض والتعقيد، حيث يوفر الفكر المتشدد بنية فكرية صارمة تُشبع هذه الحاجة، مما يجعله ملاذًا لمن يعاني من قلق عدم اليقين، ويرغب في فكرة الانتقام

لذلك يمتد أثر الفكر المتشدد الصدامي ليضرب صميم الصحة النفسية للمجتمعات، مولدًا حلقة مفرغة من الخوف ورد الفعل العنيف، مما يؤدي إلى تفكيك الروابط الاجتماعية، حيث يدمر التشدد الديني الثقة الأساسية بين أفراد المجتمع، ويحول الاختلاف الطبيعي في الرأي إلى خيانة أو عداء، ويقلل الشعور بالانتماء للمجتمع الأوسع لصالح الانتماء للجماعة المتطرفة فقط، كما يؤدي التشدد في الأحكام والتعاملات كسلوك مدمر إلى عجز المجتمع عن التفكير النقدي وإيجاد حلول مبتكرة لمشكلاته، فيتم تجميد الطاقات الإنسانية في صراعات داخلية وعنف، مما يعيق تطور المجتمعات ورقيها.

الأحداث الناجمة عن السلوك المتشدد

إن الأحداث الناجمة عن السلوك المتشدد كالإرهاب والعنف  تولد صدمة جماعية تزيد من حالة عدم الاستقرار الأمني والسياسي، وتعمق الانقسامات، خاصة مع حالة التزييف العقلي الممنهج للنصوص الدينية، لذلك لم تكتفِ  أبحاث علم النفس  بدراسة ورصد خطورة هذا السلوك وفقط، بل قامت  الأبحاث النفسية المعاصرة على تطوير ما يمكن تسميته بـ "مضادات الفكر" التي لا تعمل على قمع الأراء، بل على تعزيز آليات نفسية واجتماعية صحية، عن طريق "تعليم التفكير الناقد"،  وتطوير مهارات تحليل المعلومات، وتقبل الأطروحات المعقدة وغير القاطعة، وتعزيز ما يعرف بالتسامح الإدراكي، و تدريب الأفراد على إدارة القلق الناجم عن الغموض والاختلاف، والعمل على توفير بدائل صحية للانتماء والهوية، تقوم على أساس المواطنة الجامعة والتعاون الإنساني بدلًا من الإقصاء، فالفكر المتشدد الصدامي هو بلا شك مرض يصيب العقل الجمعي قبل الفردي، وتبقى مهمة علم النفس المعاصر هي تشخيص هذا الداء ووصف الدواء الذي يعيد للوعي الإنساني مرونته وتسامحه.

الخلاصة

يرى علم النفس المعاصر أن الفكر الديني المتشدد هو نسق معرفي وسلوكي معقد يتجاوز مجرد الرأي، حيث تُفسره النظرية المعرفية الاجتماعية بكونه "فيروسات معرفية" تنمو في "غرف صدى" لتُنتج يقينًا زائفًا وشيطنة للآخر لتبرير العنف. في المقابل، تُركز نظرية الهوية الاجتماعية على أن التطرف يمثل محاولة لسد فراغ نفسي عبر توفير هوية قوية وشعور بالاستعلاء يرفع من مكانة الفرد المغترب. كما يشير علم النفس الديناميكي إلى أن التشدد قد يكون آلية لإزاحة العدوان المكبوت وتلبية الحاجة للوصول لإجابات قاطعة هرباً من قلق عدم اليقين. ولعلاج هذا الداء الذي يضرب الثقة الأساسية والروابط الاجتماعية، تسعى أبحاث علم النفس لتطوير "مضادات الفكر" عبر تعليم التفكير الناقد وتعزيز التسامح الإدراكي وتقبل التعقيد. الهدف النهائي هو بناء بدائل صحية للانتماء ترتكز على المواطنة الجامعة بدلاً من الإقصاء، وإعادة المرونة والتسامح للوعي الإنساني.