أ-عصمة الأنبياء - عليهم السلام - من الشرك قبل البعثة وبعدها
الأنبياءُ هم صفوةُ
الله من خلقه، يختارهم ويُطهِّرهم قبل أن يرسلهم، قال تعالى عن سيدنا إبراهيم -عليه
السلام: ﴿إِنَّهُۥ كَانَ صِدِّیقࣰا نَّبِیًّا﴾ [مريم:٤١]، وقال: ﴿إِذۡ جَاۤءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡبࣲ سَلِیمٍ﴾ [الصافات: ٨٤]، والقلب السليم هو الخالي من الشرك والشك [الطبري، جامع البيان
عن تأويل آي القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار هجر، القاهرة، ٢٠٠١م، ج٢٠ ص٧٥]، ودعا
سيدنا إبراهيمُ ربَّه: ﴿وَٱجۡنُبۡنِی وَبَنِیَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]، فكيف يدعو بما هو واقعٌ فيه هو نفسه؟
هذا محال، ولو جاز على نبيٍّ أن يشرك بالله في أيِّ فترةٍ من حياته، لانهدمت الثقةُ
برسالته، وعليه فإنَّ جمهورَ المفسرين متفقون على أنَّ سيدنا إبراهيم - عليه السلام - لم يُشرك بالله قط [القرطبي،
الجامع لأحكام القرآن، دار الكتاب العربي، القاهرة، ١٣٨٧هـ، ج٧ ص٢٥-٢٦].
ب- السياقُ
القرآنيُّ يدلُّ على الحِجاج والجدال لا على الإخبار عن اعتقاد
تبدأ القصة
بقوله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِیۤ إِبۡرَٰهِیمَ مَلَكُوتَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلِیَكُونَ مِنَ ٱلۡمُوقِنِینَ﴾ [الأنعام: ٧٥]، فإبراهيم كان من الموقنين قبل هذه الرؤية، والغاية
زيادة اليقين لا الانتقال من الشرك، وكان قومه يعبدون الكواكب والأصنام [الزمخشري، الكشاف عن حقائق التنزيل، دار الفكر، بيروت،
د.ت، ج٢ ص٣٠]، فحاورهم بأسلوب التدرج في الإلزام: سلم بمنطقهم فرضًا ثم
أبطلهم بالأفول، قال الإمام الزمخشري:"هذا قول من ينصف خصمه مع علمه بأنه
مبطل، فيحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، ثم يكرّ عليه بعد حكايته فيبطله
بالحجة" [ الزمخشري، الكشاف، ج٢ ص٣٠].
ج- أقوالُ المفسِّرين المعتمدين تردُّ التأويلَ الباطل
١-الإمام القرطبي (ت ٦٧١هـ): يقول:
"قال : هذا ربي على قول قومه؛ لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر،
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿أَیۡنَ شُرَكَاۤءِیَ﴾ [النحل: ٢٧]، وهو جل وعلا واحد لا شريك له،
والمعنى: أين شركائي على قولكم. وقيل: هو على معنى الاستفهام والتوبيخ، منكرًا
لفعلهم، والمعنى: أهذا ربي؟ فحذف الهمزة [القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج٧ ص٢٦]، وينقل
عن سيدنا ابن عباس، أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - عرف ربه بقلبه أولًا، ثم ازداد
نورًا على نور، وعن الزجاج: أن من زعم أنه مر بمرحلة شرك فقد أخطأ؛ لأنه قال: ﴿وَمَاۤ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ﴾ [الأنعام: ٧٩] من أول أمره [القرطبي، الجامع لأحكام القرآن،
ج٧ ص٢٥].
٢- الإمام
ابن كثير (ت ٧٧٤هـ): يقول: "في هذا المقام كان إبراهيم يبين لقومه بطلان ما كانوا
عليه من عبادة الكواكب والأصنام، وأن الإله الحق هو الله الذي خلق كل شيء" [ ابن كثير، تفسير القرآن
العظيم، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة، الرياض، ١٩٩٩م، ج٣ ص٢٨٥].
٣-الإمام ابن عاشور (ت ١٩٧٣م): يقول: "وهذا
مناظرة جرت على سبيل الإقناع، فإن إبراهيم - عليه السلام - كان يعتقد التوحيد من أول
نشأته، وإنما أظهر التردد بين الكواكب ليستدرج قومه إلى إبطال عبادة الأصنام"
[ابن عاشور، التحرير
والتنوير، الدار التونسية للنشر، تونس، ١٩٨٤م، ج٨ ص٢١٠].
د- التأويلُ بالاستفهامِ الإنكاريِّ وحذفُ الهمزة
من قواعد اللغة
العربية أن الهمزة قد تحذف في الاستفهام إذا فهم المعنى من السياق، قال سيبويه:
"وتحذف الهمزة في أول الكلام إذا كان المعنى معلومًا، كقولهم: "زيدًا
رأيت؟" أي: أزيدًا رأيت؟"[ الكتاب، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي، القاهرة، ١٤٠٨هـ، ج١
ص٤٥٠]، ومثله في القرآن: ﴿أَفَإِی۟ن مِّتَّ فَهُمُ ٱلۡخَٰلِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤]، أي: أَفَهُمُ الْخَالِدُونَ؟. وعلى
هذا، يكون معنى قول سيدنا إبراهيم: "أَهَذَا رَبِّي؟"على سبيل الإنكار
والتوبيخ، وليس الإقرار بنسبة الربوبية، وبهذا يزول الإشكال.
هـ- الفرق
بين الشرك الاعتقادي والقول الحكائي أو الجدلي
الشركُ الذي لا يغفره
الله – كما في آية النساء – هو الشركُ الاعتقاديُّ الذي يعتقده القلبُ ويستقر عليه
صاحبه ويصرّ عليه حتى الموت.
أما القولُ الذي
يُقال على سبيل الفرض أو الجدل أو التمثيل، أو حكاية قول الخصم، فليس شركًا في الحقيقة،
فإبراهيم - عليه السلام - كان يضرب الأمثال في سياق النظر والاستدلال، فيقول: "هذا ربي"
على وجه الفرض والتمثيل، ثم ينقض هذا الفرض بالأفول، وهذه طريقةٌ من طرائق الاستدلال
والحوار، وليست شركًا اعتقاديًّا.
و- الردُّ على شبهة غياب التوبة وعدم المعاقبة في حقِّ سيدنا
إبراهيم - عليه السلام.
لم يذكر القرآن توبةَ
إبراهيم - عليه السلام؛ لأنه لم يصدر منه شركٌ أصلًا حتى يُتوب منه، بل جاء في سياق القصة
قوله: ﴿وَمَاۤ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ﴾ [الأنعام: ٧٩].
أما الأممُ الأخرى
التي عوقبت، فإنهم أقاموا على الشرك واستكبروا بعد أن جاءتهم الحجج، قال تعالى عن عاد: ﴿فَأَمَّا عَادࣱ فَٱسۡتَكۡبَرُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾ [فصلت: ١٥].
أما سيدنا إبراهيم - عليه السلام - فكان مُناظرًا للشرك ومحتجًّا عليه من البداية، لا من المشركين الذين استحقوا
العذاب [ابن عاشور، التحرير
والتنوير، ج٨ ص٢١٠].