وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
يُعد جبر الخاطر من أرقى السلوكيات الإنسانية التي تتجاوز حدود المجاملة لتصبح ضرورة لبقاء التماسك المجتمعي والصحة النفسية، هو فن ترميم الانكسارات وتطييب النفوس، ومن خلال الثقافة الإسلامية يبقى جبر الخاطر كمنهج حياة وقربة للخالق الذي اشتُق من أسمائه "الجبار" ليعيد للنفوس المنكسرة توازنها، حيث يتلاقى هذا الإرث القيمي مع أطروحات علماء النفس المعاصرين ليوضح كيف يمكن لفعل بسيط من الجبر أن يغير كيمياء الدماغ ويقوي هيكل العلاقات الإنسانية.
وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلۡیَتِیمَ فَلَا تَقۡهَرۡ﴾ [الضحى: ٩]، وفي قوله: ﴿وَقُولُوا۟ لَهُمۡ قَوۡلࣰا مَّعۡرُوفࣰا﴾ [النساء: ٥]، مما يرسّخ قيمة الكلمة الطيبة كأداة أساسية لجبر النفوس.
تعتبر نظرية الذكاء الوجداني للعالم دانيال جولمان أن القدرة على فهم مشاعر الآخرين والاستجابة لها هي المحرك الأساسي لجبر الخاطر، وهذا يتجلى في الحديث النبوي الشريف: «وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ» [مسلم (١٠٠٩)]. فعندما يدرك الفرد آلام المحيطين به ويستجيب لها بكلمة طيبة، فهو يمارس أعلى درجات النضج النفسي، يتجلى هذا في تقديم القول المعروف، والكلمة اللينة كأولوية تسبق أي عطاء مادي، مما يؤكد أن الاستقرار النفسي وحفظ الكرامة هما المطلب الأول للإنسان قبل احتياجاته الأخرى، وهو ما يسميه "جولمان" التقمص العاطفي الذي يبني الجسور بين القلوب.
تفسر نظرية الدعم الاجتماعي التي طورها الباحث سيدني كوب جبر الخاطر كآلية دفاعية تحمي الأفراد من الانهيار تحت ضغوط الحياة، فالإنسان الذي يجد من يطيب خاطره فإنه يشعر بالانتماء والأمان، مما يقلل من حدة التوتر والقلق. هذا السلوك هو جوهر مفهوم "التراحم" في الثقافة الإسلامية، الذي يشبّه المجتمع بالبناء الواحد الذي يشد بعضه بعضًا، فجبر خاطر الفرد هو في الحقيقة تطبيقٌ لرسالة "كوب" حول أهمية شعور الإنسان بأنه محبوب وذو قيمة، مما يخلق بيئة آمنة تمنع التآكل النفسي.
وفقاً لنظرية التبادل الاجتماعي للعالم جورج هومانز، فإن فعل جبر الخاطر يعود بالنفع النفسي على الجابر قبل المجبور، حيث يعزز الشعور بالرضا عن الذات ويرفع مستوى السعادة الداخلية نتيجة العطاء. وهذا يتماشى مع القاعدة الأخلاقية الأصيلة، فالجزاء من جنس العمل، فمن سار في جبر خواطر الناس، يجد من يسانده ويجبر خاطره في لحظات ضعفه، فهي دائرة مستمرة من الاستقرار الوجداني الذي يضمن طمأنينة النفس، حيث يرى هومانز أن التفاعلات الإيجابية تزيد من تماسك الجماعة ورغبتها في الاستمرار.
يركز علم النفس الإيجابي الذي أسسه مارتن سيليجمان على أن ممارسة اللطف هي أحد مفاتيح السعادة المستدامة، وقد أكد الإسلام هذا المعنى في الحديث النبوي الشريف: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» [الترمذي (١٩٢٤)] ويعد جبر الخاطر تطبيقًا عمليًا لهذه الفضيلة التي تبني الصلابة النفسية، وهو ما حرصت عليه تعاليم الدين الإسلامي، والتي تؤصل لحالة من الحرص الشديد على أدق التفاصيل في مراعاة مشاعر الآخرين، مثل النهي عن أي سلوك قد يوحي بالتجاهل أو يسبب الحزن للغير، وهذا العمق في تقدير كرامة الإنسان هو ما يطمح إليه "سيليجمان" في نموذجه لتعزيز الرفاهية النفسية عبر "العلاقات الإيجابية" و"الإنجاز المعنوي".
ختامًا، يظل جبر الخاطر هو البلسم الذي تلتئم به جراح الروح، والسلوك الذي يدمج بين نبل الأخلاق وفاعلية العلاج النفسي، فاستحضار هذا السلوك في حياتنا اليومية، منطلقين من عمقنا الثقافي وفهمنا للطبيعة البشرية، هو السبيل الأوحد لبناء مجتمع متراحم ومستقر وجدانيًا، فمن عاش جابرًا للخواطر، لم يدرك فقط أسمى معاني الإنسانية التي نادى بها "جولمان" و"سيليجمان"، بل وضع أساسًا متينًا لصحة نفسية تدوم له ولغيره، ممتثلًا لقيمٍ تجعل من تطييب النفوس عبادة ورفعة.