تمثل الدولة المصرية نموذجًا رياديًا في منطقة الشرق الأوسط في تحويل
التوجيهات الأممية والشرعية الخاصة بالوالدين إلى سياسات ومبادرات قومية ملموسة،
تنطلق من رؤية تعامل الوالدية كمهارة ومسؤولية مجتمعية بحاجة للتمكين والدعم
المستمر [وزارة التضامن الاجتماعي المصرية،
حزم الاستثمار الاجتماعي].
وتتكامل هذه الرؤية الوطنية بوضوح مع شعار الاحتفال الدولي لعام٢٠٢٥م تزويد
الوالدين .[اليونيسف، حملة شهر
التربية ٢٠٢٥م]، وتتجلى في ثلاثة محاور استراتيجية رئيسية:
أولًا: المبادرات القومية وبناء الإنسان:
تتبنى مصر استراتيجية متكاملة؛ لدعم الآباء والأمهات في مواجهة تحديات
العصر الرقمي، وضغوط الحياة المعاصرة عبر حزمة من البرامج الوطنية:
جاء هذا البرنامج القومي الفاعل في إطار تكليفات السيد/ رئيس جمهورية
مصر العربية لوزارة التضامن الاجتماعي خلال المؤتمر الوطني السادس للشباب الذي
عُقد بجامعة القاهرة في يوليو ٢٠١٨م. [المؤتمر
الوطني للشباب، جامعة القاهرة، ٢٠١٨م]، وقد نص
التكليف الرئاسي على ضرورة إعداد وتنفيذ برنامج قومي متكامل يُعنى بتأهيل الشباب
والفتيات المقبلين والمقبلات على الزواج. [وزارة التضامن الاجتماعي، قرار إطلاق مودة]، حيث
بادرت الوزارة بإطلاقه مستهدفةً تزويد الآباء والأمهات المستقبليين بالمعلومات
والخبرات، والمهارات التربوية والنفسية والاجتماعية اللازمة؛ لبناء أسرة متماسكة
ومستقرة بما يكفل تجنب التفكك الأسري، ويساعد في دعم البناء القيمي والاجتماعي
للمجتمع المصري [التقرير السنوي لبرنامج مودة،
وزارة التضامن الاجتماعي].
- برنامج
التربية الإيجابية والصحة
الشاملة:
امتدادًا
لهذه الرعاية المؤسسية أطلقت وزارة الصحة والسكان المصرية برنامجًا تدريبيًا
متكاملًا حول التربية الإيجابية يبدأ تنفيذه بين العاملين بالوزارة من الآباء
والأمهات، مع إصدار كتيب توعوي جديد بعنوان (أنت أولًا ليكونوا بخير) بالتعاون
مع منظمة اليونيسف. [وزارة الصحة والسكان المصرية،
بيان إطلاق برنامج التربية الإيجابية]، وتأتي هذه
المبادرة استنادًا إلى مفهوم الوزارة للصحة الشاملة التي لا تقتصر على غياب المرض
الجسدي، بل تمتد لتشمل الاستقرار النفسي والاجتماعي داخل الأسرة؛ نظرًا لأن
المشكلات الأسرية، وضغوط العمل، وصعوبات التواصل تؤثر مباشرة على الجسم وقد تؤدي
إلى أمراض مستقبلية، ويركز
هذا البرنامج المشترك مع منظمة اليونيسف على تدريب الوالدين على أساليب
الرعاية القائمة على الحوار، والذكاء العاطفي، والتهذيب الإيجابي عبر التشجيع
والابتعاد عن العنف البدني أو اللفظي أو الصراخ، محوِّلًا المفاهيم التربوية
الحديثة إلى ممارسات يومية داخل الأسرة المصرية، وينطلق البرنامج من ركيزة أساسية
مفادها أن الرعاية الذاتية للوالدين وصحتهم النفسية هي الخطوة الأولى؛ لتمكينهم من
فهم مراحل نمو الأطفال، واكتشاف ذكاءاتهم، والحد من مخاطر الإفراط في استخدام
الشاشات والهواتف المحمولة؛ لتنشئة أجيال واثقة وقادرة على المشاركة الفعالة في
بناء مستقبل مصر [وزارة الصحة والسكان، محور
التهذيب الإيجابي].
ثانيًا: التطوير التشريعي وحماية الاستقرار الأسري
لم تكتفِ الدولة المصرية بالمبادرات التوعوية، بل سعت لصياغة بيئة
تشريعية تحمي حقوق الوالدين، وتضمن استقرار القلعة الصامدة وهي الأسرة:
- تطوير
قانون الأحوال الشخصية: يشهد
البرلمان والمجتمع المدني نقاشات موسعة لتعديل بنود القانون بما يضمن صيانة حقوق
الطرفين (الأب والأم) بعد الانفصال، مع وضع المصلحة الفضلى للطفل كأولوية قصوى
تمنع النزاعات، وتكفل استمرار الرعاية الوالدية المشتركة.
- تعديلات قوانين العمل: تضمنت
القوانين بنودًا تدعم الأم العاملة (مثل: إجازات رعاية الطفل، وتوفير دور الحضانة
في مقار العمل)، مما يسهم في تخفيف الضغوط الالتزامية عن الوالدين، وتحقيق التوازن
بين دورهم المهني والأسري.
ثالثًا: البنية التحتية والبيئة
الحاضنة للأسرة:
يمتد الدور المصري إلى صياغة
الفضاءات العامة؛ لتكون صديقة للأسرة والوالدين، وهو ما يظهر جليًا في المخططات
العمرانية الحديثة حيث صُممت المشروعات القومية الكبرى، مثل: العاصمة الإدارية
الجديدة والمدن الجيل الرابع؛ لتضم مساحات خضراء شاسعة ومراكز ثقافية
واجتماعية متكاملة تتيح للوالدين قضاء أوقات نوعية مع أبنائهم، مما يعزز الروابط
الأسرية بعيدًا عن صخب الازدحام التقليدي [العاصمة الإدارية الجديدة، التخطيط العمراني المستدام].