بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد
فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الديار المصرية
معالي المستشار عدنان فنجري، وزير العدل
فضيلة الأستاذ الدكتور محمد عبد الرحمن الضويني، وكيل الأزهر، نائبا عن أستاذنا فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف
المنصة الموقرة
ضيوف مصر الكرام من أصحاب المعالي والفضيلة والسعادة من الوزراء والعلماء والسفراء الحضور الكريم
يسعدني ويشرفني أن أنقل لحضراتكم جميعًا تحيات معالي الدكتور المهندس مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، الذي شرفني بالإنابة عن سيادته في افتتاح هذا المؤتمر، وفي أن أنقل لحضراتكم ترحيبه الحارّ، وخالص دعمه وآماله لمؤتمرنا هذا بكل التوفيق.
فمرحبًا وأهلًا بكم ضيوفًا كرامًا على أرض الكنانة مصر، وقائدها الحكيم السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، وشعبها العظيم وجيشها الأبي، ونيلها المبارك، وأزهرها الشريف.
ثمّ إنه بفضل وتوفيق من الله تعالى، ثم برعاية كريمة من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ينطلق في هذا اليوم السعيد المبارك، الثامن عشر من صفر سنة ١٤٤٧هـ الموافق الثاني عشر من أغسطس سنة ٢٠٢٥م، هذا المؤتمر المهم: (صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي)، في رحاب قاهرة المعز، وبترتيب ودعوة كريمة من أخي سماحة العالم الأنبل والمفتي الأجلّ، فضيلة الأستاذ الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الديار المصرية ورئيس الأمانة العامة لدور وهيئات الفتوى في العالم، وبهذا الحضور الكريم من العلماء والمفتين والقيادات الدينية الكبرى من مختلف أنحاء العالم، للعكوف على مدى أيام على المدارسة والتفكير المشترك وتبادل الرؤى والخبرات حول موضوع المؤتمر، الذي وُفِّق سماحة المفتي لاختياره بنظر شفاف حكيم وبعيد، وكان من جميل التوفيق أن رفع سماحة المفتي شعار الرشد؛ ليكون القيمة الأخلاقية والفكرية الكبرى والأداة العظمى للإبحار في عالم الذكاء الاصطناعي.
واسمحوا لي أن أقف وقفة سريعة حول هذا المعنى فأقول:
إن الرشد هو الغاية المرجوة من الدين وشرائعه وأحكامه، لعل الشعائر أن توقد في القلب سراج الاستجابة والانقياد والنور والفرقان والبرهان الذي ينير العقول ويضيء البصائر فقال سبحانه: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (البقرة: ١٨٦).
والرشد هو شعار الدّين وعلامته، إذا سطعت ولاحت مكارم الشريعة كالشمس في مقاصدها إحياء وعلمًا وعمرانًا ونورًا وخلقًا وهدايةً، مما يتبيّن معه أنه الحق، فقال سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ (البقرة: ٢٥٦).
والرشد هو مناط إدارة الأموال وصناعة الاقتصاد وبناء المؤسسات، قال سبحانه: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم﴾ (النساء: ٦)، فهي أموالهم المُمَلَّكة لهم بموجب إضافتها لهم في قوله (أَمْوَالَهُم)، لكن إطلاق يَدِهم بالتصرف فيها وإداراتها منوط بالرشد، فاشترط في تمكينهم منها حصول الرشد، فالرشد مفتاح صناعة الاقتصاد حتى لا تطغى قيم السوق والتسويق؛ لتغرق الإنسان في شباك الاستهلاكية المفرطة المدمرة لإنسانيته المستعبدة له في أسر شهواته.
والرشد طريق لا يهتدي إليه المتكبر، بل يحرمه الله إياه ويصرفه عنه، فينطفئ سراج العبد بالكبر وتظلم آفاقه ويغرق في ظلماته التي يظنها فكرا، فقال سبحانه: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ (الأعراف: ١٤٦).
والرشد منتهى آمال أهل الولاية والعرفان كالفتية الأولياء الأبرار الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى، فقال سبحانه واصفا مبلغ طموح هممهم في ولايتهم: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ (الكهف: ١٠).
والرشد هو ثمرة اليقظة من الغفلة، وهو نتيجة ذكر الله، وهو قرين الهداية فقال سبحانه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (الكهف: ٢٤).
والذكر هو طموح أنبياء الله إذا رحلوا وكدوا وتعبوا في اقتباس الحكمة من بعضهم البعض مما يختص الله به من يشاء من عباده من العلوم الإلهية الاصطفائية، فقال سبحانه: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ (الكهف: ٦٦).
والرّشد هو التجلي الإلهي من الله على أنبيائه، الذي يتجلى الله بمنحه وإيتائه، ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾(الأنبياء: ٥١) وقارن قوله جل شأنه: (آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ) بقوله: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِي خَيْرًا كَثِيرًا﴾(سورة البقرة: ٢٦٩) فقال عن الحكمة: (يؤتِي، ويؤتَى، وأوتي)، فهي إيتاء وإعطاء ومنح وشأن إلهي، يفيضه الله على من يصطفيه لتنوير بصيرته.
والرشد هو مسلك القرآن الكريم وثمرته وصفته ونعته فقال سبحانه: ﴿ قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبَّنَا أَحَدًا﴾(الجن: ١-٢).
بل إن هذه السورة سورة الجنّ هي سورة الرّشد، حيث تكررت هذه الكلمة الشريفة فيها أربع مرات، بينما تكررت في سورة البقرة على طولها مرتين فقط، فقال سبحانه كما سبق: ﴿قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾، وقال سبحانه حاكيًا عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ (الجن: ۱۰)، وقال سبحانه حاكيا عنهم: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾(الجن: ١٤) وقال سبحانه ملهمًا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا﴾ (الجن: ۲۱) إلى أن يستثني ويقول: ﴿إِلا بَلاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾.
والقصد أن كلمة الرّشد بهذه الآفاق والأبعاد، هي القيمة المركزية الشرعية الكبرى، التي تنطلق بها إلى عالم الذكاء الاصطناعي، والتي يمكنها وحدها أن تروض جموح هذا العالم الصاخب الهادر المزلزل لكثير من القيم.
إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد محرك بحثي فائق السرعة، يجمع المعلومات من كل المصادر الإلكترونية المتاحة، ولا يقتصر على تطبيقاته السطحية مثل (شات جي بي تي) أو (ديب سيك) أو غيرها، بل هو صناعة ثقيلة ينفق فيها العالم من حولنا مليارات تدخل في مجالات الطب والصناعة، والتعليم، والاتصالات والبرمجة، وجمع وتحليل البيانات والأمن السيبراني ويطور تطبيقات معقدة تشمل السيارات ذاتية القيادة، والتشخيص الطبي، والترجمة الآلية، وعلوم البرمجة وعلوم الفضاء، وأعقد ما فيه أنه يتقمص مهارات كثيرة كانت حكرًا على البشر، مثل: التفكير والاستنباط والتحليل والابتكار والتخيل والاقتراح، مما يفجر تحديات أخلاقية وفكرية وعقائدية متشابكة ومتصاعدة.
وإني لأذكر أنني ورفاقي كنا نتذاكر قديمًا أن التعامل مع هذه الأنماط التكنولوجية الفائقة التطور يفرز لنا خمسة أنماط من البشر، وهي السائح، والسابح، والنائح، والرابح، والناصح:
أما السائح فهو الذي يدمن الدخول إلى عالم الذكاء الاصطناعي، فيسأل هذا العالم، ويحاوره وينبهر به، ويندهش بهذا التطبيق وهذه الإمكانية وهذه الأجوبة وهذه التفكير الاصطناعي، وينفق عمره يجري في تطبيقات هذا العالم لاهثًا خلفه، لا يبلغ غايته، ولا يطوره ويطوعه، ولا يفيق من سكرته المدهشة.
وأما السابح فهو نمط آخر من البشر، أدمن هذا العالم، وغرق في تتبع تفاصيله وتحديثاته، وتوحَّد معه، وانخلع بسببه من العالم الطبيعي وشبكة علاقاته الاجتماعية، فصار ينفق في هذا العالم الساحر غالب ساعات يومه، مما يتسرب به إلى وعيه دون أن يشعر بأعراض الإدمان الحقيقي.
وأما النائح فهو نمط آخر من البشر دخل إلى عالم الذكاء الاصطناعي مصطحبًا معه تحيزاته الأيديولوجية، وراح يطوع الإمكانيات الخارقة لهذا العالم ليبثّ من خلالها عُقده النفسية، ويأسه وإحباطه وأفكاره، غير مدرك أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد تكون في غاية التحيز بحسب ما تكونه من إدراك اصطناعي الميول المستخدم، وترشيح المادة المتاحة لديه مما يتوافق مع ما ترصده من ميوله، فتتحول إمكانيات هذا العالم من أداة خارقة في يد إنسان رشيد إلى غواية إلكترونية جبارة في يد إنسان محطم.
وأما الرابح فهو الذي ينطلق بهذا العالم إلى آفاق الاستثمار في عالم التسويق والترويج والدعاية والإعلان مما يصل أحيانا إلى ضخ المليارات في تطبيقات جديدة لهذا العالم في مختلف ميادين التصنيع والابتكار.
وأما الناصح فهو الذي انطلق بالآفاق الجبارة لهذا العالم ليقدم للعالم من حولنا رؤية فلسفية رشيدة، وقيمة أخلاقية منيرة، ووعيًا ونضجًا وعلمًا ومعرفةً وتدريبًا ومهارةً، وتعليمًا إلكترونيًا، مما يستلهم معه قول نبي من أنبياء الله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾(سورة الأعراف: ٦٨)،
ومن هنا تتبارى المواهب والعقول في تقديم رؤيتها وحكمتها للمخازن البحثية الإلكترونية التي تغترف منها محركات بحث الذكاء الاصطناعي، ومن هنا يولد المفتي الرشيد، والفيلسوف الرشيد، والمفكر الرشيد، والعالم الرشيد والخطيب والواعظ المفوه الرشيد في عالم الذكاء الاصطناعي.
وختامًا أحب أن أشير إلى كلمتين: الكلمة الأولى: ستظل القضية الفلسطينية قضيتنا الكبرى، وسنظل هنا في مصر داعمين لأشقائنا في فلسطين، رافضين رفضًا قاطعًا لتهجيرهم من أرضهم، ورافضين رفضًا قاطعًا لكل محاولات تصفية القضية الفلسطينية، وفي رفض كل صور الظلم المهول والقهر المرير لهم، ونؤكد على ثوابت الدولة المصرية في دفع الظلم والعدوان عن أشقائنا في فلسطين عمومًا وغزة خصوصًا، وإنفاذ الإغاثة إليهم، وفي حق أشقائنا الفلسطينيين في إقامة دولتهم الفلسطينية، على حدود سنة ٦٧، وعاصمتها القدس الشرقية.
الكلمة الثانية، وهي مسك الختام: أن وزارة الأوقاف، ودار الإفتاء المصرية، ونقابة السادة الأشراف، ومشيخة الطرق الصوفية، كانت جميعًا وما زالت وستظل صفًّا واحدًا خلف الأزهر الشريف، وفضيلة أستاذنا الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب، على قلب رجل واحد، في تقديم كل الخير والعلم والنفع والنور لوطننا العظيم، وللعالم العربي والإسلامي، وللبشرية كلها، مع رصد كل صور الخطر والهموم والتحديات التي تحيط بنا وبشعوبنا وأوطاننا، والانطلاق للتصدي لها بكل تجرد وصدق وإخلاص محملين بأخلاق الشرع الشريف وأنوار هدايته للعالمين.
ألا فليطمئن السادة العلماء الضيوف الحضور أن المؤسسة الدينية في مصر، بهذا الحال الشريف ستظل سندًا وداعمًا لحضراتكم في كل ما فيه الخير والأمان لبلادكم وأوطانكم العظيمة العزيزة.



