Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

مسجد السلطان حسن

مسجد السلطان حسن

(مسجد السلطان حسن)

درة العمارة الإسلامية في الشرق

في قلب القاهرة القديمة، بجوار قلعة صلاح الدين، يتربع مسجد السلطان حسن كأحد أعظم إنجازات العمارة الإسلامية في العالم. يُوصف بأنه أيقونة الجمال المعماري و"دُرَّة مساجد القاهرة المحروسة"، ويمثل ذروة نضوج الفن المملوكي، حتى عُدّ من أعاجيب الدنيا في العمارة.

أنشأه السلطان الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون خلال الفترة من ٧٥٧هـ / ١٣٥٦م إلى ٧٦٤هـ / ١٣٦٣م، في عهد المماليك البحرية، على أنقاض قصر قديم كان بسوق الخيل. ضم البناء مسجدًا ومدرسةً للمذاهب الأربعة، كما خُصص لتدريس التفسير والحديث والقراءات، بالإضافة إلى مكتبين لتحفيظ الأيتام وتعليمهم.

يتميّز المسجد بضخامته وتناسق عناصره، وتخطيطه الفريد، خاصة إيوان القبلة، وقبته الخشبية الرائعة التي عُدّت الرابعة من نوعها في مصر. وقد كشفت نصوص أثرية لاحقة أن شاد عمارة المسجد هو محمد بن بيليك المحسني، بينما لا يُعرف اسم المعماري الأصلي، ويُرجَّح أنه كان أجنبيًا متأثرًا بالطراز السلجوقي.

رغم اغتيال السلطان حسن قبل إتمام المسجد، تولى الطواشي بشير الجمدار إتمام ما تبقى منه، وافتُتحت المدرسة في حياة السلطان، وأقيمت بها الصلوات والدروس وخصص لها وقف ضخم.

أما السلطان حسن نفسه، فقد كانت حياته مليئة بالتقلبات؛ تولى الحكم صغيرًا، ثم عُزل، فعاد للحكم، ثم انتهى به المطاف مقتولًا في ظروف غامضة عام ٧٦٢هـ / ١٣٦١م، ولم يُعرف له قبر.

مسجد السلطان حسن اليوم لا يزال شامخًا، بجوار مسجد الرفاعي وعدد من الجوامع التاريخية، شاهدًا خالدًا على عبقرية العمارة الإسلامية وثراء العصر المملوكي.

مدرسة السلطان حسن.

منارة العلم والمجد المملوكي

لم يكن مسجد السلطان حسن تحفة معمارية فقط، بل كان أيضًا صرحًا علميًا شامخًا، حيث أمر السلطان بإنشاء مدرسة كبرى لتدريس المذاهب الفقهية الأربعة (الشافعي، الحنفي، المالكي، الحنبلي)، وعين لكل مذهب شيخًا ومائة طالب، بينهم نخبة من المتقدمين.

كما ضمت المدرسة أقسامًا خاصة لتعليم التفسير والحديث والقراءات السبع، ومكاتب لتحفيظ الأيتام وتعليمهم الخط، مع توفير الرعاية الكاملة من طعام وكسوة. وعُين ثلاثة أطباء دائمين (باطني، عيون، جراح) لرعاية الطلاب والموظفين.

قلعة للعلم، وساحة صراع

نظرًا لموقع المدرسة المواجه لقلعة الجبل، استخدمها بعض المماليك كموقع عسكري لضرب القلعة أثناء الفتن، ما دفع السلاطين مثل الظاهر برقوق وأبو سعيد وطومان باي لاتخاذ قرارات بهدم سلالم المنارات وسد المداخل لمنع استخدامها في النزاعات.

روعة التصميم: صحن وأربعة إيوانات

تتبع المدرسة نمط التعامد المعماري بأربعة إيوانات تحيط بصحن مكشوف تتوسطه فسقية رائعة. كان المخطط بناء أربع مآذن، اكتملت ثلاث فقط وسقطت إحداها، فأُلغيت الرابعة، وتبلغ مساحة البناء حوالي ٧٩٠٠ م²، ويصل طول الواجهة الشرقية إلى ١٥٠ م، وتضم القبة الضخمة التي تعد من أضخم القباب الخشبية في مصر، بارتفاع يتجاوز ١٨ مترًا، وتعلوها زخارف دقيقة ومحراب مكسو بالرخام، ورغم أن القبة أنشئت لتكون تربة السلطان حسن وذريته، إلا أنه لم يُدفن بها بسبب مقتله الغامض. وقد دُفن فيها ابناه: الشهاب أحمد وإسماعيل، وظلت شاهدة على روعة الفن الإسلامي.

وتُحيط بالصحن مدارس للمذاهب الأربعة، أكبرها الحنفية، وكانت كل مدرسة تتألف من إيوان وصحن وفسقية، ومرافق متعددة، منها دورة مياه تحت الأرض بمساحة ٤١٢ م²، وساقية لتوصيل المياه.

أعمال ترميم المسجد عام ١٩١٥م

شهد مسجد ومدرسة السلطان حسن جهودًا متواصلة على مدار العقود للحفاظ على رونقه التاريخي، بداية من سنة ١٩٠٢م، حين شرعت لجنة حفظ الآثار العربية، تحت إشراف المهندس هرتس باشا، في تنفيذ أعمال ترميم دقيقة. وقد شملت هذه الأعمال استكمال بناء المنارتين، وإصلاح الجدران، والرخام، والأرضيات، والزخارف، مما أعاد للمسجد هيبته المعمارية. وانتهت هذه المرحلة في منتصف عام ١٩١٥م، وبلغت تكلفة المشروع حينها ٤٠ ألف جنيه مصري.

وفي عام ٢٠١٢م، بدأت وزارة الآثار المصرية تنفيذ خطة شاملة لصيانة المسجد، استهدفت معالجة التصدعات التي ظهرت في بعض الجدران، وترميم حائط القبلة وكرسي المقرئ، بالإضافة إلى صيانة القبة الضريحية وفسقية الصحن. كما شملت الأعمال تطوير شبكة الكهرباء الداخلية، وتغيير السجاد، وتحديث منظومة المياه لحماية المنطقة الأثرية.

ومن أبرز إجراءات التطوير أيضًا: تركيب بوابة إلكترونية، وكاميرات مراقبة، بتكلفة بلغت نحو ٧٨ ألف جنيه، وربطها بغرفة تحكم مركزية، لتأمين المسجد على مدار الساعة. كما أُنشئت مكتبة تراثية تضم كتبًا متخصصة في تاريخ مصر الإسلامي، وتم تخصيص مساحات للأنشطة الثقافية والدينية والتربوية، إضافة إلى منطقة خدمية مجهزة لخدمة الزوار، مع تشجير وتجميل المنطقة المحيطة بما يليق بقيمة المسجد التراثية.

ورغم الجهود المبذولة، لم يسلم المسجد من بعض الحوادث؛ ففي ٢٨ مايو ٢٠٢١م، سقط جزء من الرفرف الخشبي الحديث لقبة الفوّارة، وهو جزء تم استحداثه ضمن ترميمات لجنة الآثار سنة ١٩٠٢م. كما تعرض المسجد لسرقة بعض الحشوات الخشبية من "كرسي المصحف" المقابل للضريح، كما اختفى أحد البابين الأثريين المجاورين للمحراب الرئيسي في إيوان القبلة.

ويُعد مسجد السلطان حسن اليوم واحدًا من أبرز المعالم السياحية في القاهرة الإسلامية، ويقصده الزوار من مختلف الثقافات والجنسيات. وتُقام فيه مدرسة صغيرة لتحفيظ القرآن الكريم للأطفال، وتنظَّم به حلقات دراسية وندوات ثقافية ودينية. يُفتح المسجد للزيارة يوميًا من الساعة التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساءً، وفي شهر رمضان يمتد فتحه حتى انتهاء صلاة التراويح.

أقوال المؤرخين

قال عنه المؤرخ ابن تغري بردي: "إن هذه المدرسة ومتذتها وفيها من عجائب الدنيا، وهي أحسن بناء بني في الإسلام"، وقد وصفه المقريزي بقوله: «فلا يعرف في بلاد الإسلام معبد من معابد المسلمين يحاكي هذا الجامع وقبته التي لم يبن بديار مصر والشام والعراق والمغرب واليمن مثلها»

وعندما تقف أمام مسجد السلطان حسن، تشعر أنك أمام معجزة حجرية تسرد فصول القوة والهيبة والفن. هذا الصرح ليس مجرد بناء، بل هو قصيدة عمارة تنطق بتاريخ دولة، وعصر، وسلطان. فمن أراد أن يرى كيف يكون الجمال مرآة للسلطة، وكيف يُحاكي الحجر خلود التاريخ، فليزر مسجد السلطان حسن، ففي كل زاوية منه عظمةٌ تأبى النسيان.

الموقع علي خرائط Google