إن
الله -سبحانه وتعالى-، الذي خلقنا وسوّانا، قد كرم الإنسان وأعلى شأنه، وجعل حفظ
النفس من أجلّ مقاصد الشريعة الغراء، فكيف يليق بعبدٍ كرمه ربه أن يهدر هذه النفس
التي هي أمانةٌ في عنقه؟
لقد
جاءت آيات القرآن الكريم صريحةً وواضحة، وسنة نبينا الكريم -صلى الله عليه وآله
وسلم- حاسمةً وقاطعة، في تحريم الانتحار تحريمًا قاطعًا، واعتباره من كبائر الذنوب
التي تُودي بصاحبها إلى عذابٍ أليم:
ففي
محكم التنزيل يقول الله تعالى: {وَلَا
تَقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا} [النساء: ٢٩] .
فيا
من ابتُليت بهموم الدنيا؛ أتظن أن في الموت راحةً من عناء الحياة؟ كلا والله!
فالله أرحم بك من نفسك، وهو القادر على تفريج كربك، وإزالة همك، ولكن على العبد أن
يأخذ بالأسباب وأن يصبر ويحتسب.
ويقول
سبحانه: {لَا
تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ} [البقرة: ١٩٥] .
ولقد
حذّرنا النبي -صلى الله عليه وسلم- تحذيرًا شديدًا من عواقب هذا الفعل، فعَن أَبِي
هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - : «مَن قَتَلَ
نَفسَهُ بِحَدِيدَةٍ، فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ، يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطنِهِ
فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَن شَرِبَ سُمًّا
فَقَتَلَ نَفسَهُ، فهو يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا
فِيهَا أَبَدًا، وَمَن تَرَدَّى مِن جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفسَهُ، فهو يَتَرَدَّى فِي
نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا» [رواه البخاري (٥٧٧٨)،
ومسلم (١٠٩)].
كذلك
أجمع فقهاء الإسلام على أن الانتحار كبيرة من الكبائر، ومع ذلك، أكدت دار الإفتاء
المصرية أن المنتحر لا يُكفَّر، بل يُعامل كإنسان مريض وضحية، ويُصلى عليه ويُدعى
له، ويجب على المجتمع أن يتعامل مع أسرته برحمة لا بإدانة [دار الإفتاء المصرية، ٢٠٢١].
إنها
ليست مجرد تهديدات، بل هي حقائقٌ إلهية، تُبين لنا فداحة هذا الجرم، وعظم عقوبته،
أليس في هذا زاجرٌ لكل من تسول له نفسه الإقدام على هذا الفعل الشنيع؟
ومع
ذلك، فإن رحمة الله واسعة، ودار الإفتاء المصرية، وقد أجمعت على ذلك آراء الفقهاء،
تؤكد أن المنتحر ليس بكافر، بل هو في حكم المريض الذي ضاقت به السبل، وتعامل أسرته
برحمة ورأفة، ويصلى عليه ويدعى له، فكم من القلوب التي تقطعت ألمًا على أحبائها
الذين غدر بهم اليأس، إن واجبنا أن نرى فيهم ضحايا يحتاجون إلى الرحمة والشفقة، لا
الإدانة والاتهام.