Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الانتحار بسم "الغلة" جُرمٌ في حق النفس وإفساد في الأرض

الكاتب

هيئة التحرير

الانتحار بسم "الغلة"   جُرمٌ في حق النفس وإفساد في الأرض

"حبوب الغلة" سم قاتل ينهي حياة الكثيرين، خاصة الشباب والنساء في البيئات الزراعية، وهو يعمل على تدمير أعضاء الجسم بشكل سريع وفعال، تحرم الشريعة الإسلامية الانتحار وتعتبره من كبائر الذنوب، تتطلب مواجهة هذه الظاهرة تعاونًا مجتمعيًا ودينيًا لتشديد الرقابة على تداول هذه المواد، وتقديم الدعم النفسي للمضطربين، وتوعية الناس بقيمة الحياة وخطورة الانتحار.

الداء العضال وحقيقة السم الزعاف

لقد باتت أرواحٌ زكية تُزهق، ونفوسٌ بشرية تُباد، على أعتاب الهروب من المضغوط والأزمات النفسية بتناول سم قاتل يُسمّى "حبوب الغلة"، إنها مأساةٌ تتجدد فصولها في مجتمعاتنا، خاصةً في بيئاتنا الزراعية، حيث يتسلل سمٌّ فتاك، هو فوسفيد الألمنيوم، ليُجهز على الحياة بلمح البصر، فهي ليست مجرد حوادث فردية عابرة، بل هي صرخاتٌ مكتومة لقلوبٍ أنهكها اليأس، وحطمتها قسوة الظروف، فظنت أن في الموت راحةً، وما علمت أن فيه شقاءً أبديًا!

الخطورة الكامنة في هذه الحبوب ليست محض افتراض، بل هي حقيقةٌ علميةٌ دامغة. فبمجرد أن تستقر هذه المادة اللعينة في جوف الإنسان، تتفاعل مع عصارات المعدة لتُطلق غاز الفوسفين القاتل، الذي لا رائحة له إلا كقبرٍ مفتوح، أو سمكٍ عَفِن! هذا الغاز لا يرحم عضوًا، ولا يترك خليةً إلا ويعطل "محركاتها" الحيوية، فيُصيب القلب والرئتين والكبد والكلى بالشلل التام، مُحدثًا دمارًا شاملًا في جسد الإنسان، بلا هوادة ولا رجعة، والأدهى من ذلك، أنه لا يوجد ترياقٌ شافٍ لهذا السم المهلك، كل ما يقدمه الطب هو محاولةٌ يائسة لدعم الحياة أملًا أن تدرك المصاب عناية الله، فهل بعد هذا البيان تجد عاقلٍ يقدم على هذا الانتحار السريع الأليم؟!

الأرقامٌ مرآة الواقع وتدمي القلوب

إن الأرقام والإحصاءات لا تكذب، بل هي تصرخ في وجه كل غافلٍ ومتهاون، ففي مصر، تُظهر الدراسات أن الغالبية العظمى من حالات الانتحار بالتسمم تتم بهذا السم القاتل، والأدهى والأمرّ، أن فتياتنا ونساءنا هن الأكثر عرضةً لهذه الطريقة المدمرة، حيث تشير الإحصاءات إلى أن نسبة ٧١.٩% من الوفيات كانت لنسائنا وبناتنا! أيُّ مصابٍ هذا؟! وأيُّ ألمٍ يتجدد في بيوتنا كل يوم؟

إن معدلات الوفيات جراء هذا السم تصل إلى أرقامٍ مخيفة تتراوح بين ٦٠% و٩٠%، وهي نسبٌ تفوق كل تصور، ومن يُقدم على هذا الفعل المشين هم غالبًا من فئة الشباب، من تتراوح أعمارهم بين ١٨ و٣٠ عامًا، وهم عصب الأمة ومستقبلها، الذين يواجهون أشد أنواع الضغوط النفسية والاقتصادية والاجتماعية، فهل نتركهم فريسةً لليأس، أم نمد إليهم يد العون والرعاية؟

حكم الله في حفظ الأنفس

إن الله -سبحانه وتعالى-، الذي خلقنا وسوّانا، قد كرم الإنسان وأعلى شأنه، وجعل حفظ النفس من أجلّ مقاصد الشريعة الغراء، فكيف يليق بعبدٍ كرمه ربه أن يهدر هذه النفس التي هي أمانةٌ في عنقه؟

لقد جاءت آيات القرآن الكريم صريحةً وواضحة، وسنة نبينا الكريم -صلى الله عليه وآله وسلم- حاسمةً وقاطعة، في تحريم الانتحار تحريمًا قاطعًا، واعتباره من كبائر الذنوب التي تُودي بصاحبها إلى عذابٍ أليم:

ففي محكم التنزيل يقول الله تعالى: {وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا} [النساء: ٢٩] .

فيا من ابتُليت بهموم الدنيا؛ أتظن أن في الموت راحةً من عناء الحياة؟ كلا والله! فالله أرحم بك من نفسك، وهو القادر على تفريج كربك، وإزالة همك، ولكن على العبد أن يأخذ بالأسباب وأن يصبر ويحتسب.

ويقول سبحانه: {لَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ} [البقرة: ١٩٥] .

ولقد حذّرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- تحذيرًا شديدًا من عواقب هذا الفعل، فعَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : «مَن قَتَلَ نَفسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفسَهُ، فهو يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فهو يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» [رواه البخاري (٥٧٧٨)، ومسلم (١٠٩)].

كذلك أجمع فقهاء الإسلام على أن الانتحار كبيرة من الكبائر، ومع ذلك، أكدت دار الإفتاء المصرية أن المنتحر لا يُكفَّر، بل يُعامل كإنسان مريض وضحية، ويُصلى عليه ويُدعى له، ويجب على المجتمع أن يتعامل مع أسرته برحمة لا بإدانة [دار الإفتاء المصرية، ٢٠٢١].

إنها ليست مجرد تهديدات، بل هي حقائقٌ إلهية، تُبين لنا فداحة هذا الجرم، وعظم عقوبته، أليس في هذا زاجرٌ لكل من تسول له نفسه الإقدام على هذا الفعل الشنيع؟

ومع ذلك، فإن رحمة الله واسعة، ودار الإفتاء المصرية، وقد أجمعت على ذلك آراء الفقهاء، تؤكد أن المنتحر ليس بكافر، بل هو في حكم المريض الذي ضاقت به السبل، وتعامل أسرته برحمة ورأفة، ويصلى عليه ويدعى له، فكم من القلوب التي تقطعت ألمًا على أحبائها الذين غدر بهم اليأس، إن واجبنا أن نرى فيهم ضحايا يحتاجون إلى الرحمة والشفقة، لا الإدانة والاتهام.

خطةٌ متكاملة للنجاة

إن مواجهة هذه الكارثة الإنسانية تتطلب تكاتف الجهود، ووضع خطةٍ شاملةٍ تدمج بين الحلول العلمية والطبية، وبين التوعية الدينية والمجتمعية، حتى نُعيد للحياة قدسيتها وللنفس قيمتها:

أولًا: الحصن الصحي والاجتماعي:

- تشديد الرقابة على السموم: يجب على الدول والمؤسسات المعنية أن تفرض أشد القيود على تداول هذه الحبوب القاتلة، فلا تُباع إلا بترخيصٍ صارم، وأن تُعتبر من أشد المواد خطورة، حتى لا تقع في أيدي العابثين والميؤوسين.

- تفعيل دور الأسرة والمجتمع: يجب أن تكون الأسرة هي الحصن الأول، بتدريب أفرادها على التعرف على علامات الاكتئاب والانتحار، وتقديم الدعم النفسي لمن يواجهون الضغوط. وأن يتكاتف المجتمع كله، من خلال المؤسسات التعليمية والثقافية، في نشر الوعي بمخاطر هذه السموم.

- تطوير الرعاية الطبية: على الأطباء والمتخصصين تطوير بروتوكولات علاجية أكثر فعالية، والعمل على توفير أحدث التقنيات لإنقاذ من وقعوا فريسةً لهذا السم.

ثانيًا: النور الإلهي: الوقاية الدينية وتصحيح المفاهيم:

- دور المؤسسات الدينية: يقع على عاتق علمائنا الأجلاء، وخطبائنا الأفاضل، وجميع المؤسسات الدينية، دورٌ عظيم في توعية الأمة بخطورة الانتحار، وبيان حكم الله فيه، مع التركيز على غرس مفاهيم الأمل والصبر والتوكل على الله في نفوس الشباب.

- تصحيح النظرة للمرض النفسي: يجب أن نعمل جاهدين على تغيير النظرة السلبية للمرض النفسي، واعتباره كالمرض العضوي تمامًا، فلا حرج على من يطلب المساعدة النفسية، بل هو عملٌ يدل على قوة الإيمان والعزيمة.

- تعزيز قيمة الحياة: يجب أن نُعيد ترسيخ قيمة الحياة وقدسيتها في نفوس أبنائنا، وأن نُذكرهم بأن الحياة عطاءٌ من الله، لا يجوز التفريط فيها، وأن مع العسر يُسرًا، وأن بعد الشدة فرجًا.

دعوةٌ إلى التكاتف والأمل

قضية الانتحار بـ "حبوب الغلة" هي تحدٍّ يستدعي منا جميعًا، كأفراد ومؤسسات، أن نتكاتف ونعمل يدًا بيد. لنجعل من مجتمعاتنا بيئةً حاضنةً للأمل، تمد يد العون لكل محتاج، وتُعلي من قيمة الحياة التي كرمها الله. فلنتذكر قول نبينا الكريم: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم -  «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ» [ صحيح مسلم(٢٦٦٤) - ت عبد الباقي ٤/‏٢٠٥٢]. فلنكن أقوياء بالله، صابرين على بلائه، ساعين لمرضاته، ولنترك اليأس جانبًا، فإن رحمة الله تسع كل شيء، فهيا نُشمر عن سواعد الجد، ونُضيء شمعة الأمل في قلوب يائسة، قبل أن يطفئها ظلام سمٍّ قاتل؟


مراجع الاستزادة:

  • عبد المنعم، أحمد، وآخرون. (٢٠٢٢). الخصائص الوبائية وعوامل الخطورة للوفاة بين مرضى التسمم بفوسفيد الألمنيوم في مصر. مجلة علوم الطب الشرعي، ٦٧(٦)، ٢٤٦٨–٢٤٧٧.
  • هاشمي دومنيه، بهنام، وآخرون. (٢٠١٦). مراجعة علمية لحالات التسمم بفوسفيد الألمنيوم ودليل علاجي عملي. مجلة الصحة والسلامة الصناعية، ٦٧(٣)، ١٨٣–١٩٣.
  • محمود، محمد، وغنيم، محمد. (٢٠١٩). تناول فوسفيد الألمنيوم بغرض الانتحار: خطر صحي متزايد في مصر. المجلة المصرية لعلوم الطب الشرعي، ٩(١)، ١–٦.
  • مصطفى، محمد، وآخرون. (٢٠٢٢). الاتجاهات والوبائيات في محاولات الانتحار بالتسمم الذاتي بين المصريين. تقارير السموم، ٩، ١٧٦٦–١٧٧٣.
  • الحلبي، رنا، والجعفراوي، نجلاء. (٢٠٢٠). المؤشرات السريرية والمخبرية للتنبؤ بالوفاة في حالات التسمم بفوسفيد الألمنيوم. مجلة جامعة الزقازيق الطبية، ٢٦(٣)، ٤٧٥–٤٨٥.
  • زارعي، حامد، وخطيبي، محمد. (٢٠٢١). إدارة التسمم الحاد بفوسفيد الألمنيوم: مراجعة شاملة للنهج العلاجية الحديثة. مجلة السموم السريرية، ٣٩(٤)، ٤٦٦–٤٧٢.
  • دار الإفتاء المصرية. (٢٠٢١). حكم الانتحار في الإسلام والواجب تجاه المنتحر. الموقع الرسمي.
  • منظمة الصحة العالمية (WHO). (٢٠١٤). منع الانتحار: ضرورة عالمية. تقرير رسمي.

الخلاصة

قضية الانتحار بسم "حبوب الغلة" القاتل، الذي يحتوي على مادة فوسفيد الألمنيوم الفتاكة، والتي تتفاعل مع عصارة المعدة لتطلق غاز الفوسفين القاتل، غالبية حالات الانتحار بهذا السم تحدث بين فئة الشباب، وخاصة النساء، ونؤكد على أن الشريعة الإسلامية حرمت الانتحار وعدته من كبائر الذنوب، مع التشديد على أن المنتحر ليس بكافر، و الخطة المتكاملة لمواجهة هذه الظاهرة، تشمل تشديد الرقابة على تداول هذه السموم، وتفعيل دور الأسرة والمؤسسات الدينية والمجتمعية في التوعية، مع ضرورة تصحيح النظرة للمرض النفسي، ويجب أن تكاتف الجهود لإنقاذ الأرواح وإعادة الأمل للميؤوسين.

موضوعات مختارة