Prayer Icon
Prayer Icon

...

00

:

00

:

00

Cairo, Egypt
Prayer arrow

الفجر

تحميل...

الظهر

تحميل...

العصر

تحميل...

المغرب

تحميل...

العشاء

تحميل...

الإيثار

الكاتب

عبد العظيم منصور

الإيثار

الإيثار من أسمي الفضائل ومن مكارم الأخلاق وله فضل كبير في القضاء على شهوة النفوس بين الإنسانية وتحريرها من شرورها ذات الآثار السيئة على الأنظمة الاجتماعية والتي تدفع الإنسان وتسوقه الى طلب ما ليس يطلبه من قيمة مادية أو معنوية كما أنه خلق يتحلى به النبي ﷺ والصحابة رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

مفهوم الإيثار

فضيلة من أسمى الفضائل، وخصلة من أكرم الخصال، ودعامة من دعائم غنى النفس وتقوية الإيمان، خصها الإسلام بالذكر، وأعلى قدرها بالشكر.

لعبت دورًا كبيرًا في واقع الإسلام، فكانت بحق صفة خالدة مكّنت للإسلام في بدء الدعوة يوم كانت النفوس على ظهر الأرض غارقة في شهواتها وملذاتها ومطامعها ومطامحها، ويوم كانت الدنيا بأسرها مسرحًا للحكم الجائر المستبد من ملوك اتخذوا بلاد الله دولًا، وعباد الله خولًا، يأكلون أموال الناس بالباطل، ويوم كانت البشرية بأفرادها كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية ليس لها من يرعاها ولا من يأخذ بيدها، ويوم كانت الأثرة البغيضة والأنانية القاتلة تسيطر على تصرفات الأفراد كمستوى رسمي للسلوك بينهم.

ومن دياجير الظلام انبعث الإيثار نورًا يضئ للبشرية ما أظلم من حياتها، وتوارت الأثرة والأنانية فلم يصبح لها سلطان على أرواح المسلمين ونفوسهم وقلوبهم، ولا تأثير لهم في أخلاقهم وميولهم واجتماعهم، يستوي في ذلك الحاكم والمحكوم، الملك والسوقة، الغني والفقير وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف بلاد الإسلام.

ولقد كان للبناء الاجتماعي الإسلامي الذي قام على الإيثار المشدود بروح الإخلاص الذي فرضته العقيدة الإسلامية أثره الكبير في مستقبل الدعوة الإسلامية، ومن أقوى العوامل في القضاء على الأثرة والأنانية آفة حقوق الإنسان وحرياته.

فائدة الإيثار

كما كان للإيثار الفضل الذي لا ينكر في القضاء على شهوات النفوس الإنسانية، وتحريرها من شرورها ذات الآثار السيئة على الأنظمة الاجتماعية، والتي تدفع الإنسان وتسوقه قهرًا إلى طلب ما ليس له أن يطلبه من قيمه مادية أو معنوية إلى غير ذلك من أمور يعتبر الحصول عليها طريقًا إلى السعادة الدنيوية، ولو على حساب أصحاب الحقوق الشرعيين.

ويجب أن نقرر أن ما وضعه المشرع الحكيم من قيم أخلاقية أوردها القرآن الكريم وسنَّها الرسول العظيم - كالإيثار مثلًا - مقصود بها الامتثال والتأسي، وليست موضوعة ليكون الإنسان على الخيار بالنسبة لها إن شاء عمل بها وإن شاء طرحها؛ لأنها دائمًا ما ترد على أنها صفة من صفات المؤمنين بمعنى أن الإيمان يكتمل بكلها، وينقص بقدر ما نقص منها، والإيثار هو إسقاط حظوظ النفس والعمل على إعانة الخلق.

والإيثار على النفس وهو أعرق في إسقاط الحظوظ، وذلك بأن يترك حظه لحظ غيره اعتمادًا على صحة اليقين، وإصابة لعين التوكل، وتحملًا للمشقة في عون الأخ في الله على المحبة من أجله، وهو من محامد الأخلاق وزكيات الأعمال، وهو ثابت من فعل رسول الله ﷺ، ومن خلقه المرضي.

الإيثار في حياة النبي ﷺ

وقد كان عليه الصلاة والسلام «أجود الناس بالخير من الريح المرسلة»، وقالت له خديجة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: "إنك تحمل الكلّ، وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق"، وحمل إليه تسعون ألف درهم، فوضعت على حصير ثم قام إليها يقسمها، فما رد سائلاً حتى فرغ منها. وجاءه رجل فسأله فقال:«ما عندي شيء ولكن ابتع على فإذا جاءنا شيء قضيناه»، فقال له عمر: ما كلفك الله مالا تقدر عليه، فكره النبي ﷺ ذلك، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله!  أنفق ولا تخف من ذي العرش اقلالًا، فتبسم النبي ﷺ وعرف البشر في وجهه وقال: «بهذا أمرت». [الموافقات في أصول الشريعة، ج ٢، ص ٢٥٥].

أنواع الإيثار

والإيثار ضربان:

إيثار بالملك من المال، وبالزوجة بفراقها لتحل للمؤثر، كما في حديث المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وإيثار بالنفس كما في الصحيح أن أبا طلحة ترس على النبي ﷺ يوم أحد، وكان النبي ﷺ يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله، يصبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ووقى بيده رسول الله ﷺ فشلت، وهو معلوم من فعله عليه الصلاة والسلام، إذا كان في غزوة أقرب الناس إلى العدو.

ولقد فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعًا قد سبقهم إلى الصوت وقد استبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ والسيف في عنقه، وهو يقول: «لن تراعوا»، وهذا فعل من آثر بنفسه.

وحديث علي بن أبي طالب في مبيته على فراش رسول الله ﷺ إذ عزم الكفار على قتله مشهور .

وفي المثل السائر: "والجود بالنفس أقصى غاية الجود".

ومن الصوفية من يعرف المحبة بأنها الإيثار، وقد أجمع العلماء على فضيلة الإيثار بالطعام ونحوه من أمور الدنيا وحظوظ النفس، بخلاف القربات فإن الحق فيها لله.

وهذا مع ما قبله - وهو الإيثار بالمال - على مراتب، والناس في ذلك مختلفون باختلاف أحوالهم في الاتصاف بأوصاف التوكل المحض واليقين التام.

وقد ورد أن النبي ﷺ قبل من أبي بكر جميع ماله، ومن عمر النصف، وردّ أبا لبابة وكعب بن مالك إلى الثلث، والإيثار - هنا - مبني على إسقاط الحظوظ العاجلة، فتحمل المضرة اللاحقة بسبب ذلك لا عتب فيه إذا لم يخل بمقصد شرعي. (الموافقات في أصول الشريعة، ج ٢، ص ٢٥٦)

وتبيانًا لفضيلة الإيثار يصف النبي ﷺ الأشعريين بما كانوا يفعلوه إسقاطًا لحظوظ النفس وتقديمًا لحظوظ الغير بقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الاشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد فهم مني وأنا منهم». (الموافقات في أصول الشريعة، ج ٢، ص ٣٥).

وفي هذا يقول الشاطبي: إن مسقط الحظ هنا قد رأى غيره مثل نفسه، وكأنه أخوه أو ابنه أو قريبه أو يتيمه أو غير ذلك ممن طلب بالقيام عليه ندبًا أو وجوبًا، وإنه قام في خلق الله بالإصلاح والنظر، والتسديد فهو على ذلك واحد منهم.

فإذا صار كذلك لم يقدر على الاحتجان لنفسه دون غيره فمن هو مثله، بل ممن أمر بالقيام عليه، كما أن الأب الشفيق لا يقدر على الانفراد بالقوت دون أولاده، فعلى هذا الترتيب كان الأشعريون - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فقال عليه الصلاة والسلام: «فهم مني وأنا منهم»؛ لأنه - عليه الصلاة والسلام - كان في هذا المعنى الإمام الأعظم، وفي الشفقة الأب الأكبر؛ إذ كان لا يستبد بشيء دون أمته. وفي مسلم عن أبي سعيد قال: "بينما نحن في سفر مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له. قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا. فقال رسول الله ﷺ: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له».

 قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لاحق لأحد منا في فضل".

وفي الحديث أيضًا: «إن في المال حقًّا سوى الزكاة»، ومشروعية الزكاة والإقراض والعارية والمنحة وغير ذلك مؤكدًا لهذا المعنى، وجميعه جاء على أصل مكارم الأخلاق.

وقد استعرض الإمام الشاطبي أحاديث للنبي - عليه الصلاة والسلام - وهي تلك التي تعد المسلمين جسدًا واحدًا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وأن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وأن المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما يحبه لنفسه، وغير ذلك من أحاديث تشير إلى هذا المعنى، ثم قال: فلا يكون شد المؤمن للمؤمن على التمام إلا بهذا المعنى وأسبابه، وكذلك لا يكونون كالجسد الواحد إلا إذا كان النفع واردًا عليهم على السواء، كل أحد بما يليق به، كما أن كل عضو من الجسد يأخذ من الغذاء بمقدار قسمة عدل لا يزيد ولا ينقص، فلو أخذ بعض الأعضاء أكثر مما يحتاج إليه أو أقل لخرج عن اعتداله.

وأصل هذا من الكتاب ما وصف الله به المؤمنين من أن بعضهم أولياء بعض، وما أمروا به من اجتماع الكلمة، والأخوة وترك الفرقة وهو كثير. (الموافقات في أصول الشريعة، ج ٢، ص ٣٥٣ - ٣٥٤).

مواقف خالدة في الإيثار

وواقع الإسلام التاريخي مشحون بمواقف الإيثار بالنفس والمال من مسلمين تنازلوا عن أهوائهم وأنانيتهم، فأصبحوا عبيدًا لله لا يملكون من أنفسهم وأموالهم شيئًا ما دام في ذلك مرضاة للخالق، وطمأنينة للنفس يسوق من أمثلة ذلك يسيرًا من الواقع التاريخي.

ويروي البلاذري أنه لما ظهر رسول الله ﷺ على أموال بني النضير فكانت مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، فقال الرسول للأنصار ليست لإخوانكم من المهاجرين أموال، فإن شئتم قسمت هذه وأموالكم بينكم وبينهم جميعًا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم، وقسمت هذه فيهم خاصة، فقالوا بل قسم هذه فيهم واقسم لهم من أموالنا ما شئت فنزلت الآية الكريمة: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} [الحشر:٩]، فقال أبو بكر: جزاكم الله معشر الأنصار خيرًا. (فتوح البلدان للبلاذري ص ٣٣ وما بعدها)

وفي يوم اليرموك يروي ابن كثير أن المسلمين لما صرعوا من الجراح استسقوا ماء فجيء إليهم بشربة ماء، فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الاخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، تدافعوها كلهم من واحد إلى واحد، حتى ماتوا جميعًا ولم يشربها أحد منهم. (البداية والنهاية، ج ٧ ص ١٢).

ولما انتقلت إمرة الشام من خالد بن الوليد إلى أبي عبيدة بن الجراح بعد أن بويع عمر بن الخطاب بالخلافة، تجلى الإيثار بروعته وجلاله في نفس القائدين العظيمين، فأبو عبيدة يكتم الخبر عن خالد خشية أن يؤثر ذلك في سير الحرب المستعرة، حتى إذا فتحت دمشق وبعد عشرين ليلة يخبر خالدًا ويقول له: "إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا أريد، ولا للدنيا أعمل، وما ترى سيصير إلى زوال وانقطاع وإنما نحن أخوان وما يضر الرجل أن يليه أخوه في دينه ودنياه". (البداية والنهاية ج ٧ ص ٢٣).

وفيما يرويه الإمام أحمد في مسنده مثلًا للإيثار الفذ، فقد جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله ﷺ في مواريث قد درست ليس بينهما بينة، فقال لهما رسول الله ﷺ: إنكم تختصمون إليَّ، وانما أنا بشر، ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار يأتي بها أسطاما في عنقه يوم القيامة، فبكى الرجلان، وقال كل واحد منهما حقي لأخى، فقال لهما رسول الله ﷺ: أما إذا قلتما ذلك فاذهبا فاقتسما ثم توخيا الحق ثم استهما – أي: اعملا قرعة على القسمين بعد قسمهما - ثم ليحل كل واحد منكما صاحبه.

ولم يكن الإيثار في ميادين الحرب من شأن الجندي وحده، بل كان القائد هو الآخر أسرع الى الإيثار وأشد استمساكًا به، فلقد رأينا القائد يلازم جنوده وقد انتشر الطاعون وعمَّ البلاء، ويرفض نداء الخليفة بالعودة إليه فرارًا من المرض، مفضلًا البقاء بين جنوده، ولو كان الموت أقرب إليه من حبل الوريد. 

ففي عام طاعون عمواس بالشام، لمَّا اشتعل الوجع وبلغ ذلك عمر كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح بالشام ليستخرجه منه، فقال: سلام عليك .. أما بعد، فإنه قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك بها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا أن لا تضعه من يدك حتى تقبل إليّ،  وكان من الممكن أن يسارع أبو عبيدة إلى أمير المؤمنين امتثالًا لأمر قائده، وفرارًا من الطاعون، ولكن سلطان الضمير تفوق على جميع الاعتبارات، ففضل البقاء بين المقاتلين المسلمين حتى يقضي الله فيه وفيهم أمره وقضاءه، ولو كان في البقاء حتفه وهلاكه ثم كتب الى أمير المؤمنين: (يا أمير المؤمنين: إني قد عرفت حاجتك إليّ، وإني في جند من المسلمين، لا أجد بنفسي رغبة عنهم فلست أريد فراقهم حتى يقضى الله فيّ وفيهم أمره وقضاءه، فخلني من عزمتك يا أمير المؤمنين، ودعني في جندي)، فلما قرأ عمر الكتاب بكى، فقال الناس: يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيده ؟ قال: وكأن قد. (البداية والنهاية، ج ٧، ص ٧٨)

ولما حضرت خالدًا الوفاة بكى ثم قال: "لقد حضرت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة سيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير فلا نامت أعين الجبناء". وهو القائل أيضًا: "ما ليلة يهدى إليَّ فيها عروس أو أبشر فيها بغلام بأحب إليَّ من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو". (البداية والنهاية، ج ٧، ص ١١٤)

وسيرة خالد كلها، في كل غزوة خرج ليقاتل أعداء الله وأولياء الشيطان كانت قمة سامقة في الإيثار بالنفس.

هذا هو الإيثار، خلق إسلامي متقدم، وقمة سامقة عالية، نقل البشرية أشواطًا بعيدة على طريق العزة والكرامة، وقضى تمامًا على نوازع الأثرة والأنانية.

وما أحوج المسلمين إليه اليوم، يطهر نفوسهم، ويزكي أرواحهم، ويعيد بناء الحياة من جديد على ما ينبغي أن تستقيم عليه الحياة ولا تستقيم على سواه.

الخلاصة

الْإِيثَارُ فضيلةٌ إسلاميةٌ عظيمةٌ، وقمة سامقة عالية، نقل البشرية أشواطًا بعيدة على طريق العزة والكرامة، وقضى تمامًا على نوازع الأثرة والأنانية. وما أحوج المسلمين إليه اليوم، يطهر نفوسهم، ويزكي أرواحهم، ويعيد بناء الحياة من جديد على ما ينبغي أن تستقيم عليه الحياة ولا تستقيم على سواه.

موضوعات ذات صلة

هي  وصفٌ لفكر الإنسان وسلوكه دون غيره من المخلوقات.

هي استعداد ثابت لممارسة الخير.

هو خلق كريم يدل على لين الجانب وحسن المعاملة.

موضوعات مختارة