١) في الصحيح أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال
لأبي ذر رضي الله عنه: «إنك امرؤ فيك
جاهلية»، فعن الْمَعْرُورِ قال: "لَقِيتُ أَبَا
ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ
عن ذلك، فقال: إني سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ، فقال لي النبي صلى
الله عليه وسلم: «يا أَبَا ذَرٍّ أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ إِنَّكَ امْرُؤٌ
فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ الله تَحْتَ أَيْدِيكُمْ/
فَمَنْ كان أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ
مِمَّا يَلْبَسُ ولا تُكَلِّفُوهُمْ ما يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ
فَأَعِينُوهُمْ». [متفق
عليه]، هذا وهو أبو ذر في سابقته إلى الإسلام، وصدقه.
٢) وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه،
قال: قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ مَاتَ ولم يَغْزُ ولم يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ على
شُعْبَةٍ من نِفَاقٍ». [أخرجه
مسلم في: (صحيحه) (٣/١٥١٧) حديث (١٩١٠)].
٣) وعن أبي سَعِيدٍ رضي الله عنه، قال:
قال رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْقُلُوبُ أَرْبَعَةٌ، قَلْبٌ أجْرَدُ فيه مِثْلُ السِّرَاجِ يُزْهِرُ،
وَقَلَبٌ أَغْلَفُ مَرْبُوطٌ على غِلاَفِهِ، وَقَلْبٌ مَنْكُوسٌ، وَقَلَبٌ
مُصْفَحٌ، فَأَمَّا الْقَلْبُ الأَجْرَدُ فَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ سِرَاجُهُ فيه
نُورُهُ، وَأَمَّا الْقَلْبُ الأَغْلَفُ فَقَلْبُ الْكَافِرِ، وَأَمَّا الْقَلْبُ
المَنْكُوسُ فَقَلْبُ الْمُنَافِقِ عَرَفَ ثُمَّ أنكر، وَأَمَّا الْقَلْبُ
المُصْفَحُ فَقَلْبٌ فيه إِيمَانٌ وَنِفَاقٌ، فَمَثَلُ الإِيمَانِ فيه كَمَثَلِ
الْبَقْلَةِ يَمُدُّهَا الْمَاءُ الطَّيِّبُ، وَمَثَلُ النِّفَاقِ فيه كَمَثَلِ
الْقُرْحَةِ يَمُدُّهَا الْقَيْحُ وَالدَّمُ، فأي الْمَدَّتَيْنِ غَلَبَتْ على
الأُخْرَى غَلَبَتْ عليه«. [أخرجه
أحمد في: (مسنده) (٣/١٧) حديث (١١١٤٥)].
٤) وروى عبدُ الله بن المبارك عن عبد الله بن عمرو بن هند قال:
قال عليٌّ رضي الله عنه: "الإِيمَانُ يَبْدَأُ لُمْظَةً بَيْضَاءَ فِي
الْقَلْبِ، كُلَّمَا ازْدَادَ الإِيمَانُ ازْدَادَتْ بَيَاضًا حَتَّى يَبْيَضَّ
الْقَلْبُ كُلُّهُ، وَإِنَّ النِّفَاقَ يَبْدَأُ لُمْظَةً سَوْدَاءَ فِي
الْقَلْبِ، فَكُلَّمَا ازْدَادَ النِّفَاقُ ازْدَادَتْ حَتَّى يَسْوَدَّ الْقَلْبُ
كُلُّهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ شَقَقْتُمْ عَنْ قَلْبِ مُؤْمِنٍ
وَجَدْتُمُوهُ أَبْيَضَ الْقَلْبِ، وَلَوْ شَقَقْتُمْ عَنْ قَلْبِ مُنَافِقٍ
وَجَدْتُمُوهُ أَسْوَدَ الْقَلْبِ". [أخرجه البيهقي في: (شعب الإيمان) (١/٧٠) حديث (٣٨)].
فكل هذا يثبت أنهُ منَ الجائزِ اجتماع
الإيمان والنفاق في قلب المسلم، ولعل السببَ في ذلك هو زيادة الإيمان ونقصه حسب
طاعة المسلم ومعصيته، وذلك؛ لأنّ مراتبَ الناس متفاوتة في امتثالهم لأمر الله تعالى
واجتنابهم لنهيه، ولهذا تفاوتت درجات إيمانهم وقربهم من الله عز وجل، ومن هنا قرّر
سلف الأمة أنّ الإيمان يزيدُ وينقصُ، فمنَ الخطأ الفاحش تصور الناس ملائكة أولي أجنحة
بلا أخطاء ولا خطايا، وننسى العنصر الطيني الذى خلقوا منه، والذى يشدّهم إلى الأرض
لا محالة، وهذه الحقيقة -أي حقيقة تفاوت الناس في الإيمان والطاعة لله- قد قررها
القرآن الكريم، كما أكدتها سنةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: {ثُمَّ
أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ
ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ
بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ *
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا يُحَلَّوۡنَ
فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَلُؤۡلُؤٗاۖ وَلِبَاسُهُمۡ فِيهَا حَرِيرٞ}
[فاطر: ٣٣]
فقد قسّم
اللهُ عز وجل الأمة التي أورثها الكتاب واصطفاها من عباده ثلاثة أصناف:
- ظالمٌ لنفسه، وهو كما قال ابن كثير المفرط في فعل بعض
الواجبات، المرتكب بعض المحرمات.
- ومقتصدٌ، وهو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات، وقد يترك
بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات.
- وسابقٌ بالخيرات، وهو الفاعل للواجبات والمستحبات،
التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات. [تفسير ابن كثير (٣/٤٥٤-٤٥٥) ط/ الحلبي]
فهؤلاء الثلاثة على ما في بعضهم من عوج وتقصير وظلم للنفس داخلون في الذين
اصطفاهم الله من عباده، وهؤلاء الأصنافُ الثلاثة ينطبقون على الطبقات أو المراتب
الثلاث المذكورة في حديث جبريل عليه السلام المشهور وهى الإسلام والإيمان
والإحسان.
وأخبرَ الله تعالى عن هؤلاءِ الأصناف الثلاثة، وفيهم الظالمُ لنفسه بأنّهم من أهل الجنة.
وصحّ عن ابن عبّاس فى تفسير الآية قولُهُ: "همْ أمةُ محمد صلّى
اللهُ عليه وسلّم، ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمُهم يغفر له، ومقتصدُهم يُحاسب حسابًا
يسيرًا، وسابقُهم يدخلُ الجنةَ بغيرِ حسابٍ".
[المرجع السابق].