مصرُ قلبُ العروبةِ ومهدُ الحضاراتِ، أنجبتْ شعبًا واعيًا ومُبدعًا، قادَ مسيرةَ العلمِ والفكرِ، ولا يزالُ منارةً للعالمِ.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
مصرُ قلبُ العروبةِ ومهدُ الحضاراتِ، أنجبتْ شعبًا واعيًا ومُبدعًا، قادَ مسيرةَ العلمِ والفكرِ، ولا يزالُ منارةً للعالمِ.
الإنسان المصري عاشق للعلم، صانع له، ولمؤسساته، عنده إدراك عميق لشرف العلم وقيمته، وهذه صفة مصر عبر تاريخها، ولا تكون صفة لمصر إلا من خلال ظهورها المتكرر المطرد الثابت في الإنسان المصري عبر الأجيال.
وقد أضاءت شعلة العلم في الدنيا من أرض مصر في أقدم عصور التاريخ المعروف، ففي فجر التاريخ برع الإنسان المصري في التحنيط والهندسة والفلك والطب والبحث الديني العميق كحالة التوحيد التي وصل لها أخناتون، ومثل مكتبة الإسكندرية في عهدها القديم قبل ألوف السنين، إلى غير ذلك من الشواهد الكثيرة، التي يظهر من خلالها أن الإنسان المصري عاشق للعلم والمعرفة، شغوف بالبحث والتنقيب والسبق العلمي عبر كل أطواره التاريخية، وقد وردت الإشارة إلى ذلك في الإنجيل، في قوله: (فَتَهَذَّبَ مُوسَى بِكُلِّ حِكْمَةِ الْمِصْرِيِّينَ، وَكَانَ مُقْتَدِرًا فِي الأَقْوَالِ وَالأَعْمَالِ) [أعمال الرسل ٧ : ٢٢]، مما يشير إلى اتصاف المصريين بالحكمة والمعرفة من فجر التاريخ.
حتى قال الحسن بن إبراهيم بن زولاق الليثي المصري في القرن الرابع الهجري في كتابه: (فضائل مصر وأخبارها وخواصها): "ومصرُ بلدُ الحكمة والعلم، ومنها خرج الحكماءُ الذين عمروا الدنيا بكلامهم، وحكمتهم، وتدبيرهم". [فضائل مصر وأخبارها/ص١٥/، ط: مكتبة الخانجي، القاهرة، (طبعة خاصة لمكتبة الأسرة)، سنة ١٩٩٩م، تحقيق: الدكتور: علي محمد عمر]، وقال أيضًا: "وكانت مصرُ يسير إليها في الزمن الأول طلبةُ العلم، وأصحابُ العلم الدقيق، لتكون أذهانهم على الزيادة، وقوة الذكاء، ودقة الفطنة، فما أكسبت أحدًا منهم بلادةً، ولا انقطع له خاطر" [فضائل مصر وأخبارها، ص٢٠].
وقد استمر هذا العطاء العلمي المصري عبر الأجيال، حتى شهد به بعد ذلك بنحو قرن من الزمان العلامة أبو القاسم صاعد بن أحمد التغلبي الأندلسي فقال في كتاب: (طبقات الأمم): "وكان لقدماءِ أهلِ مصر الذين كانوا قبل الطوفان عنايةٌ بأنواع العلوم، وبحثٌ عن غوامضِ الحكم". [طبقات الأمم ، ص١٠٦، ط: دار الطليعة، بيروت، سنة ١٩٨٥م، تحقيق: حياة العيد بو علوان].
فهو شعب محب للمعرفة، نظرا لميراث تاريخي عريق، ورث فيه عن أجداده حب الحكمة والعلوم، وإبداعهم في أنواع المعارف على اختلاف دوائر العلم والمعرفة، ترى ذلك مثلًا، في وصف العلامة المؤرخ الفيلسوف ابن خلدون ـ رحمه الله تعالى ـ لحال الديار المصرية قبل سبعة قرون، قال في: (المقدمة): "ونحن لهذا العهد نرى أن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر، لما أن عمرانها مستبحر، وحضارتها مستحكمة منذ آلاف السنين، فاستحكمت فيها الصنائع وتفننت، ومن جملتها تعليم العلم". [مقدمة ابن خلدون /ص٥٢٤/، ط: دار القلم، بيروت، سنة ١٩٨٤م.].
وقد استمرت هذه الصفة عبر التاريخ الطويل للإنسان المصري، إلى أن شهد بها المعاصرون، فقال المؤرخ الدكتور حسين مؤنس: "ومصر عاشت تاريخها كذلك على العلم وأهله" [مصر ورسالتها، ص١٩]، إلى أن قال: "من أيام أمحوتب ومن قبلها قطعا لم تتوقف شعلة العلم في مصر أبدا، لم يخل عصر من عصورنا من علماء كبار".
ومازال الإنسان المصري عبر تاريخه محبا للعلم، شغوفا به، معظما لشأنه، يقدر العلماء والخبراء وأهل المعرفة، ويتعامل معهم بإكبار، ويحب أن يكون أبناؤه على حظ من العلم، ويتمنى لهم أن يكونوا مثل هذا العالم أو ذاك، ويبذل كل ما يستطيع في سبيل ذلك وإن كان فقيرًا رقيق الحال.
ومن أسباب النشاط العلمي ازدهار العمران، وقيام أصول الصناعات، ونشاط التجارة، مما يؤدي إلى توفر مصادر الإنفاق على عمارة المدارس والجامعات، والتفرغ لتكميل النواحي العقلية، بعد استيفاء حاجات الشعب وعامة الناس من مطالب حياتهم، وتأمين شؤون معاشهم؛ لأن الحركة العلمية في كل أمة تأتي في مرحلة تالية زمنيًّا لاستقرار البلاد، وتوفر المطالب الحياتية التي تكفل الحياة الكريمة، ولأجل هذا تتأخر الحركة العلمية ويخفت نشاطها في الأمم المتخلفة، والشعوب الفقيرة؛ لانشغال الناس بتحصيل المعاش، وعدم فراغ الذهن للكمالات النفسية والعقلية والروحية.
ومن المعلوم أن النهضة العلمية في أي أمة، بالعوامل الاقتصادية والاجتماعية المتفشية في المجتمع، فإن الجميع منظومة واحدة متناسقة، وبقدر ما يطرأ على الناس من استقرار في حياتهم الاقتصادية يستقر المجتمع، وتنشط فيه حركة التجارة والصناعة، وتستقر البلاد، ويتوجه الناس إلى اكتساب العلوم والمعارف في الفنون المختلفة الدنيوية والأخروية، وينفقون في سبيل ذلك، فتنشط المدارسُ والمعاهدُ ودُورُ العلم، وتنشط الفنون والآداب، وتدور دورة المجتمع، بحيث ينعكس النهوض العلمي على الإتقان المتزايد لشئون التجارة، والزراعة، والصناعة، والعمران، وتأخذ الأمةُ بزمام أمورها، وأحوالها، وقراراتها.
قال العلامة علي مبارك باشا في: (الخطط التوفيقية): "فمتى نظر القارئ إلى الحائط وتأمل الخرطوش، عرف من تنسب إليه العمارة من الفراعنة، والعائلة التي ينسب إليها، وإن كان من الأغراب الذين أغاروا عليها عرف بلده ووقته، فالعارف بهذه الكتابة إذا نقل نظره من حجر إلى آخر، ومن صورة إلى أخرى، من كل بناء أو تمثال، كان كمن بيده كتاب ينظر في أسطره، ويقلب نظره في صفحاته، فيوقف على حقيقة الغرض منه، فالمسلات إشارة أو أحرف من كلمات، والصور والتماثيل كذلك، وربما كان المبنى نفسه إشارة أو أحرف من كلمات، فانظر كيف كان المصريون ومعارفهم ورموزهم وإشاراتهم التي لا يفهم معناها ولا الغرض منها كل أحد" [الخطط التوفيقية ١٣/٢٢٩].
الإنسان المصري محب والإبداع عبر التاريخ، كما أن مصر لها إسهامات في مختلف المجالات العلمية منذ العصور القديمة، واستمرار هذا الحب للعلم عبر الأجيال، والجدير بالذكر أن الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي له دور كبير في دعم الحركة العلمية في البلاد، كما أن لمصر دور حضاري في نشر العلم والمعرفة.
يُعد طلب العلم فريضة في الإسلام، فهو أساس معرفة الله وبناء الحضارات.
مصرُ قلبُ الأمةِ العربيةِ ومركزُ توازنها، بريادةِ شعبٍ واعٍ ومُبدعٍ قادَ وساهمَ في الحضارةِ.
على مرّ التاريخ، قدمت مصر الدعم والمساندة لمحيطها العربي والإفريقي.