هاشم نايل خليفة
فضيلة الشيخ الجليل: هاشم إبراهيم نايل خليفة، ولد في قرية منشاة الأمراء، بمركز أهناسيا، بمحافظة بني سويف.
وكان مولده أوائل القرن العشرين، والتحق بالأزهر الشريف، حتى تخرج في كلية الشريعة، وعمل بها حتى بدايات الأربعينات، ثم طلب نقله إلى العمل بالوعظ في وزارة الأوقاف، ليترك القاهرة وتحولاتها، فعمل إمامًا لأكبر مسجد بمدينة الفيوم.
ثم انتقل إلى بني سويف، فلما تغير الحال بها طلب العمل بأرياف المحافظة، فعمل إمامًا لمسجد بني عفان بمركز بني سويف نحو ثلاث سنوات، ثم انتقل إمامًا للمسجد الكبير في قرية أبو صير الملق، بمركز الواسطى ببني سويف، وظلّ بها أكثر من عشرين سنة، وختمَ حياتَه الوظيفيةَ بقرية إهناسيا الخضراء بمركز إهناسيا.
إلى أن تقاعد فالتزم مسجد قريته يؤم الناس فيه إلى أن توفي، وكان إلى أن تُوفي يعدّ الخطبة، ويكتبُ نقاطَ موضوعها، وكان يقومُ بتنظيف المساجد بنفسه، كنسًا، ورَشًّا، وتنظيف حُصْرٍ، وغسيل مراحيض، وإعداد مياه للتطهر، وملء الأحواض، وغسيل الميضأة، وكان ملازمًا لإلقاء درسي العصر والمغرب حتى في مساجد القرى، أما إحسانُه وتوفيقه في إصلاح ذات البين بين عائلات القرى التي كان يعمل بها فكان زادا يوميًّا، وكان رجلًا صالحًا تقيًّا صاحب كرامات وكرامات الأولياء حق، ولم يزل على هذا النمط الحميد حتى تُوفي ليلة الجمعة، أول ربيع الثاني، سنة ١٣٨٨هـ، الموافق أول يوليو، سنة ١٩٦٨م.
قلت: وعلى أكتاف هذا النمط الجليل من العلماء الأزهريين كانت تسري روحُ الشريعة وأنوارُها إلى القرى والنجوع، فقد كان رحمه الله أسدًا مرابطًا في ثغره، أفنى عمره في الوعظ، وتثبيت معالم الشرع وروح الأخلاق في النفوس، وكان متجافيًا على الدوام عن المدن الكبيرة الصاخبة، فما زال ينأى عن القاهرة ومدينة بني سويف حتى حطّ رحاله في القرى، وعكَف فيها السنوات الطوال، يخالط الناسَ، ويعيش واقعَهم، ويرصد همومَهم، ويرقبُ عن كثَبٍ مواضع الخلل في بنية النفس والأخلاق ليعالجها في خطبه ودروسه، مع القرب من الناس، والتلطف بهم، والسعي في إصلاح ذات بينهم، وحل مشكلاتهم، والمواظبة على الدروس والفتوى، والقرب من نفسيتهم ومداخل عقولهم، كل ذلك مع تعظيم شأن بيوت الله، والتفاني في خدمتها ونظافتها، وإذا رأى الناس منه ذلك وهو عندهم جليل القدر عرفوا مقدارَ توقير بيوت الله، والحاصل أنّ هذا النمطَ من العلماء كانت تتوزع عليهمُ الأمانة، فينهضُ كل واحد منهم بقرية أو مكان، فلا يحتاجُ أحدٌ أن يذهبَ إلى دار الإفتاء أو مشيخة الأزهر إلا فيما ندُرَ، فتتفرغُ المؤسسات الكبرى إلى كبريات المسائل، وهي آمنة مطمئنةٌ إلى قيام علماء النواحي بنواحيهم.