خلال سنوات عمره راح تقي الدين يقدم لعلم الحيل إنجازات علمية، لم يقم أحد قبله يمثلها:
اكتشف طاقة البخار لأول مرة، واستخدمها في إدارة ذراع آلة الشواء لحمل، مستعينًا ببخار إبريق به ماء يغلي فوق نار قوية، وحرك ببخار هذا الإبريق، المندفع بقوة من عنفة الإبريق مراوح موضوعة بذراع الشواء، وقد أثنى على اكتشافه المهندس المعماري الأعظم: "سنان باشا".
وصمم وهو بمصر في عهد الوالي العثماني علي باشا نماذج لآلات ميكانيكية، ذات مسننات معدنية متعامدة الزوايا، ونفذها جميعًا مستعينًا بالعمال المصريين الفنيين، ومن هذه الآلات ساعة ميكانيكية بها الساعات، والدقائق، والأيام، والشهور، ومنازل القمر، والشمس، وكلها تدور بالمسننات الدقيقة، وأسماها: "حق القمر"، أو "علبة القمر" وصمم ونفَّذ آلات لجر الأثقال، بينها رافعة تعمل بالدواليب المسننة (الأوناش)، ورافعة تعمل بالبكرات والحبال، ورافعة تعمل باللولب (الحلزون)، وصمم ونفذ آلات تحدث زمرًا دائمًا، أو نقرًا دائمًا، وأربع فورات (نوافير) تدفع بالمياه بلا انقطاع في حركة تلقائية، تعتمد على: الكَّفَّة، والعوامة، والمقْلَب، وميزان المياه.
وأروع إنجازات تقي الدين نماذج من المضخات، استخدم معها لتحريكها طاقتي الماء في كل الفصول، والهواء في فصل الشتاء، بينها مضختان من ابتكاره: المضخة الأولى مضخة الحبل: وهي مضخة ذات أكر (كرات) من القماش على كباسها، ترفع الماء من آبار عميقة الغور، يصل عمقها في جوف الأرض إلى اثنين وسبعين مترًا.
والمضخة الثانية: كانت مضخة ذات اسطوانات؛ وهي التي مهدت لاختراع المحرك البخاري الحديث، على يد المهندس الميكانيكي: "نيوكومن"، بعد مائة وسبعين سنة من وفاة تقي الدين.
وكانت مضخة تقي الدين، ذات الأسطوانات الست، ممتدة على صف واحد، ومخروطة في قطعة واحدة، ولذلك أطلق مؤرخو العلم على القرن الذي عاش فيه تقي الدين: عصر المضخة، ووصفوه بأنه: "أبو التكنولوجيا العربية"
ولقد استخدم تقي الدين في مضخته هذه عمود الكامات بستة نتوءات موزعة بانتظام على محيط الدائرة؛ بحيث تعمل أسطواناتها على التوالي مرتفعة وهابطة، فيستمر تدفق الماء بصورة منتظمة دون دفق أو تقطع، فحقق بذلك مفهوم التوازن الديناميكي الحديث الذي أدى إلى صنع المحركات والضواغط الحديثة المتعددة الأسطوانات، وقد وضع تقي الدين في مضخته هذه ثقلًا من الرصاص، على رأس قضيب كل مكبس، ليزيد وزن هذا الثقل على وزن عمود الماء، الموجود داخل الأنبوب الصاعد إلى الأعلى، کي يهبط بقضيب المكبس داخل هذا الأنبوب، وهو نفس ما فعله العالم: "مورلاند" في المضخة التي صممها بعد وفاة تقي الدين بتسعين عامًا.
وقد سجل تقي الدين اختراعاته في كتب، وزودها بالرسوم لآلته البخارية، وهي الأولى من نوعها في العالم، ولساعاته الميكانيكية، والمضخات السابقة عليه، والمضختين اللتين ابتكرهما من عدم.
وبعد سبع وثلاثين سنة من وفاة تقي الدين كتب: "راميللي" كتابًا في علم الحِيل عن الآلات الميكانيكية التي كتب عنها تقي الدين، وبعد سبع وتسعين عامًا كتب العالم: "ويلكنز" كتابًا بعنوان: "آلة لتدوير السيخ بواسطة عنفة بخارية". وحاول تطبيق فكرته مثلما فعل تقي الدين بآلة، لكنه فشل في التنفيذ، وبعد مائة وتسعين سنة من وفاة تقي الدين استخدمت في الغرب طاقة البخار.