ومن مظاهر الاهتمام بالأخلاق الاجتماعية، تحريم الإسلام السخرية بالناس، بسبب ما يكون عليه بعضهم من ميزة، مادية أو معنوية، كما ينهاهم عن لمز بعضهم البعض احتقارا واستصغارا فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: ١١].
وتماشيًا مع سياسة الإسلام في الاهتمام بالأخلاق الاجتماعية نهى عن الظن والتجسس والغيبة بسبب ما تؤدى إليه من البغض والكراهية والقطيعة أعدى أعداء التآلف والتآخي والتعارف بين البشر فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ} [الحجرات: ١٢]، وجاءت الأحاديث تترى وتتتابع تنهى المسلمين عن التخلق بمثل تلك الأخلاق حفظًا لجلال الأخوة وقدسيتها، وحرصًا على النظام الاجتماعي من التصدع والانهيار فقال رسول الله ﷺ فيما يرويه البخاري: «إياكم والظن فان الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا»، ويروى عن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قوله: "ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المؤمن إلا خيرًا وأنت تجد لها في الخير محملا" (تفسير القرآن العظيم لابن كثير سورة الحجرات).
ونظر ابن عمر يوم إلى الكعبة فقال: "ما أعظك وأعظم حرمتك والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك" (تفسير القرآن العظيم لابن كثير سورة الحجرات)
ويعرض الرسول عليه الصلاة والسلام المشاهد الكثيرة عظة وعبرة لكل من تسول له نفسه النيل من أخيه المسلم بل وأخيه الإنسان نورد منها بعض ما أورده ابن كثير في تفسيره لسورة الحجرات فيقول عليه الصلاة والسلام: «من أكل برجل مسلم أكلة فان الله يطعمه مثلها في جهنم، ومن كُسي ثوبا برجل مسلم فان الله يكسوه مثله في جهنم، ومن قام برجل مقام سمعة ورياء فان الله تعالى يقوم به مقام سمعة ورياء يوم القيامة».
ويقول عليه الصلاة والسلام: «لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم قلت من هؤلاء يا جبريل، قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم».
وتمشيا مع سياسة الإسلام الإيجابية وإيقاظه للقيم الكامنة في النفس الإنسانية لم يكتف بمجرد الدعوة الى الامتناع عن التعرض للمسلمين فيما يؤذيهم ويضرهم في أعراضهم وأنفسهم وأموالهم، بل حرضهم على حماية المسلمين والانتصار لهم، واعتبر كل من يخذل مسلم في موطن يجب فيه الانتصار له مستحقًا لسخط الله وغضبه، ومما أورده ابن كثير في تفسيره لسورة الحجرات نسوق قول النبي ﷺ:
«من حمى مؤمنًا من منافق يغتابه، بعث الله تعالى إليه ملكًا يحمى لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مؤمنا بشيء يريد سبه حبسه الله تعالى على جسر جهنم حتى يخرج مما قال».
«ما من امرى يخذل امرءا مسلم في موضع تنتهك فيه حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله تعالى في مواطن يحب فيها نصرته، وما من امرىء ينصر امرءا مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله عز وجل في مواطن يحب فيها نصرته».
ومن شرائط الدين في مجال الأخلاق الاجتماعية:
التي ينبغي أن تصطبغ بها تصرفات الأفراد والجماعات ، احترام حرمة النفس حتى يشعر الأفراد بشعور الطمأنينة والثقة، فلا ينبغي لأحد أن يتتبع عورة أخيه أو يعيره بعيب فيه ، سواء أكان ذلك بدافع من الفضول البشرى على سبيل المتعة الخاصة ، أو كشفا لأسرار من سترهم الله رحمة بهم » وفي هذا يقول الرسول عليه الصلاة والسلام كما أورد ابن كثير : «يا معشر من آمن بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه لا تغتابوا المسلمين ولا تتبعوا عوراتهم فإن من يتبع عورات المسلمين يتبع الله عورته ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله» (تفسير ابن كثير سورة الحجرات).
ومن مظاهر الاهتمام بالأخلاق الاجتماعية نهى الإسلام عن الحسد وحقيقته أن يكره الإنسان نعمة الله على أخيه فيحب زوالها عنه وفي هذا يقول تعالى: {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ} [النساء: ٥٤]
ويقول أيضا: {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} [الزخرف: ٣٢]
ويقول: «لا تمدن عينيك الى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى} [طه ١٣١].
ولا شك أن الحسد خلق ذميم مضر بالبدن مفسد للدين حتى لقد أمر الله تعالى بالاستعاذة منه فقال تعالى: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}.
وكفي بالحسد مقتا أن يكون سبب أول جريمة على الأرض يعنى حسد ابن آدم لأخيه فقتله: {فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين} ولو لم يكن من ذم الحسد إلا أنه خلق دنيء يتوجه نحو الأكفاء والأقارب ويختص بالمخالط والمصاحب لكانت النزاهة عنه كرما والسلامة منه مغنما فكيف وهو بالنفس مضر وعلى الهم مصر حتى ربما أفضى بصاحبه الى التلف من غير نكاية في عدو ولا اضرار بمحسود (ادب الدنيا والدين ص ٢٤٢).
وعلى الطريق إلى تحقيق الأخلاق الاجتماعية الفاضلة يبغض الاسلام حب الجاه والرياسة، وانتشار الصيت والسمعة بين الناس، قال عليه الصلاة والسلام فيم رواه الطبراني «حسب ابن آدم من الشر إلا من عصمه الله تعالى أن يشار اليه بالأصابع في دينه ودنياه» (تنوير القلوب) وقتل روح الأخوة بين المسلمين، وقطع حبل المودة بينهم خلق ذميم، لما يؤدى اليه من افساد وقطيعة، يقول تعالى: {وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ} [القلم: ١٠].
والكذب خلق اجتماعي بغيض لأن الاخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه من أقبح الذنوب، قال تعالى: {فَتَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ} [آل عمران: ٦١]
وعن عبد الله بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنه قال: "أصدق الحديث كلام الله وأشرف الحديث ذكر الله تعالى وشر العمى عمى القلوب وما قل وكفي خير مما كثر وألهى وشر الندامة ندامة يوم القيامة وخير الغنى غنى النفس وخير الزاد زاد التقوى والخمر جماع الاثم والنساء حبائل الشيطان والشباب شعبة من الجنون وشر المكاسب كسب الربا وأعظم الخطايا اللسان الكذوب" (تنوير القلوب).
ولا شك أن الصدق زين الأولياء والكذب علامة الأشقياء كما بين الله تعالى في كتابه فقال: {صَدَقَ اللَّهُ} [المائدة: ١١٩]
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: ١١٩]
وقد ذم الله الكاذبين ولعنهم فقال تعالى: {قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ} [الذاريات: ١٠]
وكثرة الكلام هي الأخرى خلق اجتماعي بغيض وصفة مذمومة يتولد منها أمور محرمة أو مكروهة، ولا يكب الناس في النار الا حصائد ألسنتهم، فان من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ومن كثرت ذنوبه فالنار أولى به.
وقال بعض البلغاء الزم الصمت فانه يكسبك صفو المحبة، ويؤمنك سوء المغبة، ويلبسك ثوب الوقار، ويكفيك مؤنة الاعتذار .
وللكلام شروط لا يسلم المتكلم من الزلل الا بها ولا يعرى من النقص الا بعد أن يستوفيها وهي: أربعة:
- أولا: أن يكون الكلام لداع يدعو اليه اما في اجتلاب نفع أو دفع ضرر.
- والشرط الثاني: أن يأتي به في موضعه ويتوخى به اصابة فرصته.
- والشرط الثالث: أن يقتصر منه على قدر حاجته.
- والشرط الرابع: أن يتخير اللفظ الذي يتكلم به (أدب الدنيا والدين ص ٢٤٨٢٤٧).
هذه عينات من الاخلاق الاجتماعية التي يبغضها الإسلام لما تؤدى إليه من قتل روح الأخوة بين المسلمين، وإحلال التنافر بينهم محل المحبة والألفة، لذا يحرص الإسلام على اقتلاع جذورها وأشباهها ونظائرها من النفس الإنسانية، وغرس الاخلاق الفاضلة في نفوس المسلمين، إبقاء على وحدتهم وتضامنهم، ليكونوا كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الاعضاء بالسهر والحمى.