الحديثُ النبوي ميراثُ النبوّة وروحُ الشريعة، به تُحفظ معالم الدين وتستنير القلوب، ومن هنا تبرز أهمية بيان حكم الأحاديث الواهية ومراتبها، وشرح ضوابط التمييز بينها؛ صونًا للسنة النبوية الشريفة.
الحديثُ النبوي ميراثُ النبوّة وروحُ الشريعة، به تُحفظ معالم الدين وتستنير القلوب، ومن هنا تبرز أهمية بيان حكم الأحاديث الواهية ومراتبها، وشرح ضوابط التمييز بينها؛ صونًا للسنة النبوية الشريفة.
من خلال تأمل مصطلحات العلماء في "مراتب الجرح"، ومن خلال النظر في أحكام الأئمة المحدثين على الأحاديث، تبيّن أنهم مختلفون في المراد بالحديث الواهي، أو الراوي الذي يُقال بأن أحاديثه واهية.
فقد صرح الإمام النووي: صرح بأن "واهي الحديث، عند الأئمة مثل: متروك الحديث والكذاب"، فقال: "وإذا قالوا: متروك الحديث، أو واهيه، أو كذاب؛ فهو ساقط لا يُكتب حديثه". [تقريب النواوي مع تدريب الراوي، ١/٤٣٧، في النوع الثالث والعشرين: صفة من تقبل روايته وما يتعلق به. في المسألة الثالثة عشرة، مطبعة حسان، توزيع مؤسسة الرسالة. وراجع: توضيح الأفكار مع تنقيح الأنظار، ٢/٢٦٩-٢٧٠، مكتبة الخانجي، ١٣٦٦هـ]. وزاد الحافظ السيوطي: "ولا يُعتبر به ولا يُستشهد". [تدريب الراوي، ١/٤٣٧، الطبعة السابقة].
ولكن الحافظ العراقي: جعل الواهي في مرتبة الضعيف الذي يُعتبر بحديثه ولا يُطرح. [راجع: فتح المغيث للعراقي، ١/١٧٧، في المرتبة الرابعة من مراتب الجرح، مكتبة السنة بالقاهرة، وانظر: تدريب الراوي، ١/٤٣٧]
كما جعل من يُقال فيه: "واهٍ بالمرة" مع مطّرح الحديث ومردوده، وجعله مرتبة ثالثة بعد مرتبتي:" الكذاب والوضّاع"، ثم" المتهم بالكذب أو الوضع"، وقال: "كل من قيل فيه ذلك من هذه المراتب الثلاث لا يُحتج بحديثه، ولا يُستشهد به، ولا يُعتبر به". [فتح المغيث، للعراقي، ١/١٧٧]
فيرى الحافظ العراقي أن هناك الواهي الذي يتقوى حديثه، أو يُعتبر به، أو يُستشهد به، وهناك الواهي بالمرة الذي يُطرح حديثه ولا يُعتبر به.
وذكر ابن الجوزي: أن الأحاديث الواهية تشمل الأحاديث شديدة الضعف، وأن العلماء مختلفون في بيان مرتبة هذه الأحاديث، فبعضهم يدنيها من الحِسان، وبعضهم يُلحقها بالموضوعات، فقال في مقدمة كتابه "الموضوعات": "الخامس: (يعني القسم الخامس من أقسام الأحاديث) الشديد الضعف الكثير التزلزل، وهذا تتفاوت مراتبه عند العلماء، فبعضهم يُدنيه من الحِسان ويزعم أنه ليس بقوي التزلزل، وبعضهم يرى شدة تزلزله فيُلحقه بالموضوعات". [الموضوعات، لابن الجوزي، ١/١٤، في المقدمة، مكتبة أضواء السلف بالرياض، ١٤١٨هـ /١٩٩٧م]، وفي هذا جمَع ابن الجوزي الكتاب المسمى "بالعلل المتناهية في الأحاديث الواهية". وقال في مقدمة هذا الكتاب: "لما كانت الأحاديث تنقسم إلى: صحيح لا يُشك فيه، وحسن لا بأس به، وموضوع مقطوع بكذبه، ومتزلزل قوي التزلزل، فأما الصحيح والحسن فقد عُرفا، وأما الموضوع فإني رأيته كثيرًا...، وجمعت الموضوعات المستبشعة في كتاب سميته: كتاب "الموضوعات من الأحاديث المرفوعات"؛ وقد جمعت في هذا الكتاب [يعني كتاب: "العلل المتناهية في الأحاديث الواهية"] الأحاديث الشديدة التزلزل الكثيرة العلل ورتبته كتبًا على نحو ترتيب كتب الفقه ليسهل المأخذ منه على الطالب، والله الموفق". [العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، ١/ ١، في المقدمة، طبعة باكستان].
فكتاب (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية): هو أشهر مصنف في الأحاديث الواهية [مظان الأحاديث الواهية: ذكر ابن عراق كثيرًا من هذه الكتب عند سرده لمصادر ابن الجوزي في العلل المتناهية، فقال: "ومواد ابن الجوزي التي يسند الأحاديث من طريقها غالبًا: الكامل لابن عدي، والضعفاء لابن حبان، وللعقيلي، وللأزدي وتفسير ابن مردويه، ومعاجم الطبراني، والأفراد للدارقطني، وتصانيف الخطيب، وتصانيف ابن شاهين، والحلية، وتاريخ أصبهان وغيرهما من مصنفات أبي نعيم، وتاريخ نيسابور وغيره من مصنفات الحاكم، والأباطيل للجوزقاني، تنزيه الشريعة المرفوعة من الأخبار الشنيعة الموضوعة، ١/٤، لأبي الحسن علي بن محمد بن عراق الكناني (٩٠٧-٩٦٣هـ)، طبعة دار الكتب العلمية]، جمع فيه ابن الجوزي الأحاديث شديدة الضعف المجمع على ضعفها وعلى ترك رواتها، والتي ألحقها بعض العلماء بالموضوعات، كما جمع فيه كثير من الأحاديث التي أدناها العلماء من الأحاديث الحسان، وأورد ابن الجوزي نفسه في هذا الكتاب كثيرًا من الأحاديث التي أوردها في كتابه "الموضوعات"، كما أورد في (الموضوعات) كثيرًا من الأحاديث الواهية، كما صرح بذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه (النكت)، (راجع: النكت على كتاب ابن الصلاح، لابن حجر العسقلاني، ٢/٨٥٠، طبعة المجلس العلمي لإحياء التراث بالمدينة المنورة ١٤٠٤هـ/١٩٨٤م) ومحقق كتاب (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية). [العلل المتناهية، ١/ الصفحة ن، بتحقيق الأستاذ/ إرشاد الحق الأثري، طبعة باكستان].
ووضح العلامة ظفر أحمد التهانوي: أن الواهي من الأحاديث يُطلق على الأحاديث شديدة الضعف، وأن الحديث شديد الضعف له درجتان:
إحداهما: ما اتفقوا على شدة ضعفه، وهذا ليس بحجة.
الثانية: ما اختلفوا فيه وأدنوه من الحسان، وهذا قد يُحتج به. [راجع قواعد في علوم الحديث لظفر أحمد التهانوي، ص١١٥، طبعة دار السلام بالقاهرة، ط٦، ١٤١٧هـ/١٩٩٦م].
أقول: من خلال ما سبق، ومن خلال الرجوع إلى "مراتب الجرح" عند الأئمة يتبيِّن أن الأحاديث الواهية تطلق على نوعين من الأحاديث:
الأول: الحديث الواهي فقط، وهذا الحديث هو الذي أدنَوه من الحسان، ورأوا صلاحيته للاعتبار، أو للاستشهاد به لوجود راوٍ فيه - أو أكثر - لم يجمعوا على ترك حديثه.
الثاني: الحديث الواهي بالمرة، وهذا الحديث هو الذي ألحقوه بالموضوعات في -الترك؛ لوجود راوٍ فيه - أو أكثر - مجمع على ترك حديثه، وعلى عدم الاحتجاج به ولا الاعتبار ألبتة، والله تعالى أعلم.
الأحاديث الواهية عند المحدثين تنقسم إلى قسمين؛ قسم أدنَوه من دائرة الحسان فرأوا صلاحيته للاعتبار، أو الاستشهاد به لوجود راوٍ فيه، أو أكثر لم يقع الاتفاق على ترك حديثه، وقسم واهٍ بالمرة أخرجوه من حيّز القبول وألحقوه بالموضوعات لما فيه من راوٍ، أو أكثر قد أجمع الأئمة على طرح حديثه وترك الاحتجاج به، أو الالتفات إليه صونًا لحياض السنة من كل دخيل.