بدأ جمع السنة النبوية في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالاعتماد بشكل أساسي على الحفظ في الصدور وكتابات متفرقة للصحابة بإذن منه، مع وجود نهي عن كتابة الحديث كان مخصصًا لكتّاب القرآن الكريم لمنع خلطه به.
بدأ جمع السنة النبوية في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالاعتماد بشكل أساسي على الحفظ في الصدور وكتابات متفرقة للصحابة بإذن منه، مع وجود نهي عن كتابة الحديث كان مخصصًا لكتّاب القرآن الكريم لمنع خلطه به.
جمع السنة لغة: جمع المتفرق جمعًا، أي: ضم بعضه إلى بعض [المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية ١٤٠/١ دار المعارف].
واصطلاحًا: ضم بعض السنة إلى بعض في كتب جامعة كالمسانيد والجوامع والسنن، بحيث يتيسر العثور على الحديث عند الحاجة إليه.
وقد اختلف هذا الجمع بحسب الحاجة إليه والوسائل المستخدمة فيه، ففي عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- جُمعت السنة في الأذهان، وفي صُحف متفرقة كَتَبَ فيها مَن احتاج الكتابة من الصحابة، وساعد على هذا الجمع ارتباط السنة بحياتهم العملية في العبادات، والمعاملات، ونظام الحكم، وتفسير القرآن، وقد كَتَبَ الحديث جماعة من الصحابة بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أو بإذنه صراحًة أو إقرارًا [راجع صحيح البخاري - كتاب العلم - باب كتابه العلم، ومسند أحمد ٢ /١٦٦ - دار صادر].
وما ورد عند أحمد، ومسلم من النهي عن كتابة الحديث موجه إلى كُتَّاب القرآن؛ لئلا يختلط القرآن الكريم بالحديث النبوي في الكتابة، ففي رواية أحمد: «لَا تَكْتُبُوا عَنِّي شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ، فَمَنْ كَتَبَ عَنِّي شَيْئًا سِوَى الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ» [مسند أحمد ١٧٦/٢]، ومع ثبوت كتابة الحديث في عصر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعصر الصحابة، فإن الاعتماد في الرواية كان على الحفظ والضبط في الصدر أو الكتاب، والاتصال المباشر بين الراوي ومن يروي عنه، حذرًا من التصحيف والتحريف والاعتماد على المكتوب وحده؛ لأن الحديث مصدر للأحكام الشرعية، والخطأ في قراءته يترتب عليه ضرر كبير، أما قول من قال: إن آثار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عهد أصحابه لم تكن مدونة في الجوامع ولا مرتبة [أول مقدمة فتح الباري] فلا ينافي الكتابة؛ وإنما يدل على عدم الترتيب والتصنيف في هذا العصر؛ أي: جمع الأحاديث المكتوبة بحسب الأبواب أو الموضوعات على نظام التأليف الذي تم بعد ذلك.
وقد جمع الباحثون ما كتبه الصحابة وما كتبه التابعون عنهم، وذكروا من ذلك صحيفة: (همام بن منبه عن أبى هريرة، وصحيفة جابر ابن عبد الله، وصحيفة سمرة بن جندب) [دراسات في الحديث النبوي: للأعظمي ٩٢١ إلى نهاية الجزء، طبعة المكتب الإسلامي].
وعزم بعض الخلفاء كأبي بكر، وعمر، وعمر بن عبد العزيز، على تدوين السنة؛ أي: جمع ما عند الناس منها في دواوين تحفظها الدولة وتنشرها بين الناس [السابق]، فلم يتيسر ذلك واستمرت المحاولات التي تقوم بها الدولة إلى الآن، ولم تصل دولة منها إلى ذلك.
ومن هنا اعتمد جمع السنة على جهود علماء الأمة في كل عصر، ولم يقتصر جمعها على عالم أو علماء دولة من دول الإسلام دون غيرها من بقية الدول.
قال الخطيب: ولم يكن علم الحديث مدونًا أصنافًا، ولا مؤلفًا كتبًا وأبوابًا في زمن المتقدمين من الصحابة والتابعين.
يُعد أول من صنف الكتب الجامعة للأحاديث المروية على نسق خاص هم: سعيد بن أبى عروبة، وعبد الملك بن عبد العزيز، وابن جريج، والأوزاعي، والربيع بن صبيح، وشعبة بن الحجاج، وحماد ابن سلمة، ومعمر بن راشد، والثوري، ومالك، وهؤلاء العلماء من بلاد الإسلام المختلفة، ثم تلاهم من بعدهم من اهتم بأمر التأليف.
كان التأليف على طريقتين:
أ- التصنيف على أبواب الفقه: وتم ذلك وفق الموضوع الذي ورد فيه الحديث كالصلاة والحج والجهاد، وبحسب ما يشتمل عليه كل موضوع من الأبواب كالركوع، والسجود، والقراءة في الصلاة، وكانوا يضمون إلى حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المُسند المتصل، الحديث المرسل، والموقوف على الصحابة، وأقوال من بعدهم من التابعين ممن ثبتت عدالة رجاله، واستقامت أحوال رواته، وعلى ذلك كانت أكثر كتب المتقدمين.
ب- التصنيف على طريقة المسانيد: ولا يُجمع في المُسند إلا الحديث المرفوع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويُضم حديث كل صحابي إلى بعضه، ويُرتب الصحابة في المسانيد بحسب السبق في الإسلام أو الصلة النسبية برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، أو ترتب أسماؤهم على حروف المعجم، فيقدم من يبدأ اسمه بالألف ثم الباء وهكذا [الجامع لآداب الراوي والسامع: للخطيب البغدادي ٨٠/٢ -٢٩٢ ط: مكتبة المعارف بالرياض بالسعودية].
وفي القرن الثالث الهجري ظهرت كتب (الصحاح) التي اقتصرت على الحديث المستوفي لشروط (الصحيح) بحسب منهج المصنف، كصحيح البخاري، ومسلم، ثم من تبعهم في تأليف الصحيح، وكان هناك مصنفات في السنة بحسب موضوع معين كالإيمان والصلاة والجهاد ونحو ذلك، وهكذا استقر جمع السنة في كتب الأصول تخدمها فهارس ومفاتيح ومصنفات في قواعد علوم الحديث، ودراسة الرواة، وبيان علل الحديث وشرح الأحاديث.
جَمْعُ السُّنة بدأ بحفظها في الصدور وكتابة متفرقة في زمن الرسول- صلى الله عليه وسلم-، واعتمد الصحابة على الحفظ المباشر والكتابة الجزئية، ورغم وجود نهي عن الكتابة، إلا أن ذلك كان خاصًا بكُتاب القرآن الكريم حتى لا يُختلط به، بينما سُمح بكتابة الحديث بإذن الرسول- صلى الله عليه وسلم- وبدأ التصنيف المنظم للأحاديث في القرن الثاني الهجري بجهود فردية من علماء مختلف البلدان الإسلامية. وظهر نوعان من التأليف: حسب الموضوعات الفقهية، وحسب مسانيد الصحابة، ثم لاحقًا كُتب الصحاح المعتمدة على شروط الصحة، واعتمد جمع السنة على جهود العلماء لا الدول، حتى استقرت في كتب أصولية مدعومة بفهارس، وعلوم الحديث، وشرح الروايات.