Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

١ يونيو اليوم العالمي للوالدين

الكاتب

هيئة التحرير

١ يونيو اليوم العالمي للوالدين

إن تكريم الوالدين ليس نافلةً من القول أو طقسًا احتفاليًا عابرًا، بل هو ميثاقٌ فطري أصيل، وضرورةٌ استراتيجية ترتهن بها سلامة المجتمعات الإنسانية، وصيانة أمنها القومي والقيمي من التفكك والضياع، فكيف يستقيم بنيان أمةٍ تهاوت قلاعها الأسرية الأولى تحت وطأة الماديات وعواصف العولمة الرقمية الشرسة؟!

اليوم العالمي للوالدين في مرآة الأمم المتحدة

إن المتأمل في مسيرة المجتمع الدولي المعاصر يلحظ تناميًا واهتمامًا متزايدًا منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا بالدور المحوري الذي تضطلع به الأسرة في صيانة المجتمعات. [لجنة التنمية الاجتماعية، الأمم المتحدة، قرار٢٣ / ١٩٨٣م]، ولم يكن هذا الاهتمام وليد الصدفة، بل جاء تساوقًا مع إدراك الأمم المتحدة عبر الجمعية العامة بأن الأسرة هي المسؤول الرئيس والأول عن حماية الطفولة ونموها النفسي والبدني المتكامل في بيئة تحيطها المحبة والتفاهم [الجمعية العامة للأمم المتحدة، قرار ٤٤ /٨٢، ١٩٨٩م].

وفي خطوة تاريخية ومفصلية أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ١٧ سبتمبر ٢٠١٢م قرارًا رسميًا يقضي بإعلان يوم الأول من يونيو من كل عام يومًا عالميًا للوالدين [الجمعية العامة للأمم المتحدة، قرار إعلان اليوم العالمي للوالدين، ٢٠١٢م]، وجاء هذا القرار؛ ليمثل فرصة عالمية؛ لتكريم الآباء والأمهات، وتثمين التزامهم بنكران الذات وتضحياتهم مدى الحياة [الأمم المتحدة، بيان اليوم العالمي للوالدين، ٢٠١٢م].

وعند تتبع الجذور التاريخية والسياسية للاحتفال برعاية الوالدين، نجد أن الدول العربية والإسلامية كانت فاعلًا ومؤثرًا أساسيًا في صياغة الفلسفة الدولية تجاه الأسرة، وليس مجرد متلقٍ لها، فرغم الجذور التاريخية في كوريا والولايات المتحدة إلا أن الفلبين بثقلها الثقافي المتقاطع مع القيم الشرقية والإسلامية في أقاليمها كانت سباقة بمأسسة هذا اليوم؛ ففي عام ١٩٨٨م صدر إعلان رئاسي فلبيني حدد الأول من يونيو تحديدًا؛ ليكون عيدًا للوالدين معًا [الإعلان الرئاسي الفلبيني، ١٩٨٨م]، وهو التاريخ الذي اعتمدته الأمم المتحدة لاحقًا كمعيار دولي.

كما شاركت دول كـ (مصر، وإندونيسيا، والسعودية) بفاعلية في تضمين "حقوق الوالدين والمحافظة على الهوية الفطرية للأسرة" في السياسات الوطنية والاتفاقيات الدولية كاتفاقية حقوق الطفل [اليونيسف، السياسات الاجتماعية الوطنية وحزم الاستثمار]، واستثمرت إندونيسيا هذا اليوم عام ٢٠١٦م؛ لتحويل المساجد في جاكرتا إلى مراكز توعوية؛ لتعزيز قيم الطاعة وتحصين الأبناء ضد المؤثرات السلبية [برنامج العمل الخيري الرياضي، جاكرتا، ٢٠١٦م].

دور مصر في رعاية الوالدين

تمثل الدولة المصرية نموذجًا رياديًا في منطقة الشرق الأوسط في تحويل التوجيهات الأممية والشرعية الخاصة بالوالدين إلى سياسات ومبادرات قومية ملموسة، تنطلق من رؤية تعامل الوالدية كمهارة ومسؤولية مجتمعية بحاجة للتمكين والدعم المستمر [وزارة التضامن الاجتماعي المصرية، حزم الاستثمار الاجتماعي].

وتتكامل هذه الرؤية الوطنية بوضوح مع شعار الاحتفال الدولي لعام٢٠٢٥م تزويد الوالدين .[اليونيسف، حملة شهر التربية ٢٠٢٥م]، وتتجلى في ثلاثة محاور استراتيجية رئيسية:

أولًا: المبادرات القومية وبناء الإنسان:

تتبنى مصر استراتيجية متكاملة؛ لدعم الآباء والأمهات في مواجهة تحديات العصر الرقمي، وضغوط الحياة المعاصرة عبر حزمة من البرامج الوطنية:

  • برنامج مودة:

جاء هذا البرنامج القومي الفاعل في إطار تكليفات السيد/ رئيس جمهورية مصر العربية لوزارة التضامن الاجتماعي خلال المؤتمر الوطني السادس للشباب الذي عُقد بجامعة القاهرة في يوليو ٢٠١٨م. [المؤتمر الوطني للشباب، جامعة القاهرة، ٢٠١٨م]، وقد نص التكليف الرئاسي على ضرورة إعداد وتنفيذ برنامج قومي متكامل يُعنى بتأهيل الشباب والفتيات المقبلين والمقبلات على الزواج. [وزارة التضامن الاجتماعي، قرار إطلاق مودة]، حيث بادرت الوزارة بإطلاقه مستهدفةً تزويد الآباء والأمهات المستقبليين بالمعلومات والخبرات، والمهارات التربوية والنفسية والاجتماعية اللازمة؛ لبناء أسرة متماسكة ومستقرة بما يكفل تجنب التفكك الأسري، ويساعد في دعم البناء القيمي والاجتماعي للمجتمع المصري [التقرير السنوي لبرنامج مودة، وزارة التضامن الاجتماعي].

  • برنامج التربية الإيجابية والصحة الشاملة:

امتدادًا لهذه الرعاية المؤسسية أطلقت وزارة الصحة والسكان المصرية برنامجًا تدريبيًا متكاملًا حول التربية الإيجابية يبدأ تنفيذه بين العاملين بالوزارة من الآباء والأمهات، مع إصدار كتيب توعوي جديد بعنوان (أنت أولًا ليكونوا بخير) بالتعاون مع منظمة اليونيسف. [وزارة الصحة والسكان المصرية، بيان إطلاق برنامج التربية الإيجابية]، وتأتي هذه المبادرة استنادًا إلى مفهوم الوزارة للصحة الشاملة التي لا تقتصر على غياب المرض الجسدي، بل تمتد لتشمل الاستقرار النفسي والاجتماعي داخل الأسرة؛ نظرًا لأن المشكلات الأسرية، وضغوط العمل، وصعوبات التواصل تؤثر مباشرة على الجسم وقد تؤدي إلى أمراض مستقبلية، ويركز هذا البرنامج المشترك مع منظمة اليونيسف على تدريب الوالدين على أساليب الرعاية القائمة على الحوار، والذكاء العاطفي، والتهذيب الإيجابي عبر التشجيع والابتعاد عن العنف البدني أو اللفظي أو الصراخ، محوِّلًا المفاهيم التربوية الحديثة إلى ممارسات يومية داخل الأسرة المصرية، وينطلق البرنامج من ركيزة أساسية مفادها أن الرعاية الذاتية للوالدين وصحتهم النفسية هي الخطوة الأولى؛ لتمكينهم من فهم مراحل نمو الأطفال، واكتشاف ذكاءاتهم، والحد من مخاطر الإفراط في استخدام الشاشات والهواتف المحمولة؛ لتنشئة أجيال واثقة وقادرة على المشاركة الفعالة في بناء مستقبل مصر [وزارة الصحة والسكان، محور التهذيب الإيجابي].

ثانيًا: التطوير التشريعي وحماية الاستقرار الأسري

لم تكتفِ الدولة المصرية بالمبادرات التوعوية، بل سعت لصياغة بيئة تشريعية تحمي حقوق الوالدين، وتضمن استقرار القلعة الصامدة وهي الأسرة:

  • تطوير قانون الأحوال الشخصية: يشهد البرلمان والمجتمع المدني نقاشات موسعة لتعديل بنود القانون بما يضمن صيانة حقوق الطرفين (الأب والأم) بعد الانفصال، مع وضع المصلحة الفضلى للطفل كأولوية قصوى تمنع النزاعات، وتكفل استمرار الرعاية الوالدية المشتركة.
  • تعديلات قوانين العمل:  تضمنت القوانين بنودًا تدعم الأم العاملة (مثل: إجازات رعاية الطفل، وتوفير دور الحضانة في مقار العمل)، مما يسهم في تخفيف الضغوط الالتزامية عن الوالدين، وتحقيق التوازن بين دورهم المهني والأسري.

ثالثًا: البنية التحتية والبيئة الحاضنة للأسرة:

يمتد الدور المصري إلى صياغة الفضاءات العامة؛ لتكون صديقة للأسرة والوالدين، وهو ما يظهر جليًا في المخططات العمرانية الحديثة حيث صُممت المشروعات القومية الكبرى، مثل: العاصمة الإدارية الجديدة والمدن الجيل الرابع؛ لتضم مساحات خضراء شاسعة ومراكز ثقافية واجتماعية متكاملة تتيح للوالدين قضاء أوقات نوعية مع أبنائهم، مما يعزز الروابط الأسرية بعيدًا عن صخب الازدحام التقليدي [العاصمة الإدارية الجديدة، التخطيط العمراني المستدام].

الوالدين في العصر الرقمي وجناية الإهمال الصامت

إن المتأمل في واقع الأسرة المعاصرة يلحظ تحولًا عميقًا فرضته ثورة الاتصالات؛ فبينما كان التضامن العائلي قديمًا يتم داخل فضاء اجتماعي رحب يضم الأجداد والأقارب، انتقل المجتمع إلى نمط الأسرة المحدودة، وانكفأ الأبناء على عالمهم الافتراضي. [خالد التوزاني، المركز المغربي للاستثمار الثقافي]، ولم يعد العقوق في عصر الرقمنة مقتصرًا على مظاهره التقليدية من غلظة القول أو الهجر المادي، بل برز نمط جديد من الجحيم الأسري يمكن تسميته بـ "الإهمال الرقمي الصامت".

مظاهر الإهمال الرقمي في حق الوالدين:

يتخذ إهمال الوالدين في العصر الرقمي صورًا متعددة داخل البيت الواحد حيث يُترك الآباء والأمهات في عزلة وجدانية رغمًا عن وجود الأبناء جسديًا، ومن أبرز هذه المظاهر:

  • العزلة على مائدة الطعام: تحولت الأوقات المباركة التي كانت تجمع العائلة تاريخيًا كوجبات الطعام وفترات ما قبل النوم إلى مساحات ينشغل فيها كل فرد بشاشته الخاصة، مما يضعف الاستماع والتركيز بسبب تعدد المصادر الرقمية.
  • تراجع السلطة الرمزية، وغياب الحوار: تراجعت مكانة الوالدين التوجيهية؛ لأن الأبناء لم يعودوا يتلقون القيم منهما، بل أصبح الهاتف والمنصات الرقمية يملؤون هذا الفراغ، مما جعل الأبناء يستبدلون الحوار المباشر بالرسائل المقتضبة والباردة.
  • العيش الافتراضي، وهجر الواقع: أصبح استعراض اللحظات العائلية والمشاعر عبر الإنترنت مَطْلَبًا مقدمًا على العيش الحقيقي لها، فيُهمل الابن والده المستلقي بجواره طلبًا للتفاعل الافتراضي، محولًا بر الوالدين إلى مجرد صورة أو منشور على وسائل التواصل الاجتماعي.

الوالدين في المنظور الإسلامي والفهم المقاصدي

يقودنا ميزان النظر الفقهي والاستراتيجي إلى قضيةٍ فكرية يثيرها بعض المتنطعين على ظواهر النصوص؛ حيث يعارض فريقٌ مشروعية الاحتفاء بـــ "اليوم العالمي للوالدين" بدعوى أن الإسلام قد حث على البر واستدامته في كل آنٍ وحين، وليس في يومٍ عابر؛ مستندين في مجمل إنكارهم إلى عموم قوله جل وعلا: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّاۤ إِیَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَیۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ﴾ [الإسراء: ٢٣]، والرد الشرعي التأصيلي والمقاصدي المنضبط ينقض هذه الشبهة من ثلاثة وجوه جليلة:

الأول: مشروعية الوسائل المحدثة لتفعيل المقاصد: إن تخصيص يومٍ بعينه؛ للتذكير بحقوق الوالدين لا يعدو أن يكون من باب الوسائل المحدثة المباحة التي تخدم المقاصد الشرعية الكلية؛ فإذا كان البر فرضًا عينيًا مستدامًا، فإن إحياء ذكره في فضاءٍ زمني محدد يُعد وسيلةً حضارية وآليةً دعوية؛ لإيقاظ الغافلين، واستنهاض الهمم، وتذكير الأجيال بواجباتها في زمنٍ تلاطمت فيه أمواج الماديات.

الثاني: تمثيل شكر المُنعِم، والاعتراف بالفضل: لقد سما التشريع الإسلامي بمكانة الوالدين حين قرن الحق سبحانه وتعالى شكره عز وجل بشكرهما في محكم التنزيل بقوله تعالى: ﴿أَنِ ٱشۡكُرۡ لِی وَلِوَٰلِدَیۡكَ إِلَیَّ ٱلۡمَصِیرُ﴾ [لقمان: ١٤]، ومن ثمَّ، فإن هذا الاحتفاء السنوي ما هو إلا مظهرٌ من مظاهر الشكر العام، وترجمةٌ عملية؛ للاعتراف بالفضل الجميل، وتجسيدٌ لقيمة الوفاء الإنساني والشرعي التي دعت إليها الرسالة المحمدية.

الثالث: أولوية البر وفلسفة الحب السلوكي: إن الشريعة الغراء قد جعلت قضاء حوائج الوالدين والقيام على خدمتهما مقدمًا على ذروة سنام الإسلام وهو الجهاد في سبيل الله تعالى، صيانةً لكيان الأسرة، كما ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - حين أتى رجلٌ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يستأذنه في الجهاد فقال: «أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟» قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» [رواه البخاري في "صحيحه" رقم ٣٠٠٤ ومسلم في "صحيحه" رقم ٢٥٤٩] وبناءً عليه، فإن كل المبادرات التربوية التي تدعو إلى الحب السلوكي، والتعامل مع الخطأ التربوي كفرصةٍ للتعلم والبناء لا للألم والإقصاء، هي في حقيقتها لبُّ الأخلاق الإسلامية وعين مقاصدها الحامية للإنسان.

وفي ذات السياق المقاصدي ينظر الفقه الإسلامي المعاصر إلى ما أفرزته العولمة الرقمية من صدودٍ تقني باعتباره بابًا خطيرًا ومستحدثًا من أبواب العقوق، وتتجلى خطورة هذه الظاهرة في الآتي:

إن بر الوالدين في الإسلام واجبٌ عيني مستدام، يمتد في حياتهما، ويستمر بعد رحيلهما كما جاء في وعيد سيدنا النبي - صلى الله عليه وسلم: «رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ، ثُمَّ رَغِمَ أَنْفُ»، قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ عِنْدَ الْكِبَرِ، أَحَدَهُمَا أَوْ كِلَيْهِمَا فَلَمْ يَدْخُلِ الْجَنَّةَ» [رواه مسلم في "صحيحه" رقم ٢٥٥١].

وعليه؛ فعندما يترك الابنُ والديه في فراغٍ عاطفي وعزلةٍ وجدانية؛ ليملأ وقته بالمنصات الرقمية كـ (تيك توك وغيره) أو ينساق خلف رفقة السوء الافتراضية، فإنه يرتكب إثمًا شرعيًا محققًا وجنايةً تربوية مكتملة الأركان؛ لأن قوة ارتباط المجتمعات وتماسكها لا تقوم أبدًا على حسن المعاملة المادية الجافة القائمة على الإنفاق المالي الفاقد للروح، بل ترتكز أساسًا على الإنصات الواعي، والحضور العاطفي الكامل، والقدوة الحية داخل المحيط الأسري [خالد التوزاني، منشورات المركز المغربي للاستثمار الثقافي، ٢٠٢٤م، ص ٤٢].

الخلاصة

إن صيانة الوالدين في هذا العصر المتسارع ليست مجرد ترفٍ وعظي، بل هي فريضةٌ شرعية وضرورةٌ مجتمعية تفرض على المؤسسات والأفراد حراسة الفطرة، وتحصين المنابت الأولى؛ فبصلاح المحيط الأسري، وعودة الإنصات العاطفي الواعي تتشكل الهوية الأخلاقية للأمة، وتُبنى الأجيال القادرة على قيادة دفة المستقبل بوعيٍ وثبات.

موضوعات ذات صلة

حقوق الوالدين تُعد من أبرز وأهم الحقوق التي يحث عليها الإسلام

تلتقي القيم الإسلامية مع الرؤية العالمية لبناء مجتمع مستقر ومترابط

شواهد السنة المطهرة تؤكد على حُسن الصحبة والاستمرارية في البر بعد الرحيل

في عالم تتعدد فيه التحديات وتتشابك فيه العلاقات تبقى الأسرة الملاذ الأول للإنسان

تسري القيم في كل آيات القرآن الكريم

موضوعات مختارة