كلمة وزير الأوقاف في القمة الدولية الثامنة لزعماء الأديان العالمية والتقليدية بالعاصمة الكازاخية أستانا
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد سيد الأولين والآخرين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أتقدم أولا بخالص الشكر إلى جمهورية كازاخستان، وشعبها العظيم، وقيادتها الحكيمة متمثلة في فخامة الرئيس قاسم جومارت توكاييف على رعايته وتشريفه بافتتاح هذا المؤتمر المهم: القمة الدولية الثامنة لزعماء الأديان بالعاصمة أستانا.
وإننا لنعتز كثيرا في مصر بالأخوة التي تربط فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بأخيه فخامة الرئيس قاسم توكاييف، مع الأخوة المتجذرة بين الشعبين العظيمين من أيام الظاهر بيبرس وقبل ذلك، وإلى اليوم، وإلى آخر الزمان، مع عمق الروابط العلمية التي شيدها الأزهر الشريف بين البلدين، مع (الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية نور مبارك) هنا في ألماتي، إلى غير ذلك من الروابط العميقة، التي أذكرها اليوم شاكرا لجمهورية كازاخستان كرم الضيافة وجميل الحفاوة، داعيا لهذا المؤتمر أن يحقق نتائجة المرجوة التي تصبو إليها دولنا وشعوبنا جميعا، في ظل ظرف دولي معقد وحساس، ويحتاج إلى قبس من الحكمة والرشد، ليتجاوز العالم أزماته الخانقة، وليطفئ نيران الحروب، وليعظم الاستفادة والانطلاق إلى آفاق التكنولوجيا وعصر الذكاء الاصطناعي، مع بصيص نور من القيم الروحية الأخلاقية السامية، التي تعيد التوازن إلى كل ذلك.
واسمحوا لي أن أوجز كلمتي في عدة نقاط:
أولا: جاء الإسلام بمبدأ تعارف الحضارات بموجب قوله تعالى: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبًا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ)، وتعارف الحضارات مبدأ أكبر من تحالفها أو الحوار بينها، فلعل كل القادة الدينيين الحاضرين على اختلاف دولهم وأديانهم، أن يتبنوا هذا المنطلق، وأن نتوحد سويا لمجابهة كل الأفكار والمنطلقات والفلسفات التي تروج لصدام الحضارات وتصارعها.
ثانيا: الحياة في الإسلام مقدسة، قال الله تعالى: (وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعاۚ)، فإحياء نفس واحدة ينزل منزلة إحياء كل نفس على وجه الأرض، وقتل نفس واحدة ينزل في بشاعته وهوله منزلة قتل كل نفس على وجه الأرض، فهيا بنا جميعا، مع كل أتباع الأديان، لاستحضار كل الشواهد الدينية التي نزكي بها هذا المعنى، ونعظم بها شأن الحياة الإنسانية، ونطفئ بمجموع كل ذلك طوفان الحروب والإبادة والجوع والفقر الذي تعاني منه البشرية كلها اليوم.
ولا شيء يؤلم ويعذب ضمير العالم اليوم كمثل المجازر والأهوال والتجويع وقتل عشرات الألوف رجالا ونساء وأطفالا، وقصف المساجد والكنائس والمستشفيات، مع مختلف صور الإبادة الجماعية التي ترتكبها إسرائيل بكل صلف وغطرسة في حق شعب فلسطين عموما وسكان غزة خصوصا، والأفدح من ذلك أنها ترتكبه بمنتهى التضليل الإعلامي الذي يقلب الحقائق ويدلسها، وتغدر وتقصف العواصم العربية التي حاولت المساعدة والوساطة.
فأرجو أن يتحد ضمير العالم الحر، والقادة الدينيون الحكماء العقلاء على رفض ذلك كله، ومواجهته بكل الصور، وأن يتكاتفوا مع مئة واثنتين وأربعين دولة صوتت لصالح حل الدولتين ووجود دولة فلسطينية على حدود ١٩٦٧ وعاصمتها القدس الشرقية، لعل هذا المؤتمر أن يكون نقطة قوة تضاف لعقلاء العالم.
إن العالم وهو يحتفل اليوم بمرور ثمانين سنة على انتهاء الحرب العالمية الثانية، ليشهد توترا وتعقيدا وتلويحا باستخدام السلاح النووي، ونريد أن نتكاتف معا، من كل الأديان والشعوب، حتى لا تأتي أجيال قادمة تحتفل بمرور سنوات على انتهاء حرب عالمية ثالثة، إن بقي في البشرية من يحتفل بعدها، نحن نريد للأجيال القادمة أن تحتفل بالاكتشاف والاختراع، والتوصل إلى علاج كل الأمراض المستعصية، واكتشاف أعماق البحار، وأعماق الفضاء، ونشر ثقافة السلام واحترام الآخر، إن إنفاق مئات المليارات على مئة مرصد يحلق في أعماق الكون مثل (مقراب جيمس ويب)، وعلى إطعام الجوعى، وتشييد الجامعات، ودعم البحث العلمي، أنفع وأرجى دينا ودينا من الإنفاق على الحرب والتسليح والدمار ثم إعادة الإعمار.
ثالثا: بناء الإنسان رسالة كل شعوب العالم وحضاراته، والقيم الدينية والروحية التي توافقت عليها الأديان كلها هي نقطة الانطلاق، لحماية الإنسان من تزييف وعيه، وتبني البرامج التعليمية والتثقيفية الرفيعة، التي ترسخ منطق الإيمان، ومنطق التعايش المشترك، ومنطق الثقة بين الشعوب والحضارات والدول، ومنطق حسن الجوار بين الدول والشعوب.
رابعا: حماية البيئة ومواجهة التغير المناخي قبل أن يكون أزمة راجعة إلى الثورة الصناعية والتزامات الدول الكبرى، فإنه التزام أخلاقي، ينبغي أن يتبناه كافة قادة الأديان، لترسيخه في أعماق الثقافة البشرية حول الكوكب، وبين كافة الأوساط العاملة والتكنولوجية وصاحبة القرار.
خامسا: رعاية المهن، وتزكية قيم العمل والإنتاج، ووضع مدونات السلوك الوظيفي وعلوم آداب المهن، وإبراز قيم الإتقان والإنتاج والوفرة، من أعظم مقاصد الأديان كلها، وقد جاء الإسلام بالعمران، وبناء المؤسسات، وصناعة الحضارة، وتحقيق الغنى والوفرة، فأدعو كل قادة الأديان إلى التوعية بحب العمل، مع كل الموروث الروحي والقيمي في كافة الأديان، مما يدعو لذلك.
سادسا: الانطلاق إلى آفاق الذكاء الاصطناعي وصناعته الثقيلة في ميادين الطاقة والطب والفلك والتكنولوجيا والوسائط المعرفية ومحركات البحث التي تتمتع بالتكفير والتخيل والافتراض والمحاورة، وكافة المهن والوظائف الناشئة من ذلك، أو التي تندثر بسبب ذلك، كل هذا ضرورة يفرضها الواقع، ويتحتم علينا الانطلاق والتحفيز إليها بشجاعة، مع ما يطرحه ذلك من أبعاد فلسفية ومعرفية قد تؤثر على منطق الإيمان إيجابا أو سلبا، ولابد لكل قادة الأديان من تقديم منظومة القيم التي ترشد ذلك وتزوده بالحكمة والبصيرة، وشكرا جزيلا لحضراتكم.
.




