محي الدين، ومجدد العلم في شطورة
الشيخ أحمد علي الخطيب
١٤٢٤هـ/ ٢٠٠٣م
خلت الديار الشطورية بوفاة العَلَّامَة أحمد على حسن الجمولي، والعَلَّامَة أحمد رجب الحنفي، والعَلَّامَة عمر عبد الراضي، والعَلَّامَة علي يوسف درويش، والعَلَّامَة علي عبد الحميد الكبير، فكانت في حاجة ماسة لمن يجدد له أمر دينها، ويحيي العلم، ويعيدها إلى مكانتها في ساحة أزهرها العريق، فجاء العالم الأزهري مجدد العلم في شطورة، ذو النسيج الفريد، أستاذنا العَلَّامَة المفسر محي الدين، والخطيب المِصْقَع، فضيلة الشيخ أحمد علي محمد الخطيب "من عائلة العلم والعلماء أولاد الشيخ"، جاء على حين فترة من العلماء الكبار، ومَثَّلَ نُقْلَةً في تاريخ الدعوة في القرية، وقدم صورةً زاهيةً للعالم الأزهري المبني على علوم الشريعة وقوانينها، فحفظ المتون، ونظر في الحواشي والتقريرات، وكانت له نفحات وتجليات، وفيوض، وفضل كبير، وليس الخبر كالعِيان، وأعاد للأزهر مكانته في نفوس الناس بأخلاقه وعلمه وسمته وزيه الأزهري، ووجاهته وأناقته، وأحيا الله على يديه الاحتفال بالمناسبات الدينية في القرية بعد موات واندثار، فجدير أن يطلق عليه مجدد شطورة، وقد ورد ذكر الشيخ في كتاب (الجمهرة الوسطى).
ولد الشيخ الخطيب يوم ١٨/ ١٠ / ١٩٥٣م، وحفظ القرآن الكريم في سن العاشرة، وتخرج في معهد محمود عنبر بطهطا، ثم كلية أصول الدين بأسيوط سنة ١٩٧١م، وأخذ العلم عن الشيخ محمد سيد طنطاوي، والدكتور أحمد عمر هاشم، وعمه الشيخ محمد الواعظ، (مضت ترجمته في وفيات ١٤٠٤ه) الذي تعلم منه الشدة والحزم، وكان مولانا يحب علم الحديث، ويقول هو أبو العلوم الشرعية، وبعد تخرجه عمل خطيبا بالمسجد الكبير بالمراغة، وذاع صيته وانتشر، فعرفوه كما يعرفون أبناءهم، وذكر لي شيخنا صاحب (الجمهرة الكبرى) أنه صلى خلفه بعض الجمع في المسجد الكبير بالمراغة.
وأول مرة صعد فيها المنبر كان في الثانوية، ووصف ما حدث قائلا: (لما وضعت أولى قدميَّ على المنبر، سمعت في نفسي رعدا وبرقا، وأحسستُ أني أضع قدمي مكان قدم المصطفى، فتملكني الخوف، وظهر على وجهي الاحمرار، فاستجمعت قواي، واستفتحت بحمد الله، وصليتٌ على معلم الأجيال، (كان أستاذنا دائما يستخدم عبارة "معلم الأجيال" قاصدا بها النبي الكريم) وبدأت أحدث الناس عن صلة الأرحام، وما إن بدأت في الخطابة حتى شعرت أنني أقرأ من كتاب، وينساب الكلام على لساني، وفي نهاية الخطبة شرعت في الدعاء، وأول دعاء دعوته كان لأبي، ثم دعوت الله أن يرزقني علما أنفع به الناس). وقد استجاب الله لدعوته.
رجع - طيب الله مضجعه- إلى شطورة قادما من السعودية التي سافر إليها عام ١٩٨٧، وعمل بقرية (إخلال) التابعة لمنطقة عسير، وهي قرية تقع على أحد الجبال، والطريق إليها ليس مُعَبَّدا، فقامت الحكومة السعودية بتمهيد الطريق ليستفيد الناس بعلمه، وسُمي الطريق (عَقبة الشيخ الخطيب)، ومازال اسمه كذلك حتى الآن.
وقد جلستُ بين يديه متعلما، ومحضني النصح، وشجعني على الالتحاق بالدراسات العليا، وكان يشجع الطلاب على مواصلة طريق الدراسة والعلم، ويتحقق من وجود مصروفات الدراسة معهم، فإن رفض الطالب أن يأخذ منه مبلغا من المال؛ فالشيخ يجعله يقسم بالله أن معه ما يكفيه، أو أن الشيخ يرى بنفسه ما معه؛ ليتأكد أنه ليس في حاجة لأموال.
وحضرت بعضاً من دروسه العلمية في بيته، منها شرحه لكتاب: (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل)، المعروف بتفسير الزمخشري، وله على الكتاب تعليقات مهمة، ذكر فيها فوائد علمية من هطَّالة دُرره، مما ينبئك بأنه امتلك ناصية اللغة والبيان، مثال ذلك عند تفسيره لقوله تعالى: " فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰ إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا"، سرد فيها قواعد لغوية مهمة، وفي الجزء الثالث ص٩، من طبعة دار الكتب العلمية، يقول الزمخشري: قام بين يديها في صورة ترب لها اسمه يوسف من خدم بيت المقدس..إلخ، علق الشيخ قائلا: "ترب معناها قريب، ويوسف المقصود به هنا يوسف النجار، وشرع الشيخ في ترجمة يوسف النجار"، وفي درسه كان كثيرا ما يستدل بالشعر؛ لشرح لفظ أو بيان معنى، وسمعته -وهو يتحدث عن النخلة التي في سورة مريم- أورد قول أحمد محرم:
قُلْ للْجَدَاوِلِ وَالزُّرُوعِ: تَحَدَّثي ** في غَيْرِ مَا وَجَلٍ وَلاَ إشْفاَق
وللشيخ تلاميذ كثر أخذوا عنه العلم، منهم: العالم الشيخ محمود الشافعي -من كبار علماء المراغة، والمستشار جابر المراغي، والدكتور أبو العلا محمد إبراهيم -الإمام بالأوقاف، وأشقاء الشيخ وعلى رأسهم المرحوم محمود، والشيخ محمد أحمد الخطيب نجل الشيخ، خطيب وداعية بالمساجد والمراكز المصرية والأوربية، وغيرهم، والفقير كاتب هذه السطور من أقرب تلاميذ الشيخ، ومن أكثرهم التصاقا به، أو أظنني كذلك، ولله الحمد والمنة.
وبجانب دوره العلمي اضطلع الراحل الكبير بدور اجتماعي، فأصلح بين المتنازعين، ومنع الله على يديه دماء كادت تسيل، وعصبيات جاهلية كادت تعود وتتعمق، ولكم سهر الليالي يستمع للمتنازعين، ويشير بما يرأب الصدع، ويجمع الشمل، فإذا نشز فريقٌ ترضَّاه ولو بماله الخاص، فيتحول النشوز إلى طاعة وقبول، فيعود الشيخ وقد أطفأ نارا، ومنع اندلاع اللهب، وفي هذا المضمار نشر مقالا مهما بمجلة نهضة شطورة، عنوانه (هكذا يكون الرجال) حين وقع حادث قتل بين عائلتين، قال في نهايته: "وسيذكر التاريخ هذا الشعور النقي من طرفي النزاع، وحرصهم على التصافي، وستذكر الأجيال المقبلة كرم أخلاقهم، وهذا مثل أعلى لأصحاب مثل هذه الحالات، فادفع بالتي هي أحسن"، وقد حكت لي زوجته الحاجة أم عبد الرحمن عديد النماذج من هذه الفضائل.
حليفُ الندى يدعو النـدى فيجيبهُ ** سريعاً ويدعـوهُ الندى فيجـيبُ
ومن مواقفه الأثيرة في المراغة أنه وجد شابا يجلس على الأرض متسولا، وقد فقد أهله وهو صغير، فجمع له المساعدات، وسمح له بالمبيت في المسجد، وأحضر له ثوبا وحذاء، واشترى له أدوات مكتبية، وذهب به إلى النجار، وسأله أن يصنع له طاولة، ثم ذهب إلى مدير مدرسة مصطفى كامل بالمراغة، وطلب منه أن يترك هذا الرجل يبيع الأدوات المكتبية أمام المدرسة، وبالفعل بدأ الفتى في تجارة الأدوات المكتبية، ثم فتح دكانا، وكبرت تجارتُه في المراغة، ومازال يحتفظ بصورة الشيخ في دكانه إلى اليوم، وفي هذا الموقف ما ينبىء عن مروءة كبيرة، وشهامة أزهرية،، ونبل أصيل، ولو كان الشاعر العربي جرير التميمي حيا، وعرف الشيخ، لوضع في أبياته "ابن الخطيب" بدلا من "ابن غالب" ساعة قال:
فَمَنْ لِذَوِي الأَرْحَامِ بَعْدَ ابْنِ غَالِبٍ ** لِجَارٍ وَعَانٍ فِي السَّلاَسِـلِ مُـوثَقِ
وَمَنْ لِيَتِـيْمٍ بِعْدَ مَـوْتِ ابْنِ غَالِبِ ** وَاُمِّ عِـيَـالٍ سَـاغِبِيـنَ وَدَرْدَقِ
وَمَنْ يُطْلِقُ الأَسْرَىَ وَمَنْ يَحْقِنُ الدِّمَا ** يَدَاهُ وَيَشْفِي صَدْرَ حَـرَّانَ مُحْـنَقِ
إن حياة الشيخ - نَضَّرَ اللهُ وجْهَه- كانت صورة فذة، جمعت أجزاؤها جلال الصلاح الفطري، فكان أبوه عارفا صالحا، وأمه تقيةً ورعة صابرة، ومن هذين الرافدين الكريمين تكونت أخلاقه، ونمت فيه بركة العلم والصلاح، وكما أحب والديه فقد أحب أخاه الدكتور محمود الذي يصغره مباشرة، (وسيأتي الكلام عن هذا عند ترجمتي لأخيه المرحوم محمود في وفيات ١٤٢٥هـ/ ٢٠٠٤م)، وكانت وصيته الدائمة لأبنائه: (وقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)، كما كان يحذر من الانتماء للأحزاب والتيارات التي تتلاعب بالدين باسم السياسة.
يقول الاستاذ علي عبد المطلب وهو أحد المقربين من الشيخ: "كان الشيخ معلماً في منطقة إجلال بالسعودية، وأنشأ أول مسجد فيها بمساعدة الأهالي، وبدأ يعلمهم القرآن والفقه، وارتبط به أهل البلدة وأحبوه، ويوم انتقاله إلى بلدة أخرى كان يوما حزينا على أهل هذه القرية، بما ترك فيها علما وفقها وأثرا لا يزول، وكنت أقول له: لقد بلغت رسالة الإسلام إلى هذه البلدة، فكان كالغيث حيثما حل تحل معه البركات والخيرات، وشرَّف شطورة والأزهر، وترك أثرا لا ينتهي ولا يزول".
قال الدكتور أحمد إبراهيم القاوي: "كان الشيخ شريفا خلوقا، عطوفا كريما، راسخ العلم، مجمعا علي صلاحه، تجلت فيه أخلاق النبوة ونورانيتها، وجلالة العلوم وقدسيتها، وكان أزهريا نديا، وصوفيا علميا، ما راءه أحد إلا هابه، وما اقترب إليه أحد إلى أذهله تواضعه".
ونعى الشيخ نفسه بنفسه، ذلك أن آخر آية وقف عندها وهو يفسر كتاب الله قوله -تعالي-: "وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ" [مريم: ٣٦]، وهذا من كراماته، وبعدها حجز في مستشفى الدعاة شهرين متتابعين، ثم جاء القاهر الذي لا يُغلب يوم ٢٧/ ٨ /٢٠٠٣م، ودفن يوم ٢٨ أغسطس، وقلتُ في رثائه أبيات شعر مستعارة، منها:
حديثُه قبل أن يثري مسامعنا** كادت ملائكة الرحمن تنشره
نتاج فكرك للأجيال مفخرة ** والله ينصر من قد كان ينصره
وحضر جنازتَه خلقٌ لا يحصون، لتوديع العالم الأنيق، فقيد الأزهر، ومجدد العلم في شطورة وما حولها، وسليل بيت التقوى والصلاح، بعد أن صمت عن دنيا الناس، إثر مرض يزيد من حسناته، ويكفِّر سيئاته، فقد كان مجدد شطورة ملء السمع والبصر، وحين نعاه الناعي كادت النفس أن تفيض عليه، وغابت شمس شطورة عن عالم ذي أصالة وأريحية لا خلاف عليها عند الجميع، وغشى القلوبَ حزن أسود كئيب من هول الرزء، وفداحة المصاب، وتوشحت القرية بالسواد، وارتفع نشيج الباكين من المودعين، وتقدم الدكتور علي أحمد طلب للصلاة عليه، وقال: "رأيت في المنام الشيخ أحمد علي الخطيب يدعوني للصلاة عليه عند وفاته" وأغلقت بوفاته صفحة ناصعة من صفحات العلم والكرم والمروءة والنهضة العلمية في شطورة، ولكأني بالمشيعين ينشدون وهم يودعونه قول المتنبي:
طوى الجزيرة حتى جاءني خبر ** فزعتُ فيه بآمالي إلى الكذبِ
حتى إذا لم يدع لي صدقه أملا ** شرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي