لقد تأثر رواد (مدرسة الديوان النقدية) وهم: (عباس محمود العقاد،
وإبراهيم عبد القادر المازني، وعبد الرحمن شكري) في نزعتهم الجديدة بالأدب الإنجليزي، وبالشعراء والكُتَّاب
الرومانسيين بصفة خاصة، ووقفوا موقف عداء ورفض سافر لشعراء المدرسة الكلاسيكية التي
كانوا يسمونها بالمدرسة المحافظة، ويسمون شعراءها بالمقلّدين، وكان رفضهم للتقليد
دافعًا لهم إلى البحث عن بديل، وقد اطمأنت نفوسهم إلى أشعار الرومانسيين فأخذوا
بكثير من مبادئها، والتقوا في هذا بالخطوط العربية التي كان (مطران) يدعو
إليها ويحققها في شعره.
وهذه المبادئ هي أنهم: طالبوا
أن يكون الشعر تجربة شعرية لها طابعها الفردي.
·
نزعوا إلى الشعر الوجداني الذي يحمل سمات
صاحبه النفسية، ويبرز شخصيته المتميزة.
·
طالبوا بالوحدة الفنية في القصيدة، اهتموا
بالخيال وأولوه عناية خاص.
·
دعوا إلى ما يعرف بالشعر المرسل؛ أي: أن
القصيدة لا تنتهي بقافية موحدة بل ينتهي كل بيت منها بقافية خاصة؛ لأنهم يرون أن
القافية الموحدة فيها رتابة مملة للسامع.
·
كان لكل منهم طابعه الخاص المرتبط بتجاربه
النفسية ومزاجه الخاص.
ولقد نادى العقاد -رحمه الله- بمبادئ المدرسة، فقال موجهًا الكلام
لشوقي: اعلم أيها الشاعر العظيم، أن الشاعر من يشعر بجوهر الأشياء لا من يعددها
ويحصي أشكالها وألوانها، وليست مزية الشاعر أن يقول لك عن الشيء ماذا يشبه، وإنما
مزيته أن يقول لك ما هو، ويكشف لك عن لُبابه وصلة الحياة به.
ولقد قال العقاد في مهرجان (شوقي) الذي أقامه المجلس الأعلى
لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية، يوضح رأيه في شوقي، ويبين موضع الخلاف
بينهما فقال:
إنه كان عَلَما للمدرسة التي انتقلت بالشعر من دور الجمود والمحاكاة
الآلية إلى دور التصرف والابتكار، فجُمعت له جملة المزايا والخصائص التي تفرَّقت في
عصره، ومضى يشرح ذلك فقال:
إن البارودي كان فوقه في روعة المتانة والفخامة والجزالة، ولكنه عوَّض
ذلك بما يضارعه ويفوقه، وخاصة في منظوماته الأخيرة، من سلاسة اللفظ وعذوبة العبارة
ورِقَّة النغمة الموسيقية.
كان ينازع السيطرة الأجنبية التي طغت واستبدت، ولم يحجم عن المشاركة في
المواقف الوطنية التي يقتضيها الواجب الوطني، ومضى يشيد بشعره التاريخي قائلا عن
قصيدته (كبار الحوادث في وادي النيل): إنها عمل مستقل المقصد، مجتمع
الأجزاء، يصح أن ينفرد وحده في بابه، كأنه شريط متسلسل من أشرطة الصور المتحركة،
يعرض للناظرين مواقف الدول والمناسك والأديان من أقدم عصور وادي النيل.
وأشاد بمسرحياته ونظمه في المواعظ والأمثال، ثم
قال: كان شوقى علمًا لمدرسة الشعر في مطلع النهضة الأدبية، التي بدأت في منتصف
القرن التاسع عشر، وكان حظ العَلَم في حالتيه يلتف به شيعته في معسكره، ويرميه
الرماة من المعسكر الآخر، الذي يناجزه ويدعو إلى غير دعوته.