يتوهم البعض وجود تعارض بين النصوص القرآنية والحقائق الكونية، بيد أن التدبر العميق والفهم الصحيح لأساليب اللغة وسياق الآيات يكشف عن دقة التعبير القرآني وتوافقه مع العقل والمنطق السليم.
يتوهم البعض وجود تعارض بين النصوص القرآنية والحقائق الكونية، بيد أن التدبر العميق والفهم الصحيح لأساليب اللغة وسياق الآيات يكشف عن دقة التعبير القرآني وتوافقه مع العقل والمنطق السليم.
يثير المشككون ثلاث إشكالات حول موافقة القرآن للواقع العلمي، إذ تتعلق الأولى بإنكار وجود "سبع أراضين" كما جاء في ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ﴾ [الطلاق: ١٢] زاعمين أن العلم لم يثبت ذلك وأن هذا القول مجرد اجتهاد بشري خاطئ للمفسرين، بينما ينصب الاعتراض الثاني على وصف السماء بأنها "سقف" قابل للسقوط باعتبار أن الفضاء ليس بناءً ماديًا ينهار كالسقوف المعهودة، أما الثالثة فتتعلق بتخطئة وصف الكواكب والنجوم بـ "المصابيح" بدعوى أن هذا تشبيه بدائي يخالف طبيعة الأجرام السماوية الحقيقية التي هي أجسام صخرية أو غازية، مما يدل – بزعمهم – على تناقض النص الديني مع الحقائق الفلكية.
نزل القرآن بلسان عربي مبين يعتمد الحقيقة والمجاز، فالمثلية في "الأرض" تتعلق بعظمة الخلق والقدرة الإلهية لا بمجرد العدد الحسابي الظاهر، كما أن سقوط السماء يحمل على المعنى المجازي بانهيار النظام الكوني أو الحقيقي بتعطل الجاذبية وهو أسلوب معهود في الكتب السماوية السابقة، أما وصف الكواكب بالمصابيح فهو وصف لمرآها في عين الناظر ووظيفتها في تبديد الظلام وهو تعبير بلاغي جمالي لا ينفي طبيعتها الجيولوجية.
أولًا: الرد على إنكار السبع أراضين وتفسير المثلية في الخلق
إن اعتراض المشكك على قوله تعالى: ﴿وَمِنَ ٱلۡأَرۡضِ مِثۡلَهُنَّۖ﴾ [الطلاق: ١٢] بحجة عدم وجود سبع أراضين هو اعتراضٌ نابعٌ من قصور في فهم لسان العرب ودلالات الألفاظ، فالله عز وجل استخدم حرف الجر (مِن) الذي يفيد التبعيض لبيان أن هذه المثلية ليست بالضرورة في العدد الطبقي الحسابي بل هي "مثلية في عظمة الخلق ودقة الصنع وكمال القدرة"، والمعنى أن الله الذي رفع سبع سماوات شدادًا خلق أيضًا من جنس هذه الأرض ما يماثل السماوات في الإعجاز والإبداع، وما يؤكد هذا المعنى هو ختام الآية بالتعليل ﴿لِتَعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾ [الطلاق: ١٢] فالهدف هو الاستدلال على شمول القدرة لا مجرد الإحصاء العددي، ومن جهة النظر العقلية في الواقع المشاهد نجد تمايزًا واضحًا يثبت أن المثلية في "أصل الإيجاد" لا في "صفات الموجود"، فالسماء سقفٌ محفوظٌ محكمٌ بينما الأرض غير محكمة بدليل تعرضها للزلازل والبراكين وتآكل أطرافها، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا یَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِی ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَاۤۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٤]، فهذا النقص المستمر من الأطراف هو دليلٌ حسي على أن بقاء الأرض وتماسكها مرهونٌ بمسك الله لها بقدرته تمامًا كما يمسك السماء، فالمثلية هنا هي استناد المخلوقين (السماء والأرض) إلى مشيئة الخالق الواحد رغم اختلاف طبيعتهما.
ثانيًا: الرد على شبهة "سقوط السماء" واستحالة ذلك فيزيائيًا:
يثير المعترض شبهة حول وصف السماء بالسقف القابل للسقوط متجاهلًا أن لغة الكتب المقدسة ولغة البشر عامةً تجري على الحقيقة والمجاز، فالسماء بناءٌ كوني عظيم يشبه السقف في علوه وإحاطته، وكما أن سقف البيت المادي يحتاج إلى أعمدة تمنعه من السقوط بفعل الجاذبية فإن سقف السماء ممسوكٌ بقدرة الله التي عبرت عنها القوانين الفيزيائية غير المرئية، وسقوط السماء يعني انهيار هذا النظام وتعطل تلك القوانين بإذن الله، وهذا الأسلوب في التعبير عن الخراب بـ "السقوط" معهودٌ في الكتاب المقدس الذي يؤمن به المعترض، ففي [سفر الجامعة ١٠: ١٨] جاء النص: "بالكسل يهبط السقف، وبتراخي اليدين يسقط البيت" وهذا استخدامٌ مجازيٌّ بليغ يربط بين الخراب المادي والسبب المعنوي، وفي العهد الجديد يؤكد المسيح عليه السلام هذه الهيمنة الإلهية على مسمى السقوط في [إنجيل متى ١٠: ٢٩] قائلًا: "أليس عصفوران يباعان بفلس؟ وواحد منهما لا يسقط على الأرض بدون أبيكم" فإذا كان سقوط عصفور لا يتم إلا بمشيئة إلهية فكيف بسقوط أجرام السماء! بل إن [سفر الرؤيا ٦: ١٣] يقرر مشهد النهاية بوضوح قائلًا: "ونجوم السماء سقطت إلى الأرض"، وفي [الرسالة إلى العبرانيين ١٠: ٣١]: "مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي"، فكيف يصح عقلًا أن يعترض المشكك على القرآن في تعبير "سقوط السماء" بمعنى زوال التماسك الكوني وهو تعبيرٌ راسخٌ في كتبه المقدسة بنفس الدلالة والتركيب!
ثالثًا: الرد على تسمية الكواكب مصابيح والاعتراض الفلكي:
يتوهم المعترض أن وصف الكواكب والنجوم بالمصابيح خطأٌ علمي لأن الكواكب أجسام معتمة والنجوم كتل غازية، وهذا وهمٌ يخلط بين "التحليل المخبري" وبين "الوصف الوظيفي والجمالي"، فالقرآن يخاطب الناس بما تراه أعينهم، والكوكب أو النجم يبدو للناظر من الأرض ككتلة نورانية متلألئة تضيء الظلام تمامًا كالمصباح، وهذا الوصف دقيقٌ لأن الكواكب تعكس ضوء الشمس فتؤدي وظيفة الإنارة والاهتداء، ولو كلف المعترض نفسه عناء البحث في كتبه لوجد ذات التشبيه، ففي [سفر الرؤيا ٨: ١٠] وصفٌ صريحٌ يقول: "وسقط من السماء كوكب عظيم متقد كمصباح"، فهو هنا لم يفرق بين الكوكب والمصباح في الشكل والضوء، وفي موضع آخر في [سفر الرؤيا ٤: ٥] يقول: "وأمام العرش سبعة مصابيح"، بل توسع الكتاب المقدس في استخدام لفظ المصباح مجازًا للمعاني السامية كما في [سفر الأمثال ٦: ٢٣]: "لأن الوصية مصباح والشريعة نور"، فإذا كان وصف الكوكب بأنه "متقد كمصباح" مقبولًا في الكتب السابقة، وإذا كان الواقع يشهد أن هذه الأجرام تزين السماء وتبدد الظلمة، فإن تسميتها "مصابيح" هي تسميةٌ صادقةٌ بلاغيًا ووظيفيًا ولا تتعارض أدنى تعارض مع طبيعتها الجيولوجية.
تخاطب النصوص الشرعية الناس بلسان يجمع بين الدقة في المعنى والجمال في المبنى مراعية ما تدركه الحواس وما يقرره العقل، فلا تعارض بين الحقائق الكونية وبين التعبيرات القرآنية التي تصف عظمة الخالق، فالقدرة التي تُمسك الأجرام وتزين السماء هي حقيقة علمية وإيمانية في آن واحد والتشكيك فيها نابع من قصور في فهم أساليب البيان العربي.
يروجُ البعضُ لـ رواياتٍ باطلةٍ تزعمُ تدخلَ الشيطانِ في الوحيِ المحمديِّ
الإسلامُ لا يكتفي بحماية الجسدِ فحسب، بل يُولي العقل اهتمامًا خاصًّا، كونه أساس حياة الإنسان وأداة فهمه وعبادته
سنن الله في الخلق مظهر من مظاهر القدرة الربانية، تجلت في آيات قرآنية محكمة تدعو للتدبر والتأمل
علم الفلك هو بوابة الإنسان لفهم أسرار الكون، يدرس المجرات والنجوم والكواكب والمذنبات
جدلية العلاقة بين الوحي الإلهي والنظر العقلي