والإيثار ضربان:
إيثار
بالملك من المال، وبالزوجة بفراقها لتحل للمؤثر، كما في حديث المؤاخاة بين
المهاجرين والأنصار، وإيثار بالنفس كما في الصحيح أن أبا طلحة ترس على النبي ﷺ يوم
أحد، وكان النبي ﷺ يتطلع ليرى القوم، فيقول له أبو طلحة: لا تشرف يا رسول الله،
يصبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، ووقى بيده رسول الله ﷺ فشلت، وهو معلوم من
فعله عليه الصلاة والسلام، إذا كان في غزوة أقرب الناس إلى العدو.
ولقد
فزع أهل المدينة ليلة فانطلق ناس قِبَلَ الصوت، فتلقاهم رسول الله ﷺ راجعًا قد سبقهم إلى
الصوت وقد استبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ والسيف
في عنقه، وهو يقول: «لن تراعوا»، وهذا
فعل من آثر بنفسه.
وحديث
علي بن أبي طالب في مبيته على فراش رسول الله ﷺ إذ عزم الكفار على قتله مشهور .
وفي
المثل السائر: "والجود بالنفس أقصى غاية الجود".
ومن
الصوفية من يعرف المحبة بأنها الإيثار، وقد أجمع العلماء على فضيلة الإيثار
بالطعام ونحوه من أمور الدنيا وحظوظ النفس، بخلاف القربات فإن الحق فيها لله.
وهذا
مع ما قبله - وهو الإيثار بالمال - على مراتب، والناس في ذلك مختلفون باختلاف
أحوالهم في الاتصاف بأوصاف التوكل المحض واليقين التام.
وقد
ورد أن النبي ﷺ قبل من أبي بكر جميع ماله، ومن عمر النصف، وردّ أبا لبابة وكعب بن
مالك إلى الثلث، والإيثار - هنا - مبني على إسقاط الحظوظ العاجلة، فتحمل المضرة
اللاحقة بسبب ذلك لا عتب فيه إذا لم يخل بمقصد شرعي. (الموافقات في أصول الشريعة،
ج ٢، ص ٢٥٦)
وتبيانًا
لفضيلة الإيثار يصف النبي ﷺ الأشعريين بما كانوا يفعلوه إسقاطًا لحظوظ النفس
وتقديمًا لحظوظ الغير بقوله عليه الصلاة والسلام: «إن الاشعريين إذا أرملوا في
الغزو أو قلَّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد، ثم اقتسموه
بينهم في إناء واحد فهم مني وأنا منهم». (الموافقات في أصول الشريعة، ج ٢، ص
٣٥).
وفي
هذا يقول الشاطبي: إن مسقط الحظ هنا قد رأى غيره مثل نفسه، وكأنه أخوه أو ابنه أو
قريبه أو يتيمه أو غير ذلك ممن طلب بالقيام عليه ندبًا أو وجوبًا، وإنه قام في خلق
الله بالإصلاح والنظر، والتسديد فهو على ذلك واحد منهم.
فإذا
صار كذلك لم يقدر على الاحتجان لنفسه دون غيره فمن هو مثله، بل ممن أمر بالقيام
عليه، كما أن الأب الشفيق لا يقدر على الانفراد بالقوت دون أولاده، فعلى هذا
الترتيب كان الأشعريون - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ، فقال عليه الصلاة والسلام: «فهم
مني وأنا منهم»؛ لأنه -
عليه الصلاة والسلام - كان في هذا المعنى الإمام الأعظم، وفي الشفقة الأب الأكبر؛ إذ كان لا يستبد بشيء دون أمته. وفي مسلم عن أبي سعيد قال: "بينما نحن في سفر
مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له. قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا.
فقال رسول الله ﷺ: «من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل
من زاد فليعد به على من لا زاد له».
قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه
لاحق لأحد منا في فضل".
وفي
الحديث أيضًا: «إن في المال حقًّا سوى الزكاة»، ومشروعية الزكاة والإقراض
والعارية والمنحة وغير ذلك مؤكدًا لهذا المعنى، وجميعه جاء على أصل مكارم الأخلاق.
وقد
استعرض الإمام الشاطبي أحاديث للنبي - عليه الصلاة والسلام - وهي تلك التي تعد
المسلمين جسدًا واحدًا إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، وأن
المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، وأن المؤمن يحب لأخيه المؤمن ما
يحبه لنفسه، وغير ذلك من أحاديث تشير إلى هذا المعنى، ثم قال: فلا يكون شد المؤمن
للمؤمن على التمام إلا بهذا المعنى وأسبابه، وكذلك لا يكونون كالجسد الواحد إلا
إذا كان النفع واردًا عليهم على السواء، كل أحد بما يليق به، كما أن كل عضو من
الجسد يأخذ من الغذاء بمقدار قسمة عدل لا يزيد ولا ينقص، فلو أخذ بعض الأعضاء أكثر
مما يحتاج إليه أو أقل لخرج عن اعتداله.
وأصل
هذا من الكتاب ما وصف الله به المؤمنين من أن بعضهم أولياء بعض، وما أمروا به من
اجتماع الكلمة، والأخوة وترك الفرقة وهو كثير. (الموافقات في أصول الشريعة، ج ٢، ص
٣٥٣ - ٣٥٤).