الحديث المعلق هو الحديث الذي يُحذف من أول إسناده راوٍ أو أكثر على التوالي، وقد يُحذف الإسناد كله.
وزارة الأوقاف المصرية
المنصة الرسمية لوزارة الأوقاف
الحديث المعلق هو الحديث الذي يُحذف من أول إسناده راوٍ أو أكثر على التوالي، وقد يُحذف الإسناد كله.
التعليق في اللغة: أن يناط الشيء بالشيء العالي: تقول: علقت الشيء أعلقه تعليقًا، وقد علق به إذا لزمه، والقياس واحد [مقاييس اللغة ٤/١٢٥].
والتعليق في الحديث مأخوذ من تعليق الجدار أو الطلاق بجامع قطع الاتصال، على أن البعض كالبلقيني: ذهب إلى أن أخذه من تعليق الجدار ظاهر بخلاف تعليق الطلاق؛ لأن الطلاق ليس فيه قطع بل هو تعليق أمر على أمر، في حين ذهب البعض الآخر إلى أن أخذه من تعليق الطلاق أقرب؛ للسببية لأنهما معنويان، وهو ما ذهب إليه الإمام ابن حجر في (تغليق التعليق)، وتبعه عليه السخاوي في (فتح المغيث)] فتح المغيث ١/٦٤[، وعلى القاري في شرح: شرح النخبة [شرح: شرح نخبة الفكر ورقة ٢٠٨].
المعلق في اصطلاح المحدثين: ما حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر على التوالي من غير تدليس وقد يحذف الإسناد كله ويعزى الحديث إلى من فوق المحذوف بصيغتي الجزم أو التمريض.
۱- قال البخاري في صحيحه كتاب البيوع باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، وقال الليث عن أبي الزناد: كان عروة بن الزبير يحدث عن سهل بن أبي حثمة الأنصاري، من بني حارثة: أنه حدثه عن زيد ابن ثابت - رضي الله عنه - قال: كان الناس في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبايعون الثمار، فإذا جد الناس وحضر تقاضيهم، قال المبتاع: إنه أصاب الثمر الدمان، أصابه مراض، أصابه قشام، عاهات يحتجون بها، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كثرت عنده الخصومة في ذلك: «فَإِمّا لا، فلا تَتَبايَعُوا حتّى يَبْدُوَ صَلاحُ الثَّمَرِ»، ومعلوم أن البخاري لم يدرك الليث ولا سمع منه؛ لأن الليث مات سنة (١٧٥هـ) وولد البخاري (١٩٤هـ).
٢- وقال مسلم في صحيحه كتاب العلم باب اتباع سنن اليهود والنصارى من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ، شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِراعًا بِذِراعٍ ...... الحديث».
قال مسلم: وحدثنا عدة من أصحابنا عن سعيد بن أبي مريم أخبرنا أبو غسان وهو محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم بهذا الإسناد نحوه.
أولا: الأحاديث المعلقة في صحيح مسلم:
الأحاديث المعلقة في صحيح مسلم قليلة بلغ بها العراقي أربعة عشر موضعًا ذكر منها موضعًا في التيمم حيث قال مسلم: روى الليث بن سعد فذكر حديث أبي الجهم بن الحرث بن الصمة أقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ... الحديث، ثم ذكر حديثين أحدهما في البيوع والثاني في الحدود رواهما متصلين ثم رواهما معلقين.
قال العراقي: "فعلى هذا ليس في كتاب مسلم بعد المقدمة حديث معلق لم يصله إلا حديث أبي الجهم المذكور، وفيه بقية أربعة عشر موضعًا رواه متصلًا ثم عقبه بقوله: ورواه فلان وقد جمعها الرشيد العطار في غرر الفوائد وقد تبينت ذلك كله في كتاب جمعته فيما تكلم فيه من أحاديث الصحيحين بضعف أو انقطاع، والله أعلم" [التقييد والإيضاح ٣٣].
وقد وضح ابن حجر كلام العراقي في إحصائه وحكمه فقال بعد أن ذكرها جميعًا: "فهي اثنا عشر حديثًا فقط ستة منها بصيغة التعليق وستة منها بصيغة الاتصال - أي حدثني وحدثت - لكن أبهم في كل واحد منهما اسم من حدثه، فإن الشيخ يرى أنها منقطعة كما يقول الجياني ومن تبعه" [النكت لابن حجر ١/٣٤٤ وما بعدها].
ثانيا: الأحاديث المعلقة في البخاري وبيان حكمها:
بلغ عدد الأحاديث المعلقة في صحيح البخاري (١٣٤١) حديث، وقد عقد العلامة الخبير بصحيح البخاري الحافظ ابن حجر فصلًا في (هدي الساري) مقدمة فتح الباري وهو الرابع منها جعله في: (بيان السبب في إيراد البخاري للأحاديث المعلقة مرفوعة وموقوفة وشرح أحكام ذلك)؛ حيث بين أن الأحاديث المعلقة في صحيح البخاري جاءت على صورتين:
الصورة الأولى: ما أورده البخاري بصيغة الجزم كقال، وروى، وأمر، وفعل، وذكر فلان، وهذه الصيغ محكوم بصحة الحديث المستعملة فيه عن المضاف إليه لأنه لا يستجيز أن يجزم بذلك عنه إلا وقد صح عنده عنه؛ لكن لا يحكم بصحة الحديث مطلقًا بل يتوقف على النظر فيمن أبرز من رجاله، وتلك الصورة أنواع:
النوع الأول: ما يلتحق بشرطه، والسبب في عدم إيصاله:
١- إما الاستغناء بغيره عنه مع إفادة الإشارة إليه وعدم إهماله بإيراده معلقًا اختصارًا.
٢- وإما كونه لم يسمعه من شيخه أو سمعه مذاكرة أو شك في سماعه فما رأى أنه يسوقه مساق الأصول، ومن أمثلة ذلك قوله في الوكالة قال عثمان ابن الهيثم: حدثنا عون حدثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بزكاة رمضان الحديث وأورده في فضائل القرآن وذكر إبليس ولم يقل في موضع منها حدثنا عثمان فالظاهر عدم سماعه له منه.
قال ابن حجر: وقد استعمل هذه الصيغة فيما لم يسمعه من مشايخه في عدة أحاديث فيوردها منهم بصيغة قال فلان ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبينهم كما قال في التاريخ قال إبراهيم بن موسى حدثنا هشام ابن يوسف فذكر حديثًا، ثم قال حدثوني بهذا عن إبراهيم، ولا يلزم في ذلك أن يكون مدلسًا، لأن لفظ (قال) لا يحمل على السماع إلا ممن عرف عن عادته أنه لا يطلق ذلك إلا فيما سمع.
النوع الثاني: ما لا يلتحق بشرطه، وهذا النوع يدور بين أحوال ثلاثة:
(۱) إما أن يكون صحيحًا على شرط غيره: كقوله في الطهارة: وقالت عائشة -رضي الله عنها- "كانَ النبيُّ - صَلّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ - يَذْكُرُ اللَّهَ على كُلِّ أحْيانِهِ"، أخرجه مسلم في صحيحه.
(۲) وإما أن يكون حسنًا صالحًا للحجة: كقوله فيه وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده: "اللَّهُ أحقُّ أن يستَحيى مِنهُ" وهو حديث حسن مشهور أخرجه أصحاب السن.
(۳) وإما أن يكون ضعيفًا لا من جهة قدح في رجاله بل من جهة انقطاع يسير في إسناده، ومثاله: قوله في الزكاة: وقال طاووس قال معاذ بن جبل لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب الحديث فإسناده إلى طاووس صحيح إلا أن طاووسًا لم يسمع من معاذ.
الصورة الثانية: وهي صيغة التمريض مثل ويذكر عن فلان، ويروى ... وهكذا، وهذه الصيغة لا يستفاد منها الصحة إلا من علق عنه لكن ما ورد في البخاري منها على أوجه: منها:
۱- ما هو صحيح على شرط البخاري وهو نادر جدًا ولا يستعمل ذلك إلا حيث يورد ذلك الحديث المعلق بالمعنى كقوله في الطب: "ويذكر عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرقى بفاتحة الكتاب فإنه أسنده في موضع آخر من طريق عبيد الله بن الأخنس عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن نفرًا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مروا بحي فيهم لديغ فذكر الحديث في رقيتهم للرجل بفاتحة الكتاب وفيه قول النبي – صلى الله عليه وسلم - لما أخبروه بذلك : «إنَّ أحَقَّ ما أخَذْتُمْ عليه أجْرًا كِتابُ اللَّهِ»، فهذا كما ترى لما أورده بالمعنى لم يجزم به إذ ليس في الموصول أنه ذكر الرقية بفاتحة الكتاب إنما فيه أنه لم ينههم عن فعلهم فاستفيد ذلك من تقريره.
۲- ومنها ما هو صحيح إلا أنه ليس على شرطه ولكن على شرط غيره، ومثاله: ما قاله البخاري في الصلاة: "ويذكر عن عبد الله بن السائب قال: قرأ النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤمنون في صلاة الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع)، وهو حديث صحيح على شرط مسلم أخرجه في صحيحه إلا أن البخاري لم يخرج لبعض رواته.
٣- ومنه ما هو حسن، ومثاله: قوله في البيوع ويذكر عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «إذا بِعتَ فكِلْ وإذا ابتعتَ فاكتلْ»، وهذا الحديث قد رواه الدارقطني من طريق عبد الله بن المغيرة وهو صدوق عن منقذ مولى عثمان، وقد وثق عن عثمان به، وتابعه عليه سعيد بن المسيب، ومن طريقه أخرجه أحمد في المسند إلا أن في إسناده ابن لهيعة ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث عطاء عن عثمان وفيه انقطاع، فالحديث حسن لما عضده من ذلك.
٤- ومنها ما هو ضعيف لا عاضد له إلا أنه على وفق العمل، ومثاله: قوله في كتاب الوصايا باب تأويل قول الله تعالى: {مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍ} ويذكر عن النبي – صلى الله عليه وسلم: أنه قضى بالدين قبل الوصية، وقد رواه الترمذي موصولًا من حديث أبي إسحاق السبيعي عن الحارث الأعور عن على والحارث ضعيف، وقد عده الترمذي غريبًا، ثم حكى إجماع أهل العلم على القول به.
٥- ومنها ما هو ضعيف لا عاضد له وهو في الكتاب قليل جدًا، وحيث يقع ذلك فيه يتعقبه المصنف بالتضعيف بخلاف ما قبله، ومن أمثلته: (قوله في كتاب الصلاة): ويذكر عن أبي هريرة رفعه «لا يَتَطَوَّعُ الإمامُ في مَكانِهِ»، ولم يصح وهو حديث أخرجه أبو داود من طريق ليث بن أبي سليم عن الحجاج بن عبيد عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي هريرة، وليث بن أبي سليم ضعيف وشيخ شيخه لا يعرف وقد اختلف عليه فيه. [هدي الساري مقدمة فتح الباري ص ١٧ – ١٩].
الحديث المعلق من أنواع الضعيف، وذلك للجهل بحال الراوي أو الرواة الساقطين من إسناده، ويستثنى من ذلك ما جاء منه في الكتب التي التزم أصحابها الصحيح كالصحيحين فما كان منه بصيغة الجزم فهو حكم بصحته عن المضاف إليه، على أن ابن الصلاح اشترط في مثل هذا النوع اتصال الإسناد وما كان بصيغة التمريض فليس في شيء منه حكم بصحة ذلك عمن ذكره عنه؛ لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف - أيضًا؛ إلا أن ابن الصلاح صرح بأن إيراده له - أي (صاحب الصحيح) - في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارًا يؤنس به ويركن إليه [مقدمة ابن الصلاح ص ٢٥].
ويُفهم هذا الكلام على أن العلماء لا يلحقون المعلق في الصحيحين برتبة الأحاديث الموصولة، والله أعلم.
۱- غرر الفوائد المجموعة في الأحاديث المقطوعة للرشيد العطار طبع في جزء طبعة دار العلوم والحكم بتحقيق محمد خرشافي.
٢- تغليق التعليق لابن حجر طبع، في أربع مجلدات طبعته دار المكتب الإسلامي بتحقيق.
ويعد الحديث المعلق من أنواع الحديث الضعيف بسبب الجهل بحال الراوي أو الرواة المحذوفين، يوجد في الصحيحين أحاديث معلقة، لكن البخاري أكثر من مسلم في ذلك، وقد استخدم البخاري صيغتين: صيغة الجزم وصيغة التمريض، ولكل صيغة حكمها، فالجزم يُحكم غالبًا بصحة الحديث عن المضاف إليه، أما التمريض فلا يُحكم بصحته إلا إذا وُجد إسناد متصل في موضع آخر.