وينقسم
السماع إلى إملاء من الشيخ أو تحديث من حفظه [الإلماع، ص: ٦٩ - القاضي عياض – ط ١ -دار
التراث – القاهرة - ١٣٨٩ه/ ١٩٧٠م]، والتلميذ غالبًا
ما يكون في يده كتاب الشيخ نقله قبل السماع، وفي بعض الأوقات يكون حافظًا لحديث
الشيخ فيسمعه من غير كتاب في يده.
وهكذا
كان السماع مصاحبًا للكتاب في معظم الأحيان، وفي هذا زيادة فائقة في توثيق السنة
ونقلها نقلا صحيحا.
وهناك
وسيلة أخرى لتحمل الحديث هي أيضًا من السماع، وإن كان أصحاب الحديث قد اختاروا لها
مصطلحًا آخر، وهي العرض على الشيخ أو القراءة على الشيخ، وفيها يسمع الشيخ من أحد
التلاميذ، فالتلميذ يقرأ والشيخ يسمع، يقول ابن الصلاح
في هذا الوجه من وجوه التحمل: «من أقسام الأخذ والتحمل القراءة على الشيخ، وأكثر
المحدثين يسمونها عرضا، وسواء كنت أنت القارئ أو قرأ غيرك وأنت تسمع وقرأت من كتاب
أو من حفظك أو كان الشيخ يحفظ ما يقرا عليه أو لا يحفظ، لكن يمسك أصله هو أو ثقة غيره» [مقدمة ابن الصلاح ص: ٣١٨-٣١٩].
وهنا
أيضا يبدو الكتاب أوضح من الطريقة الأولى في مصاحبتها مما يعطي توثيقًا كبيرا في
تحمل السنة بها.
وكما
قلنا، إن هذه الطريقة سماع في حقيقتها وتؤدى الهدف نفسه، ولهذا فقد رأينا بعض
العلماء يجيز لمن تحمل الأحاديث بها أن يقول عند الأداء: حدثني، وسمعت [الإلماع ص: ٧٠-٧١].
وممن
روى عنه أنه يجيز "حدثني" مالك، ومنصور بن المعتمر وعطاء بن أبى رباح، وأبو حنيفة، والزهري، وزفر بن الحارث، والأوزاعي وغيرهم رحمهم الله.
وممن
أجاز أن يقول القارئ على الشيخ: "سمعت" عند الأداء: سفيان الثوري وأبو حنيفة رحمهما الله تعالى. [المحدث الفاصل، ص: ٤٢٢].
ومما
يدل على أن هذه الطريقة سماع أن الذين اشترطوا السماع لم يفصلوا في كون هذا لسماع
قراءة من الشيخ أو سماعا منه أي «عرضًا».
وأفضل
السماع ما كان إملاء من الشيخ، لأن فيه التؤدة ومصاحبة الكتابة، ولهذا كثر
الراغبون في هذا اللون، وكثرة الراغبين في هذا قد تؤدي إلى تفويت فائدته: لأنه قد لا
يصل صوت الشيخ إلى كل التلاميذ الموجودين، ولهذا اتخذ الشيوخ مستمليين يبلغون عنهم
ما يروون، بحيث يسمع جميع الحاضرين والمستمليين يقول ابن الصلاح: "ويستحب
للمحدث العارف عقد مجلس لإملاء الحديث، فإنه من أعلى مراتب الراوين".
والسماع
فيه من أحسن وجوه التحمل وأقواها، وليتخذن مستمليًا يبلغ عنه إذا كثر الجمع، فذلك
دأب أكابر المحدثين المتصديين لمثل ذلك، وممن روى عنه ذلك: مالك، وشعبة، ووكيع، وأبو عاصم، ويزيد
بن هارون [مقدمة ابن الصلاح ص ٤٢٤].
واشترطوا
في هذا المستملي أن يكون محصلًا، متيقظًا، جهوري الصوت وأن يكون على موضع مرتفع،
وأن يتبع لفظ المحدث، فيؤديه على وجهه من غير خلاف [المصدر السابق ص ٤٢٥].
ولما
كان السماع بالمعنى الذي ذكرن هو أهم وسيلة لتحمل السنة وأدائه أداء صحيحًا فقد
حرص المحدثون على أن يسجلوا على الكتب والمصنفات الحديثية في أولها أو في آخرها أو
في حواشيها من سمعوا هذه الكتب ومن قرأوها على الشيوخ وتواريخ ذلك، ومن سمعها
جميعها، ومن سمع بعضها، وسميت هذه بالسماعات، وكان ذلك حتى لا يدعى مدع أنه سمع
هذه الكتب أو أحاديث منها وهو لم يسمع.
وسجلوا
أيضا من كتبوا هذه «السماعات» وعرفوا خطوطهم، واعتبروا أن كل تغيير في خطوط هذه
السماعات أو إضافات لها مما يفسد هذه السماعات، ويتهم من يثبت عليه ذلك أو يدعى
السماع وهو لم يسمع بأنه كذاب أو سارق للأحاديث، وهذا يطعن في عدالته، وبالتالي في
روايته. [المصدر
السابق ص ٣٨٦ - ٣٨٧].
وهذا
قليل من كثير اتخذت فيه الحيطة في صيانة السنة وروايتها على وجهها الصحيح دون
تحريف، سواء أكان هذا التحريف عن عمد أو غير عمد.