مولد الهادي البشير صلى الله عليه وسلم
الهدف المراد توصيله: التوعية بمكانة النبي صلى الله عليه وسلم وفضله على أمته وأن ميلاده صلى الله عليه وسلم ميلاد جديد للخير في الإنسانية
الحمد لله الذي أنار الوجود بطلعة خير البرية، سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، قمر الهداية، وكوكب العناية الربانية، مصباح الرحمة المرسلة وشمس دين الإسلام، من تولاه مولاه بالحفظ والحماية والرعاية السرمدية، وأعلى مقامه فوق كل مقام، وفضَّلَه على الأنبياء والمرسلين ذوي الرُّتَبِ العَلِيَّة، فجعله للأولين بدءًا وللآخرين ختام، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فإن ذكرى مولد الجناب النبوي المعظم صلى الله عليه وسلم مناسبة عظيمة تتجدد في كل عام، تحمل في طياتها دروسًا وعبرًا لا تنتهي، وتدفعنا للتأمل في عظمة هذا النبي الكريم ومكانته الرفيعة، وفضله العميم على أمته بل على البشرية جمعاء، وسوف نبين شرف مولده الشريف من خلال عدة أمور:
احتفاء السلف الصالح بيوم المولد الشريف
لقد كان السلف الصالح رضي الله عنهم يستقبلون يوم مولده الشريف صلى الله عليه وسلم بالثناء والتعظيم والتحية، ويطيرون به فرحًا، وليس كما يزعم بعضهم أن السلف تجاهلوا يوم مولده، والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، نذكر منها:
ما رواه الإمام أبو عبد الله الحاكم في "المستدرك على الصحيحين" أن سيدنا العباس بن عبد المطلب كان يفتخر بيوم مولده الشريف مادحًا لجنابه الشريف قائلًا:
من قبلها طبت في الظلال وفي ... مستودع حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر ... أنت ولا مضغة ولا علق
حتى قال:
وأنت لما ولدت أشرقت الأرض ... وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضياء وفي ... النور وسبل الرشاد نخترق.
ثم أظهر السلف شيئًا فريدًا تعظيمًا لمولده الشريف، وهو التبرك بالصلاة في البيت الذي ولد فيه صلى الله عليه وسلم، فقد بوَّب الإمام أبو الوليد الأزرقي المتوفى ٢٥٠هـ في كتابه: «أخبار مكة» بابًا بعنوان: (ذكرُ المَواضع التي يُستحبُّ فيها الصلاة بمكةَ، وما فيها من آثارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وما صحَّ من ذلك) ثم قال: "مولدُ النَّبِيِّ أي: البيتُ الذي ولد فيه النبيُّ صلى الله عليه وسلم".
فتأمل أنه جعل البيت الذي ولد فيه النبي صلى الله عليه وسلم مكانًا يتخذه المسلمون مصلى تبركًا بميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم فيه، ثم يبين أن ذلك فعل أهل مكة قاطبة، وليس رأيًا شخصيًّا له، حتى قال: "فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ الْبَيْتُ فِي الدَّارِ حَتَّى حَجَّتِ الْخَيْزُرَانِ أُمُّ الْخَلِيفَتَيْنِ مُوسَى وَهَارُونَ، فَجَعَلَتْهُ مَسْجِدًا يُصَلَّى فِيهِ، وَأَخْرَجَتْهُ مِنَ الدَّارِ، وَأَشْرَعَتْهُ فِي الزُّقَاقِ الَّذِي فِي أَصْلِ تِلْكَ الدَّارِ، يُقَالُ لَهُ: زُقَاقُ الْمَوْلِدِ، ثم يقول أبو الوليد: سَمِعْتُ جَدِّي وَيُوسُفَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يُثْبِتَانِ أَمْرَ الْمَوْلِدِ، وَأَنَّهُ ذَلِكَ الْبَيْتُ، لَا اخْتِلَافَ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ". «أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار» للأزرقي.
وهذا باب آخر يُدلك على اهتمام المسلمين من قبل القرن الثاني الهجري بالبيت الذي وُلد فيه صلى الله عليه وسلم، ويعدونه من الأماكن المباركة الفاضلة.
ثم دَرَجَ أئمة العلم على سُنَّة أخرى في مولده الشريف وهي: الاجتماع لقراءة سيرته وفضائله في يوم المولد الشريف، فكانوا يجتمعون في يوم المولد ويتناولون كتابًا بالقراءة وإنشاد المدائح، مع إطعام الناس وتوزيع الصدقات، وعلى رأس من أفرد ذلك من أهل العلم: الإمام محمد بن عمر الواقدي المتوفى ٢٠٧هـ، ثم الإمام ابن أبي عاصم النبيل المتوفى ٢٨٧هـ، ثم توالت المؤلفات بعد ذلك حتى قام بجمع هذا وتتبعه العلامة المسند محمد بن عبد الحي الكتاني المغربي في كتابه القيم: «التآليف المولدية».
قال ابن الحاج المالكي: "يَنْبَغِي إذَا دَخَلَ هَذَا الشَّهْرُ الْكَرِيمُ أَنْ يُكَرَّمَ وَيُعَظَّمَ، وَيُحْتَرَمَ الِاحْتِرَامَ اللَّائِقَ بِهِ؛ وَذَلِكَ بِالِاتِّبَاعِ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَخُصُّ الْأَوْقَاتَ الْفَاضِلَةَ بِزِيَادَةِ فِعْلِ الْبِرِّ فِيهَا، وَكَثْرَةِ الْخَيْرَاتِ؟ [المدخل لابن الحاج].
ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم نقطة فارقة في التاريخ الإنساني
لقد وُلِد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت ولادته بشيرَ خير، ومطلع هداية، ومشرق نور؛ ولا غَرْوَ فهو دعوة الخليل إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: ١٢٩].
وعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَ بَدْءُ أَمْرِكَ؟ قَالَ: «دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبُشْرَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِمَا وسَلَّمَ، وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ خَرَجَ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ». [مسند أبي داود الطيالسي].
قال عليه الصلاة والسلام: «إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ لَخَاتَمُ النَّبِيِّينَ، وَإِنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمُنْجَدِلٌ فِي طِينَتِهِ، وَسَأُنَبِّئُكُمْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ، وَبِشَارَةُ عِيسَى بِي، وَرُؤْيَا أُمِّي الَّتِي رَأَتْ، وَكَذَلِكَ أُمَّهَاتُ النَّبِيِّينَ تَرَيْنَ».
فلم يكن مولد النبي صلى الله عليه وسلم مجرد حدث عادي في تاريخ البشرية، بل كان ميلادًا جديدًا للخير والنور في الإنسانية جمعاء. فقبل بعثته، كانت البشرية تعيش في ظلام دامس من الجهل والظلم والفساد، وكانت القيم الإنسانية منعدمة، والأخلاق متدهورة، حتى قالوا: "لولا بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لأفنى بعضهم بعضا".
فجاء صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام التي أحدثت تغييرًا جذريًّا في حياة الناس، ونقلتهم من الظلمات إلى النور، ومن الشرك إلى التوحيد، ومن الفساد إلى الإصلاح.
وكل الناس تُولد ثم تفنى * ووحدك أنت ميلاد الحياة
وكل الناس تُذكر ثم تُنسى * وذكرك أنت باقٍ في الصلاة
تردده المآذن كل وقت * وينبض بالقلوب إلى الممات
أتيتَ سنا وليلُ الكونِ داجٍ * وبعد الوأد أحييتَ البناتِ
وفاح المسكُ أنَّك كنتَ تمشي * ووجهُك نوره عمّ الجهاتِ
وقد تُعلي المكارم قدرَ قوم * ويعلو فيك قدرُ المكرمات
الرسول الكريم أشرف الناس أصلًا وأكرمهم فرعًا
قال القاضي عياض: "أَمَّا شَرَفُ نَسَبِهِ وَكَرَمُ بَلَدِهِ وَمَنْشَئِهِ فَمَا لَا يَحْتَاجُ إِلَى إقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ وَلَا بَيَانِ مُشْكِلٍ وَلَا خَفِيٍّ مِنْهُ فَإِنَّهُ نُخْبَةُ بَنِي هَاشِمٍ وَسُلَالَةُ قُرَيْشٍ وَصَمِيمُهَا وَأَشْرَفُ الْعَرَبِ وَأَعَزُّهُمْ نَفَرًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَمِنْ أَهْلِ مكة من أَكْرَمِ بِلادِ اللَّهِ على اللَّهِ وَعَلَى عِبَادِهِ". [الشفا بتعريف حقوق المصطفى].
وعن وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ، وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ». [رواه مسلم].
وقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ: «مَنْ أَنَا؟، فَقَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ اللهِ عَلَيْكَ السَّلاَمُ. قَالَ: أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ فِرْقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ فِرْقَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ قَبَائِلَ، فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً، ثُمَّ جَعَلَهُمْ بُيُوتًا فَجَعَلَنِي فِي خَيْرِهِمْ بَيْتًا وَخَيْرِهِمْ نَسَبًا». [رواه الترمذي].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ، قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتَّى كُنْتُ مِنَ القَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ» [رواه البخاري].
قال الإمام البوصيري في همزيته:
لم تَزَلْ في ضمائرِ الكونِ تُختَا ** رُ لك الأُمهاتُ الأَباءُ
ما مضتْ فَترةٌ من الرُّسْلِ إِلّا ** بَشَّرَتْ قومَها بِكَ الأَنبياءُ
تتباهَى بِكَ العصورُ وَتَسْمو ** بِكَ علْياءٌ بعدَها علياءُ
وَبَدا للوُجُودِ منك كريمٌ ** من كريمٍ آبَاؤُه كُرماءُ
نَسَبٌ تَحسِبُ العُلا بِحُلاهُ ** قَلَّدَتْهَا نجومهَا الْجَوزاءُ
حبذا عِقْدُ سُؤْدُدٍ وَفَخَارٍ ** أنتَ فيه اليتيمةُ العصماءُ
وُمُحَيّاً كالشَّمس منكَ مُضِيءٌ ** أسْفَرَت عنه ليلةٌ غَرّاءُ
ليلةُ المولدِ الذي كَان للدِّي ** نِ سرورٌ بيومِهِ وازْدِهاءُ
وتوالَتْ بُشْرَى الهواتفِ أن قدْ ** وُلِدَ المصطفى وحُقّ الهَناءُ.
وأما فرعه، فهم أهل البيت الذين قال فيهم صلى الله عليه وسلم: «لاَ يُبْغِضُنَا أَهْلَ البَيْتِ أَحَدٌ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللهُ النَّارَ». [رواه الحاكم].
وصدق من قال:
فلا تعدل بأهلِ البيتِ خَلقا ... فأهلُ البيتِ هم أهلُ السياده
فبغضهُمُ مِنَ الإنسانِ خسرٌ ... حقيقيٌّ وحبُهُمُ عباده
وصدق الإمام الشافعي حين قال:
يا أهلَ بيتِ رسولِ اللهِ حُبُّكمُ ... فرضٌ من اللهِ في القرآنِ أَنزلَهُ
كفاكُموا من عَظيمِ القدرِ أنكُمُ ... مَن لم يُصَلِّ عليكم لا صلاةَ لهُ
اجتمعت فيه صلى الله عليه وسلم الفضائل التي تفرقت في صحابته الكرام
"والمحامد النبوية المختلفة تراءت في أصحابه جميعا، وظهرت في رفقائه وتجلت في جلسائه.
فبنوره استنار فؤاد الصديق الأعظم.
وبحكمته امتلأ قلبُ الفاروق الأكبر وعقلُه حكمة، وثقوبَ فكر وسداد رأي.
ومنه اكتسب ذو النورين عثمان الأنور، رحمته وخيريته وفضائله.
ومن بلاغته تفجر البيانُ على لسان علي كرم الله وجهه.
وكل ما ترى في خالد وأبي عبيدة وجعفر وسعد من تدبير الحرب وإحكام الرأي في تعبئة الجيوش وزحفها.
وما ترى في الصدّيق من العزيمة والأمانة وحرية الرأي وغنى النفس والزهد في الأموال والإعراض عن زينة الدنيا وزخارفها.
وما تراه من التبتل إلى الله والانقطاع له في ابن عمر وأبي ذر وسلمان وأبي الدرداء.
وما تجد في ابن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود من عِلم جَمٍّ وفقه عميق في الدين ورأي في الأحكام سديد.
وما تلاحظه في علي وبلال وصُهيب وعَمار وخُبيب من السكينة والسلوى والطمأنينة وقوى الإيمان والحنين إلى لقاء الله.
كل أولئك مقتبسٌ من أنوار محمد نبي الله، ومَهبِط الوحي، ومـَحَطّ القرآن، صلاة الله وسلامه عليه". [الرسالة المحمدية، للسيد سليمان الندوي]
ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم ميلاد الخير للبشرية
هدانا الله تعالى به وأخرجنا من الظلمات إلى النور، فوجوده نور ورحمة، قال تعالى: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ} [الشورى: ٥٣] .
فمجرد الفرح بميلاده نعمة عظيمة تستحق أن تُذكر فتشكر، فهذا أبو لهب مع كفره "لما أعتق ثويبة حين بشرته بمولد ابن أخيه يخفَّفُ عنه العذاب يوم الاثنين" [رواه البخاري معلقًا] لفرحه بميلاد سيد الكونين من عرب وعجم.
وقد نظم الإمام "شمس الدين محمد بن ناصر الدمشقي" في هذا المعنى شعرًا، قال فيه:
إذا كان هذا كافرًا جاء ذمُّه ... وتبت يداه في الجحيم مخلدا
أتى أنه في يوم الاثنين دائمًا ... يخفف عنه للسرور بأحمدا
فما الظن بالعبد الذي عاش عمره ... بأحمد مسرورًا ومات موحدًا.
[الكوكب الأنور على عقد الجوهر في مولد النبي صلى الله عليه وسلم الأزهر].
وقال الإمام ابن الجزري عن المولد النبوي: "من خواصه أنه أمان في ذلك العام وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام". [سبل الهدى والرشاد].
وقال الحافظ السخاوي عن المولد النبوي: "لو لم يكن فيه إلا إرغام الشيطان وسرور أهل الإيمان من المسلمين لكفى، ما زال أهل الإسلام من سائر الأقطار والمدن يعملون المولد ويتصدقون في لياليه بأنواع الصدقات ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كل فضل عميم". [السيرة الحلبية].
وقال الشهاب القسطلاني (شارح البخاري): "فرحم الله امرءًا اتخذ ليالي شهر مولده المبارك أعيادا، ليكون أشد علة على من في قلبه مرض وإعياء داء". [المواهب اللدنية].
وكتب الإمام الجليل ابن حجر الهيتمي كتابه الماتع: "إتمام النعمة الكبرى على العالَم بمولد سيد ولد آدم".
وقال الشيخ الإمام العلامة "نصير الدين المبارك" الشهير بابن الطبَّاخ في "فتوى بخطه": "إذا أنفق المنفق تلك الليلة، وجمع جمعًا أطعمهم ما يجوز إطعامه، وأسمعهم ما يجوز سماعه، ودفع للمسمع المشوِّق للآخرة ملبوسًا، كلّ ذلك سرورًا بمولده صلى الله عليه وسلم فجميع ذلك جائز ويثاب فاعله إذا أحسن القصد، ولا يختص ذلك بالفقراء دون الأغنياء، إلا أن يقصد مواساة الأحوج فالفقراء أكثر ثوابا". انتهى. [سبل الهدى والرشاد].
وعن أبي موسى الزرهوني رحمه الله قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فذكرت له ما يقوله البعض في عمل الولائم في المولد؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «من فرح بنا فرحنا به». [سبل الهدى والرشاد].
وقال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله- في إحدى مقالاته-: "لو لم يكن هناك ما يعبر عن فرحة الإنسانية كلها بهذا الشكل الذي أقول بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قول الله عز وجل: {وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ} [الأنبياء: ٢١/١٠٧] لكفى. فكيف وقد أضاف الله عز وجل إلى ذلك قوله: {لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: ٩/١٢٨].
كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البَـعْثة أمثلَ حياةٍ وأكرمَها
لقد وصفت السيدة خديجة سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم يوم نزول الوحي عليه بأوصاف عدها العلماء أصولا لمكارم الأخلاق، وقد اجتمعت فيه كلها قبل البعثة فقالت رضي الله عنها: "فَوَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا فَوَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وتؤدي الأمانةً وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ".
(تحمل الكَلَّ) أي: إنك لتعين الضعيف وترفع ما عليه من الثقل.
(وتَكسب المعدوم) أي: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك.
(وتقري الضيف) أي: تهيء له طعامه ونزله.
(وتعين على نوائب الحق) النوائب جمع نائبة، وهي الحادثة، وجملة "وتعين على نوائب الحق" كلمة جامعة لأفراد ما تقدم، ولما لم يتقدم.
قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: "وصفته بأصول مكارم الأخلاق؛ لأن الإحسان إما إلى الأقارب أو إلى الأجانب، وإما بالبدن أو بالمال، وإما على من يستقل بأمره أو من لا يستقل، وذلك كله مجموع فيما وصفته به". [فتح الباري]
وقال العلامة الدكتور محمد أبو شَهبة: "كانت حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم قبل البَعْثةِ حياة فاضلةً شريفة، لم تُعرف له فيها هفوة، ولم تُحصَ عليه فيها زلّة، لقد شبّ رسول الله يحوطه الله سبحانه وتعالى بعنايته، ويحفظه من أقذار الجاهلية؛ لما يريده له من كرامته ورسالته، حتى صار أفضلَ قومه مروءة، وأحسنَهم خُلقا، وأكرمَهم حسبا، وأحسنَهم جوارا، وأعظمَهم حِلما، وأصدقَهم حديثا، وأعظمَهم أمانة، وأبعدَهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال، تنزّها وتكرما حتى صار معروفا «بالأمين».
لقد نشأ سليم العقيدة، صادق الإيمان، عميق التفكر، غير خاضع لتُرَّهات الجاهلية، فما عُرف عنه أنه سجد لصنم قط، أو تمسح به، أو ذهب إلى عرّاف أو كاهن، بل بُغّضت إليه عبادةُ الأصنام، والتمسح بها، ولم يشرب خمرا قط، ولا اقترف فاحشة، ولا انغمس فيما كان ينغمس فيه المجتمع العربي حينئذ من اللهو، واللعب، والميسر (القمار) ، ومصاحبة الأشرار، ومعاشرة القِيَان، والجري وراء الغيد الكواعب (البنات الحسان)، على ما كان عليه من فتوة وشباب، وشرف نسب، وعزة قبيلة، وكمال وجمال وغيرها من وسائل الإغراء.
وكان الصدق من صفاته البارزة، شهد له بذلك العدوُّ والصديق، وكان النبي إلى ذلك كله وَصولا للرحم، عَطوفا على الفقراء وذوي الحاجة، ويَقْري الضيف، ويُعين الضعيف، ويمسح بيديه بؤس البائسين، ويفرّج كرب المكروبين.
لقد كانت حياة النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة أمثلَ حياة وأكرمها، وأحفلَها بمعاني الإنسانية والشرف، والكرامة، وعظمة النفس، ثم نبّأه الله وبعثه، فنمت هذه الفضائل وترعرعت، وما زالت تسمو فروعها، وترسخ أصولها، وتتسع أفياؤها حتى أضحت فريدة في تاريخ الحَيَوَات في هذه الدنيا".[السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة].
اعرف مكانة نبيك صلى الله عليه وسلم واقدره قدره
إن نبينا صلى الله عليه وسلم كريم الشمائل، عظيم الفضائل، فسبحان من رفع قدره، وشرح صدره، وأعلى في العالمين ذكره، فلا يذكر الحق إلا ورسوله تبع له، وقد روى الأئمة: "مَكْتُوبٌ فِي التَّوْرَاةِ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، وَأَرْسَلْتُكَ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً بَشِيرًا وَنَذِيرًا، وَشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ، وَرَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ، فَلَا أُذْكَرُ إِلَّا ذُكِرْتَ مَعِي يَعْنِي: في الْأَذَانَ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ أُمَّةً وَسَطًا، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ هُمُ الْأَوَّلُونَ وَهُمُ الْآخِرُونَ، وَجَعَلْتُ مِنْ أُمَّتِكَ أَقْوَامًا قُلُوبُهُمْ أَنَاجِيلُهُمْ، وَجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لَا تَجُوزُ، عَلَيْهِمْ خُطْبَةٌ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّكَ عَبْدِي ورسولي، وَجَعَلْتُكَ أَوَّلَ النَّبِيِّينَ خَلْقًا وَآخِرَهُمْ مَبْعَثًا، وَآتَيْتُكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ، وَأَعْطَيْتُكَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ أُعْطِهَا نَبِيًّا قَبْلَكَ وَجَعَلْتُكَ فَاتِحًا وَخَاتَمًا". [دلائل النبوة للبيهقي].
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قوله: {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤]، قَالَ: "رفع الله ذكره فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة فَلَيْسَ خطيب وَلَا متشهد وَلَا صَاحب صَلَاة إِلَّا يُنَادي أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله. [الخصائص الكبرى للسيوطي].
ومَا أَحْسَنَ قَوْلَ سيدنا حَسَّان بن ثابت رضي الله عنه:
أَغَرُّ عَلَيْهِ لِلنُّبُوَةِ خَاتَمٌ ... مِنَ اللَّهِ مَشْهُودٌ يَلُوحُ وَيَشْهَدُ
وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ ... إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ
وَشَقَّ له من اسمه ليُجِلَّه ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ.
[معجزات النبي صلى الله عليه وسلم لابن كثير].
وفي الآخرة يرفع مقامه فهو صاحب الشفاعة العظمى، واللواء المعقود، وأول من تفتح له أبواب الجنة، حتى قال الحافظ ابن كثير: "وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ: رَفَعَ اللَّهُ ذِكْرَهُ، وقرنه بِاسْمِهِ فِي الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ، وَكَذَلِكَ يَرْفَعُ قَدْرَهُ وَيُقِيمُهُ مَقَامًا مَحْمُودًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَغْبِطُهُ بِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ، وَيَرْغَبُ إِلَيْهِ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ حَتَّى إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ". [معجزات النبي صلى الله عليه وسلم لابن كثير]
وقد قَالَ صلى الله عليه وسلم: «أَنَا قَائِدُ الْمُرْسَلِينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَلَا فَخْرَ، وَأَنَا أَوَّلُ شَافِعٍ وَمُشَفَّعٍ وَلَا فَخْرَ». [دلائل النبوة للبيهقي].
وفي حديث الترمذي: «إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ كُنْتُ إِمَامَ النَّاسِ وَخَطِيبَهُمْ وَصَاحِبَ شَفَاعَتِهِمْ وَلَا فَخْرَ». [رواه الترمذي وحسَّنه].
ومن هنا وجبت محبته صلى الله عليه وسلم، قال القاضي عياض رحمه الله: "حقيقة الإيمان لا تتم إلا بذلك- أي: بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصحُّ الإيمان إلا بتحقيق إنافة (الرفع والعلو) قدر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومنزلته على كل والد وولد، ومحسن ومُفْضِلٍ، ومن لم يعتقد هذا واعتقد سواه فليس بمؤمن". [إكمال المعلم بفوائد مسلم].
وقد أظهر الصحابة رضي الله عنهم شدة تعلقهم بالجناب النبوي الشريف واعتبروا ذلك نعمة عظيمة شكروا الله تعالى عليها ليلًا ونهارًا، وأظهروا من محبته وإجلاله ما لا تراه إلا مع سيد الوجود وسيد كل موجود صلى الله عليه وسلم، فقال سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه: "الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي مَنَّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ". [الزهد لأحمد بن حنبل].
وفي صلح الحديبية يقول عروة بن مسعود: "فَوَاللَّهِ مَا تَنَخَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ، فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ، وَكِسْرَى، وَالنَّجَاشِيِّ، وَاللَّهِ إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ".
ويقول سيدنا عمرو بن العاص رضي الله عنه: "صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما ملأت عينيَّ منه قط حياء منه وتعظيما له، ولو قيل لي صفه لما قدرت".
فحب رسول الله صلى الله عليه وسلم واتِّباعه فهو مقصود المسلم ومطلوبه، جاء إليه رجل فقال: متى الساعة يا رسول الله؟ قال: قَالَ: وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لا شَيْءَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَقَلِيلُ الصِّيَامِ وَالصَّلاةِ وَإِنِّي لأُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ: إِنَّكَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ».
وقال عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ، وَوَلَدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ».
وعَنْ أَبي سَعِيْدٍ الخدري رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيدُ ولَدِ آدمَ يَومَ القِيامَةِ ولا فَخْرَ، وبيَدِيْ لِواءُ الحمدِ ولا فخرَ، ومَا منْ نبَيٍّ يومَئذٍ آدمُ فمن سِواهُ إلَّا تحتَ لِوائِي، وأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنشق عنهُ الأَرْضُ ولا فَخْر» [رواه أحمد والترمذي].
أي: لا أقوله مفاخرة، بل إظهارًا لنعمة الله تعالى عليَّ، وقيل: أي: لا أفتخر بذلك، بل فخري بربي الذي أعطاني هذه المرتبة.
قال الملا علي القاري: "وفيه دليل ... على أنه صلى الله عليه وسلم أفضل المخلوقات وأكمل الموجودات". [مرقاة المفاتيح].
المنهج الأعلى للحياة الإنسانيّة في جميع أطوارها
لقد كانت حياة سيدنا محمّد صلّى الله عليه وسلم "المنهج الأعلى للحياة الإنسانيّة في جميع أطوارها؛ لأنها جمعت بين الأخلاق العالية، والعادات الحسنة، والعواطف النبيلة المعتدلة، والنوازع العظيمة القويمة.
إذا كنت غنيًّا مُثْريًا؛ فاقتدِ بالرسول صلى الله عليه وسلم عندما كان تاجرًا يسير بسلعه بين الحجاز والشام، وحين مَلَك خزائنَ البحرين.
وإن كنت فقيرا مُعْدِمًا؛ فلتكن لك أسوةٌ به وهو محصورٌ في شِعْبِ أبي طالب، وحين قدم إلى المدينة مهاجرا إليها من وطنه، وهو لا يحمل من حطام الدّنيا شيئا.
وإن كنت ملكا؛ فاقتد بسننه وأعماله حين ملك أمر العرب، وغلب على آفاقهم، ودان لطاعته عظاماؤهم، وذوو أحلامهم.
وإن كنت رعيّة ضعيفا؛ فلك في رسول الله أسوة حسنة أيام كان محكوما بمكة في نظام المشركين.
وإن كنت فاتحا غالبا؛ فلك من حياته نصيب أيام ظفره بعدوّه في بدر، وحنين، ومكة.
وإن كنت منهزما- لا قدر الله ذلك- فاعتبر به في يوم أحد وهو بين أصحابه القتلى، ورفقائه المثخنين بالجراح. وإن كنت معلّما؛ فانظر إليه وهو يعلّم أصحابه في صفّة المسجد.
وإن كنت تلميذا متعلّما؛ فتصور مقعده بين يدي الروح الأمين جاثيًا مسترشدا.
وإن كنت واعظا ناصحا ومرشدا أمينا؛ فاستمع إليه وهو يعظ الناس على أعواد المسجد النّبوي.
وإن أردت أن تقيم الحقّ، وتصدع بالمعروف، وأنت لا ناصر لك، ولا معين؛ فانظر إليه وهو ضعيف بمكّة، لا ناصر ينصره، ولا معين يعينه، ومع ذلك فهو يدعو إلى الحقّ، ويعلن به.
وإن هزمت عدوّك وخضدت شوكته، وقهرت عناده، فظهر الحقّ على يدك، وزهق الباطل، واستتب لك الأمر؛ فانظر إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلم يوم دخل مكة، وفتحها.
وإن أردت أن تصلح أمورك، وتقوم على ضياعك؛ فانظر إليه صلّى الله عليه وسلم وقد ملك ضياع بني النضير، وخيبر، وفَدَك؛ كيف دبّر أمورها، وأصلح شئونها، وفوضها إلى من أحسن القيام عليها.
وإن كنت يتيمًا؛ فانظر إلى فِلْذة كبد آمنة وزوجها عبد الله وقد توفيا وابنهما صغير رضيع.
وإن كنت صغيرَ السنّ؛ فانظر إلى ذلك الوليد العظيم حين أرضعته مرضعته الحنون حليمة السعدية.
وإن كنت شابًّا؛ فاقرأ سير راعي مكّة.
وإن كنت تاجرًا مسافرا بالبضائع؛ فلاحظ شئون سيد القافلة التي قصدت بُصرى.
وإن كنت قاضيًا، أو حَكَما؛ فانظر إلى الـحَكَم الذي قصد الكعبة قبل بزوع الشمس ليضع الحجر الأسود في محله، وقد كاد رؤساءُ مكة يقتتلون، ثم ارجع البصر إليه مرّة أخرى، وهو في فناء مسجد المدينة يقضي بين الناس بالعدل، يستوي عنده منهم الفقيرُ الـمُعْدِم، والغنيّ الـمُثْـري.
وإن كنت زوجًا؛ فاقرأ السيرة الطاهرة، والحياة النزيهة لزوج خديجة، وعائشة.
وإن كنت أبا أولادٍ؛ فتعلَّم ما كان عليه والد فاطمة الزهراء، وجدّ الحسن والحسين.
وأيًّا من كنت، وفي أيّ شأنٍ كان شأنك، فإنّك مهما أصبحتَ، أو أمسيتَ، وعلى أيّ حالٍ بِتَّ، أو أضحيتَ؛ فلك في حياة محمّد صلّى الله عليه وسلم هدايةٌ حسنةٌ وقدوةٌ. [الرسالة المحمدية]
حياتي خير لكم ومماتي خير لكم
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً سَيَّاحِينَ، يُبَلِّغُونَ عَنْ أُمَّتِي السَّلَامَ ". قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "حَيَاتِي خَيْرٌ لَكَمْ تُحْدِثُونَ وَيُحَدَثُ لَكَمْ، وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكَمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ، فَمَا رَأَيْتُ مِنْ خَيْرٍ حَمَدَتُ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَمَا رَأَيْتُ مِنْ شَرٍّ اسْتَغْفَرْتُ اللَّهَ لَكَمْ».
قال الحافظ زين الدين العراقي: "إسناد جيد" [طرح التثريب]
وقال الحافظ الهيثمي: "رَوَاهُ الْبَزَّارُ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ" [مجمع الزوائد].
وألف الحافظ عبد الله بن الصديق الغماري جزءا في هذا الحديث سماه: "نهاية الآمال في صحة حديث عرض الأعمال".
ويؤخذ من هذا الحديث: حياة النبي صلى الله عليه وسلم في قبره الشريف، وهي حياة برزخية أكمل من حياة الشهداء، قال الحافظ السخاوي: "يؤخذ من هذه الأحاديث أنه - صلى الله عليه وسلم - حي على الدوام؛ وذلك أنه محالٌ عادةً أن يخلوَ الوجودُ كلُّه من واحدٍ يسلم عليه في ليل أو نهار، ونحن نؤمن ونصدق بأنه صلى الله عليه وسلم حيٌّ يرزق في قبره، وأن جسده الشريف لا تأكله الأرض، والإجماع على هذا، وزاد بعض العلماء: الشهداء والمؤذنين، وقد صح أنه كُشف عن غير واحد من العلماء والشهداء فوُجِدوا لم تتغير أجسامهم، حتى الـحِنَّاء وُجِدت في بعضهم لم تتغير عن حالها، والأنبياء أفضل من الشهداء جزمًا، وقد جمع البيهقي جزءًا في حياة الأنبياء في قبورهم". [القول البديع في الصلاة على الحبيب الشفيع].
وقد أورد الحافظ الذهبي في كتابيه [سير أعلام النبلاء (١٦/٤٠٠)، تذكرة الحفاظ (٣/١٢٢)]، والحافظ السخاوي في كتابه [القول البديع (ص ٣٣٨- ٢٣٩)]، قصة ثلاثة من كبار حفاظ الحديث يشكون الجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم عند القبر الشريف: "قال الحافظ أبو بكر بن المقرئ مسند أصبهان: كنت أنا والطبراني وأبو الشيخ في مدينة النبي صلى الله عليه وسلم فضاق بنا الوقت، فواصلنا ذلك اليوم، فلما كان وقت العشاء حضرت إلى القبر الشريف وقلت: يا رسول الله الجوع! فقال لي الطبراني: اجلس، فإما أن يكون الرزق أو الموت! فقمت أنا وأبو الشيخ فحضر البابَ عَلويٌّ، ففتحنا له، فإذا معه غلامان بقُفَّتين فيهما شيءٌ كثير، وقال: يا قوم شكوتموني إلى النبي صلى الله عليه وسلم ! فإني رأيته في النوم، فأمرني بحمل شيء إليكم".
فهذا صنيع الإمام الطبراني وهو شيخ المحدثين بغير منازع، وهو دالٌّ على فَهمه الذي لا زلنا نفهمه إلى اليوم، ويشاركه في هذا الفَهم أبو الشيخ، وأبو بكر بن المقرئ.
فاللهم بحق نبيك الكريم ارزقنا شفاعته واسقنا بيده الشريفة شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبدًا، إنك جواد كريم.
مراجع للاستزادة:
- الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض.
- الأنوار المحمدية من المواهب اللدنية، يوسف النبهاني.
- الرسالة المحمدية، سيد سليمان الندوي.
- محمد صلى الله عليه وسلم الإنسان الكامل، السيد محمد بن علوي المالكي.