هذا ضابط آخر يتعلق بالمسائل الاجتهادية العقدية، ومفاده أنه لا يحكم على أصحاب المذاهب بالكفر بناء على ما يلزم عن كلامهم ويترتب عليه، لا سيما إن كانوا ينفونه، وهذا إنما يجري في الحكم بالكفر دون المحاجة والنقاش.
هذا ضابط آخر يتعلق بالمسائل الاجتهادية العقدية، ومفاده أنه لا يحكم على أصحاب المذاهب بالكفر بناء على ما يلزم عن كلامهم ويترتب عليه، لا سيما إن كانوا ينفونه، وهذا إنما يجري في الحكم بالكفر دون المحاجة والنقاش.
وهو ضابط غير متفق عليه، وقد بسط الحديث فيه ابن دقيق العيد قال: "وقد اختلف الناس في التكفير وسببه حتى صنف فيه مفردا، والذي يرجع إليه النظر في هذا أن مآل المذهب هل هو مذهب أولا؟، فمن أكفر المبتدعة قال: إن مآل المذهب مذهب، فيقول: المجسمة كفار لأنهم عبدوا جسما، وهو غير الله تعالى، فهم عابدون لغير الله، ومن عبد غير الله كفر.
ويقول: المعتزلة كفار، لأنهم وان اعترفوا بأحكام الصفات فقد أنكروا الصفات، ويلزم من إنكار الصفات إنكار أحكامها، ومن أنكر أحكامها فهو كافر.
وكذلك المعتزلة تنسب الكفر إلى غيرها بطريق المآل، والحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة إلا بإنكار متواتر من الشريعة عن صاحبها، فإنه حينئذ يكون مكذبا للشرع، وليس مخالفة القواطع مأخذا للتكفير، وإنما مأخذه مخالفة القواعد السمعية القطعية طريقا ودلالة، وعبر بعض أصحاب الأصول عن هذا بما معناه: إن من أنكر طريق إثبات الشرع لم يكفر، كمن أنكر الإجماع، ومن أنكر الشرع بعد الاعتراف بطريقه كفر لأنه مكذب. [ظاهرة التكفير في الأدبيات الفقهية ص(٤)].
وقضية التجسيم التي وقع فيها كثير من الناس قديما وحديثا تحتاج إلى وقفة لنتعرف حكمها:
"فالتجسيم ذكره الشافعية أيضا عند الحديث عن الكفر باعتقاد النقص بالله، فإما أن يعتقد اتصاف الله عز وجل به صريحا أو لازما، فالأول كفر إجماعا، والثاني كذلك على خلاف فيه، والأصح منه عندنا عدم الكفر، فعلم أن المجسم أو المجوهر لا يكفر بما يلزم من مقالته من النقص إلا إن اعتقده أو صرح به". [المرجع السابق]
لما كان الكفر أمرا ينشأ عن اعتقاد القلوب، ولأن البشر لا إطلاع لهم على خفايا القلوب، فإنه لم يبق دليل سوى إقرار اللسان بالكفر أو فعل الجوارح لما هو كفر.
يقول ابن رشد: "فمن ظهر منه ما يدل على الكفر حكم له بأحكام الكفر، ومن ظهر منه ما يدل على الإيمان حكم له بأحكام الإيمان، ويدل على الكفر وجهان باتفاق:
(أحدهما): أن يقر على نفسه بالكفر.
(الثاني): أن يفعل فعلا، أو يقول قولا قد ورد السمع والتوقيف بأنه لا يقع إلا من كافر". [البيان والتحصيل لابن رشد (١٦/٣٦٤)]
قال الشاطبي رحمه الله: ولقد فصل بعض المتأخرين في التكفير تفصيلا في هذه الفرق، فقال : ما كان من البدع راجعا إلى اعتقاد وجود إله مع الله تعالى، كقول السبائية في الإمام علي رضي الله عنه أنه إله، أو خلق الإله في بعض الأشخاص من الناس، كقول الجناحية: إن الله تعالى له روح يحل في بعض بنى آدم، أو إنكار محمد صلى الله عليه وسلم، كقول الغرابية: إن جبريل عليه السلام غلط في الرسالة فأداها إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وعلي بن أبى طالب رضي الله عنه كان صاحبها، أو استباحة المحرمات وإسقاط الواجبات وإنكار ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، كأكثر الغلاة من الشيعة، مما لا يختلف المسلمون في التكفير به، وما سوى ذلك من المقالات فيما يبعد أن يكون معتقدها غير كافر. [المرجع السابق ص ٨٨]
فهذه قاعدة عامة يعتقدها المسلم في كل من خالفه في عقيدته لا يختلف فيها اثنان، وذلك لوضوح أمر المخالف واعتقاده الذي لا يخفى على أحد، أما من كان من أهل الإسلام يشهد الشهادتين فليس من حق المسلم اعتقاد كفره إلا بدليل أسطع من نور الشمس، وليس عامة المسلمين من يحكم بهواه في هذا الأمر.
والذي ينبغي أن نؤصله هنا: أن جهل من يتصدى بالتكفير للمسلمين أنه واقع في خطر عظيم وفي مهلكة يهلك فيها نفسه، وذلك لأن الحكم بالكفر على إنسان ما: حكم جد خطير لما يترتب عليه من آثار هي غاية في الخطر قد لا تكون في ذهن المكفر غيره، ومنها:
والذي ينبغي أن نؤصله هنا: أن جهل من يتصدى بالتكفير للمسلمين أنه واقع في خطر عظيم وفي مهلكة يهلك فيها نفسه، وذلك لأن الحكم بالكفر على إنسان ما: حكم جد خطير لما يترتب عليه من آثار هي غاية في الخطر قد لا تكون في ذهن المكفر غيره، ومنها:
١) تحريم زوجته عليه والتفريق بينهما، لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة كافر بالإجماع المتيقن.
٢) أن أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه، لأنه لا يؤتمن عليهم فهم أمانة عند المجتمع الإسلامي كله.
٣) أنه فقد حق الولاية والنصرة على المجتمع الإسلامي، ويجب أن يقاطع، ويفرض عليه حصار أدبي من المجتمع حتى يفيق لنفسه، ويثوب إلى رشده.
٤) يجب أن يحاكم أمام القضاء الإسلامي لينفذ فيه حكم المرتد.
٥) أنه إذا مات لا تجري عليه أحكام المسلمين، فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يورث، كما أنه لا يرث إذا مات مورث له.
٦) أنه إذا مات على حاله من الكفر يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته والخلود في نار جهنم.
وهذه الأحكام الخطيرة توجب على من يتصدى للحكم بتكفير خلق الله أن يتريث مرات ومرات ولا يتسرع في إصدار أحكامه جزافا. ١) تحريم زوجته عليه والتفريق بينهما، لأن المسلمة لا يصح أن تكون زوجة كافر بالإجماع المتيقن.
٢) أن أولاده لا يجوز أن يبقوا تحت سلطانه، لأنه لا يؤتمن عليهم فهم أمانة عند المجتمع الإسلامي كله.
٣) أنه فقد حق الولاية والنصرة على المجتمع الإسلامي، ويجب أن يقاطع، ويفرض عليه حصار أدبي من المجتمع حتى يفيق لنفسه، ويثوب إلى رشده.
٤) يجب أن يحاكم أمام القضاء الإسلامي لينفذ فيه حكم المرتد.
٥) أنه إذا مات لا تجري عليه أحكام المسلمين، فلا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين ولا يورث، كما أنه لا يرث إذا مات مورث له.
٦) أنه إذا مات على حاله من الكفر يستوجب لعنة الله وطرده من رحمته والخلود في نار جهنم.
وهذه الأحكام الخطيرة توجب على من يتصدى للحكم بتكفير خلق الله أن يتريث مرات ومرات ولا يتسرع في إصدار أحكامه جزافا.
إن المسلم لا يُكفَّر بلازم مذهبه ما لم يصرّح باعتقاد ما يلزم من قوله الكفر، فقد يترتب على بعض الأقوال لوازم كفرية، لكن طالما أن القائل لا يعتقدها ولا يلتزمها، فلا يجوز تكفيره بها، وهذا الضابط يعالج ظاهرة التسرع في التكفير بناءً على التأويلات والافتراضات لا على التصريحات، والتأكيد فيه على ضرورة الرجوع للنصوص القطعية، والحذر من التسرع في إصدار أحكام الكفر على أهل القبلة.